في أبريل 2024، بدأ حمدي سيد، مزارع من قرية سلوا بمحافظة أسوان، تجهيز أرضه لزراعة محصول قصب السكر، إذ يعتمد على زراعة الشتلات بنظام الفسائل التي يشتريها من مصنع كوم أمبو التابع لشركة السكر والصناعات التكاملية المصرية، بدلاً من استخدام طريقة الزراعة بالعُقَل، وبعد 8 أشهر من العمل الشاق، جاء موعد حصاد المحصول في يناير الماضي ليكتشف أن إنتاج أرضه تراجع هذا العام ما يقارب الثلث مقارنة بالعام الماضي.
- العُقَل هي أجزاء تُقتطع من النبات الأم لتُزرع وتنمو كنبات جديد، بينما الفُسائل هي نموات جانبية تخرج طبيعيًا من قاعدة النبات الأم وتُفصل عنه لتُزرع مباشرة.
يقول: "عادةً ما يُنتج الفدان نحو 80 طنًا من القصب، إلا أن الإنتاج هذا العام تراجع ليتراوح بين 50 و65 طنًا فقط، نتيجة قلة الأسمدة من الجمعيات الزراعية".
يشرح أنه يزرع ما بين فدان وفدانين من أرضه التي توارثها عن أجداده كل عام، والفدان الواحد يحتاج إلى 18 شوالًا من الأسمدة خلال الموسم، لكن أسمدة الجمعية لا تكفي، فهي 9 شوالات فقط للفدان الواحد في موسم زراعته الذي يبدأ في فبراير، لذا يشتري باقي الكمية من الأسواق الخارجية بتكلفة تصل إلى 900 جنيه للشوال الواحد، مما يؤدي إلى تدني هامش ربحه حسبما يؤكد.

نقص الأسمدة
حمدي ليس وحده، إذ يعاني مزارعو القصب في أسوان من تدني هامش الربح بسبب نقص الأسمدة التي تقدمها الجمعيات الزراعية، مما يضطرهم إلى شرائها على نفقتهم الخاصة، ويزيد من تكلفة الإنتاج، مما أدى إلى تناقص المساحات المنزرعة من قصب السكر في أسوان خلال آخر أربع سنوات، في ظل غياب رقابة وزارة الزراعة.
تظهر بيانات محافظة أسوان والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تراجع مساحات زراعة قصب السكر من 95 ألف فدان خلال العام 2021 إلى 88 ألف فدان العام 2023 ثم 79 ألف فدان العام 2024، مما يعكس وجود تحديات كبيرة تواجه قطاع زراعة قصب السكر.

في ديسمبر 2024، أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية عن استعدادها لموسم قصب السكر لعام 2025، حيث حددت سعر التوريد بـ2500 جنيه وتستهدف شراء 6 ملايين طن من المحصول، مع السعي لإنتاج حوالي 650 ألف طن من السكر هذا العام.
بيد أن ورقة بحثية خرجت من مركز حلول للسياسات البديلة في سبتمبر 2024، أوضحت أنه رغم الزيادة التي شهدها سعر التوريد بالجنيه، إلا أن قيمته الحقيقية عند تحويلها إلى الدولار لم تشهد أي زيادة ملحوظة بين عامي 2015 و2024.

وبلغ سعر طن التوريد 52 دولارًا في عام 2015، في حين سجل سعر الطن في عام 2024 نحو 51 دولارًا، مما يعكس أن الزيادة في أسعار التوريد ليست كافية لمواكبة التحديات الاقتصادية التي يواجهها المزارعون.
ويؤكد النوبي أبو اللوز، الأمين العام لنقابة الفلاحين، على ضرورة توفير دعم عيني لمزارعي القصب من الأسمدة، كي يتمكنوا من الاستمرار في الإنتاج وزرع مساحات أكبر من قصب السكر في أسوان.
يزرع الفلاحون قصب السكر على ضفاف نهر النيل، من المنيا حتى أسوان، حيث يعد المحصول مصدر الدخل الرئيسي لما يقارب 500 ألف أسرة، يعملون في زراعته والصناعات المرتبطة به، وفق الورقة البحثية لـ"مركز الحلول".
من بينهم حمدي عابدين، مزارع من مركز إدفو، الذي يوضح أن نوعية السماد التي توفرها الجمعيات الزراعية أقل كفاءة للأرض من سماد مصنع كيما للصناعات الكيماوية بأسوان، الذي اعتاد استخدامه في السابق: "السماد الموجود حاليًا غير فعال ويمكن وضع 20 شكارة للفدان، ومع ذلك يأتي الإنتاج ضعيفًا".
ويقول عابدين إنه كان من المتوقع أن يحقق بين 50 إلى 45 طنًا للفدان هذا الموسم، لكن الواقع جاء مخيبًا حيث لم يتجاوز العائد 35 طنًا، مؤكدًا التكاليف زادت بشكل كبير، خاصة مع تحمل تكلفة الزراعة بالكامل من إيجار العامل الذي يصل إلى 200 جنيه لليوم، بالإضافة إلى تكاليف جرار النقل.

زراعة الشتلات
يقترح الدكتور أيمن العش مدير معهد المحاصيل السكرية، على عابدين وسيد وغيرهم من مزارعي القصب في أسوان التوجه نحو زراعة القصب باستخدام الشتلات بدلًا من الطرق التقليدية، التي يمكن أن تساهم بشكل كبير في زيادة إنتاجية الأرض، ويأتي هذا المقترح استجابة لشكاوى المزارعين من أن محاصيلهم لم تعد تُحقق عائدًا يُغطي تكاليف الإنتاج.
ويوضح لـ"عين الأسواني" أن هناك مصنعين في مركزي كوم أمبو وإدفو، متخصصين في زراعة الشتلات، يمتلكون قدرة إنتاجية تصل إلى 13 مليون شتلة، وهو ما يكفي لزراعة نحو 11 ألفًا و200 فدان.

ويؤيده في ذلك الدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين، مشيرًا إلى أن وجود مصنعين لشتلات القصب في أسوان يعزز التوجهات نحو هذه الزراعة الحديثة، حتى تستطيع الجمعيات الزراعية مدهم بما يكفي من الأسمدة.
بينما حسين أبو اللوز يشير إلى أن هذا الحل يصطدم المزارعون بعقبات، أهمها اعتماد معظم مناطق صعيد مصر على الري بالغمر، ما يجعل تطبيق تلك المقترحات صعبًا دون تطوير شامل لأنظمة للري، بجانب تحسين وتطوير أنواع التقاوي لتلبية احتياجات المزارعين وزيادة إنتاجية المحصول.
ويحذر من أن استمرار هذا التراجع في زراعة القصب قد يُجبر الدولة على استيراد كميات متزايدة من السكر، ما يُفاقم الضغط على الاقتصاد الوطني في ظل ارتفاع تكلفة الاستيراد بالعملة الصعبة.

أزمة السكر
يعكس الواقع أثر تناقص مساحات زراعة قصب السكر في مصر، حيث تُظهر بيانات نشرة الإحصاءات الزراعية الصادرة عن وزارة الزراعة تراجعًا في إنتاجية مصر من قصب السكر، إذ بلغ إجمالي الإنتاج في عام 2023 نحو 14.25 مليون طن، مقارنة بـ15.56 مليون طن في عام 2022.

وتلقي المشكلة بظلالها حيث واجهت الحكومة منذ عامين أزمة كبيرة في توفير السكر بالأسواق المحلية، بسبب الفجوة المستمرة بين حجم الإنتاج والاستهلاك، خاصة أن إنتاجية فدان قصب السكر انخفضت في مصر من 46.706 طنًا في عام 2022 إلى 45.008 طنًا في عام 2023، أي بنسبة تراجع تُقدر بحوالي 3.6%.

ويُنتج فدان القصب في المتوسط نحو 4.5 طن سكر، إلا أن ذلك لا يمنع وجود عجز في توفير السكر للمستهلكين، ففي ديسمبر 2023 أعلنت وزارة التموين عن استيراد ما بين 400 و500 ألف طن من السكر، ومع استمرار الأزمة، اضطرت الحكومة في مارس 2024 إلى استيراد مليون طن إضافي، لتأمين احتياجات السوق المحلي.
وارتفعت فاتورة واردات مصر من السكر بنسبة 22.5% العام الماضي إلى 890 مليون دولار مقابل 727 مليون دولار في 2023 وفق وزارة التموين.
لذا يوضح محمد حسن، مزارع من مركز إدفو، أن الفدان إذا أنتج جيدًا قد يعطي حوالي 50 طنًا من القصب، مما يعني عائدًا جيدًا، ولكن هذا الموسم، كان الإنتاج أقل من المتوقع مما يؤثر على المساحات المنزرعة.

ويشير إلى أن كمية السماد التي توفرها الجمعيات الزراعية غير كافية، حيث تقدم 9 شكاير فقط، بينما يحتاج الفدان إلى حوالي 16 شيكارة، ولذلك، اضطر إلى شراء السماد من الخارج بسعر 1200 جنيه للشيكارة، مطالبًا بتوفير السماد بكميات أكبر وزيادة سعر التوريد، لأن نصف الربح يذهب لتغطية تكاليف النقل والزراعة.
ورغم ذلك، يلقي الدكتور الحسين حمد، مدير محطة البحوث الزراعية بكوم أمبو، مسؤولية نقص مساحات قصب السكر في أسوان على المعاملات الفنية والزراعية الخاطئة التي يقوم بها الفلاح، مثل تجاهل إضافة العديد من العناصر الغذائية التي يمكن أن تحسن المحصول، والتركيز فقط على بعض العناصر المحدودة.
ويشير لـ"عين الأسواني" إلى أن الري المفرط يعد من الأخطاء الشائعة: "الري يكون بناءً على احتياجات كل نبات، حيث لكل نبات حالته الفسيولوجية الخاصة، وكلها أسباب تؤثر في النهاية على إنتاجية الأرض".

حاولت "عين الأسواني" التواصل مع المتحدث باسم وزارة الزراعة، محمد القرش، عبر المكالمات الهاتفية ورسائل "واتساب"، للاستفسار حول خطة الوزارة لزيادة المساحات المزروعة بمحصول قصب السكر، ومعالجة التحديات التي تواجه المزارعين، إلا أننا لم نتلقَ أي رد حتى الآن.
رغم تمسّك حسن وحمدي وعابدين هذا العام بزراعة القصب، لإيمانهم بأهميته كمحصول استراتيجي، فإن التحديات المالية المتزايدة دون تعويض كافٍ أو هامش ربح مناسب قد تدفعهم للعزوف عن زراعته في الموسم المقبل.
يقول حسن: "رغم كل شيء، القصب هو رزقي ورزق عيالي، بس الوضع بقى صعب جدًا"، بينما حمدي: "زرعناه من أيام جدودنا، ومش سهل نسيبه"، أما عابدين: "الأرض مش هتدي من غير سماد وري صح ولازم الدولة تساعدنا".