تملأ روائح الأعشاب والزيوت النفاثة المطبخ، بينما تتناثر عبوات بلاستيكية صغيرة بعضها ممتلئ بسائل كثيف، وبعضها ينتظر أن يتجمد في قوالب بلاستيكية. في الزاوية، تكدّست أدوات تُستخدم يوميًا في صناعة الصابون، تلك الخلطة التي باتت جزءًا من روتين صفاء حسن، ربة منزل، وأم لثلاثة أبناء يعيشون في منطقة السيل بأسوان.
لم تكن صناعة صفاء للصابون رفاهية، ولكنها أرادت أن تُخفف عن بيتها وطأة الغلاء، لذا بدأت بصناعته مجبرة في منزلها، مستخدمة مواد ليست آمنة لكنها تفي بالغرض، مع مرور الوقت أصيبت بالتهابات في يديها: "لا استخدم قفازات لأنها مكلفة لذا تتعرض يدي لملامسة تلك المواد مباشرة وإلى الحرارة حتى انتشرت الالتهابات بها لكنني أوفر القليل من نفقات البيت".
تلجأ نساء في محافظة أسوان إلى صناعة الصابون منزليًا كوسيلة للتوفير ومواجهة أعباء المعيشة، في ظل ارتفاع أسعار المنتجات الجاهزة، إلا أن هذه المحاولة البسيطة تُنفذ بطرق غير آمنة، حيث لا تُستخدم أدوات الحماية الأساسية مثل القفازات أو الكمامات، ما يعرض النساء لمخاطر صحية عديدة، من بينها التهابات الجلد والحروق الكيميائية.
هذا التقرير يُسلّط الضوء على الدوافع الاقتصادية وراء لجوء النساء لهذه الممارسة، والمخاطر الصحية التي يتعرضن لها في المقابل.

ارتفاع سعر الجاهز
تقول صفاء: "أنا بحس إن اللي بعمله ده مش بسيط، أنا بحاول أنقذ بيتي، مش مهم التعب، طالما قدرت أوفر لولادي حاجة، حتى لو كانت بصناعة الصابون".
تشهد أسعار المنظفات في مصر زيادات سنوية متواصلة، خلال عام 2022 ارتفعت بنسبة 25% متأثرة بزيادة أسعار مواد التعبئة والتغليف التي قفزت آنذاك بنسبة 50%، وفي عام 2023، سجلت المنظفات ارتفاعًا إضافيًا بنسبة تتراوح بين 16 - 130%، تلاه ارتفاع جديد في 2024 بنسبة 15%، أما في عام 2025، أظهرت بيانات شعبة المنظفات أن أسعار الصابون تحديدًا ارتفعت بنسبة تراوحت بين 7% و9%.

يعزو حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، ارتفاع أسعار المنظفات خلال الفترة الأخيرة، إلى عدة عوامل على رأسها زيادة تكلفة المواد الخام المستوردة، نتيجة تقلبات أسعار الصرف والاضطرابات التي طالت سلاسل التوريد العالمية، موضحًا أن ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل والطاقة، ما أدى إلى زيادة شاملة في كلفة الإنتاج، فضلًا عن تأثير بعض التعديلات التنظيمية والضريبية في عدد من المناطق.
وأشار لـ"عين الأسواني" إلى وجود تحول استهلاكي واضح لدى بعض الفئات الاجتماعية، خاصة في المناطق منخفضة الدخل، نحو بدائل منزلية مثل الصابون اليدوي، مؤكدًا أن هذا التوجه لا يزال محدودًا ولم يصل بعد إلى مستوى الظاهرة العامة.
تستخدم صفاء في صنع الصابون زيت الطعام المستعمل بدلًا من التخلص منه، وتضيف إليه الصودا الكاوية، والقليل من الدقيق والماء، مع الوقت، أصبح وسيلتها لتوفير نحو 300 جنيه شهريًا في بند الصابون فقط، ولكن مع تكرار الخلط اليدوي، بدأت تعاني من بقع حمراء وتورّم: "عملي مشاكل جلدية لكن مفيش حل تاني عشان أوفر في الفلوس".

آثار صحية خطيرة
يحذّر الدكتور أيمن الزغبي، أخصائي الأمراض الجلدية، من مخاطر استخدام الصودا الكاوية بتركيز عالٍ أثناء تصنيع الصابون المنزلي، مؤكدًا أنها قد تؤدي إلى حروق كيميائية نتيجة التفاعلات القوية التي تحدث خلال الخلط.
ويوضح لـ"عين الأسواني" أن هذه التفاعلات قد تنتج عنها أبخرة مهيّجة للجلد والجهاز التنفسي، خاصة عند التصنيع في أماكن مغلقة، مما يستدعي ضرورة ارتداء القفازات الواقية، والعمل في مكان جيد التهوية مزوّد بوسائل لسحب الأبخرة والغازات.
يقول: "تورم اليدين قد يشير إلى الإصابة بإكزيما تلامسية، بينما قد تكون التصبغات الجلدية نتيجة حساسية مزمنة أو حروق سطحية، ولا بد من استخدام مراهم تحتوي على الكورتيزون لتخفيف الالتهاب، مع الاستعانة بمرطبات طبية قوية في حال تقشر الجلد والابتعاد عن صناعة الصابون منزليًا دون ارتداء أدوات وقاية".

وحذرت دراسة خرجت من جامعة بكين خلال العام 2015، من أن التعرض الطويل لبعض المواد الكيميائية المستخدمة في منتجات العناية الشخصية، مثل الصابون، قد يزيد من مخاطر التهابات الجلد، حيث أجريت على 300 سيدة، ووجدت ارتباطًا بين ارتفاع مستويات "الفثالات" في الجسم -وهي مواد شائعة في مستحضرات النظافة- وزيادة احتمالية التعرض لسرطان الجلد.
تظهر إحصاءات النشرة السنوية للتجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أكتوبر 2022، أن مصر استوردت صابونًا ومستحضرات تنظيف متنوعة بقيمة بلغت نحو 14.386 مليون دولار، أي ما يعادل 225.86 مليون جنيه مصري، وذلك خلال شهر أكتوبر وحده.
ويُقارن هذا الرقم بواردات بلغت 14.007 مليون دولار، ما يعادل 219.91 مليون جنيه، في الشهر نفسه من العام 2023، مسجّلة زيادة قدرها 379 ألف دولار، تعادل نحو 5.95 مليون جنيه مصري.
بينما شهد إنفاق مصر على استيراد الصابون خلال عام 2024 تطورًا ملحوظًا، حيث سجل في الربع الأول نحو 84.4 مليون دولار، وارتفع في الربع الثاني إلى 105.3 مليون دولار، ثم استقر في الربع الثالث عند 105.2 مليون دولار، قبل أن يتراجع بشكل كبير في الربع الرابع ليسجل نحو 65.3 مليون دولار.
في الحي نفسه الذي تسكن فيه صفاء، تعيش رحمة سمير، ربة منزل 36 عامًا وأم لأربعة أطفال، في ظروف لا تقل صعوبة، بل ربما أشد قسوة، إذ لا يتجاوز دخل أسرتها 4500 جنيه شهريًا، ما يجعل التوفير ضرورة لا رفاهية.

جاءت فكرة صناعة الصابون من محادثة عابرة مع إحدى الجارات، حيث تعلّمت الخلطة البدائية المتداولة بين نساء الحي، وهي الزيت والصودا الكاوية، وبدأت تجربتها على أمل توفير 300 جنيه شهريًا كانت تنفقها على المنظفات، دون أن تضع اعتبارًا للأثر الصحي.
وكما حدث مع صفاء، لم يخلُ الأمر من تبعات صحية؛ فقد عانت رحمة من تورم في اليدين بعد كل مرة تصنع فيها الصابون، واضطرت لاستخدام الثلج أو المراهم كلما سمحت ظروفها، ورغم محاولتها استخدام القفازات وأدوات للتقليب إلا أن ارتفاع أسعارهما حال دون ذلك مما أدى إلى استمرار التهيّج الجلدي.
تقول: "مقدرش أوقف صناعة صابون لأنه الوسيلة الوحيدة لمواجهة الغلاء في أسعار المنظفات، حتى لو كان التمن ألم في إيدي والتهابات، أنا بحاول كل يوم أوفر في بنود المصاريف عشان عيالي يقدروا يتعملوا كويس وأقدر أصرف عليهم".
إذا حاولت صفاء ورحمة اللجوء إلى المنظفات المدعمة عبر بطاقات التموين كبديل عن صناعة الصابون المنزلي، ستصطدمان بواقع لا يختلف كثيرًا، إذ شهدت أسعار هذه المنتجات ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأشهر الأخيرة من العام 2024، حيث زاد سعر صابون الغسيل من 2.25 جنيه إلى 5.25 جنيه، بينما ارتفع صابون الحمام من 5.50 جنيه إلى 7.50 جنيه، رغم كونه موجهًا لأكثر من 64 مليون مواطن يحصلون عليه من خلال نحو 23 مليون بطاقة تموين.

النساء تدفع الثمن
وهنا ترجع الدكتورة جيهان النمرسي، أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر والمستشارة النفسية في مجال الإرشاد الأسري، لجوء بعض النساء إلى المجازفة بصحتهن في سبيل توفير المال، إلى تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
وتوضح النمرسي لـ"عين الأسواني" أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تعاني منها العديد من الأسر، تدفع النساء إلى تقليص النفقات بأي وسيلة ممكنة، حتى إن كان ذلك على حساب صحتهن الجسدية، مشيرة إلى أن انخفاض مستوى الدخل وتعدد الأعباء يجعل بعض الأسر تتغاضى عن الرعاية الصحية الوقائية، مفضّلة أولويات أخرى مثل الغذاء، التعليم، والعلاج
وتلفت النمرسي إلى أن الحرمان من الموارد وارتفاع أسعار المنتجات الأساسية كالصابون والمنظفات، يدفع الكثير من النساء إلى الاعتماد على بدائل منزلية أقل تكلفة، مؤكدة أن المرأة تتحمل العبء الأكبر، نظرًا لكونها الطرف المسؤول عن تدبير شؤون المنزل اليومية، وإيجاد حلول عملية في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
يقع عبء إدارة ميزانية الأسرة على عاتق مروة حسين، 50 عامًا، تقيم في منطقة السد العالي، لا يتجاوز الدخل الشهري لأسرتها 5500 جنيه، يُوزع بالكاد بين فواتير الكهرباء والمياه والغاز، واحتياجات الطعام، إلى جانب مصاريف أبنائها الثلاثة، أكبرهم طالب جامعي وأصغرهم ما زال في المرحلة الثانوية.
في محاولة منها للتكيّف مع هذه الظروف، لجأت مروة إلى صناعة الصابون منزليًا لتقليل النفقات دون الإخلال بالاحتياجات الأساسية للأسرة، تقول: "بقيت أوفر ثمن الصابون والكلور ومسحوق الغسيل، وأعتمد على الصناعة المنزلية".

ورغم حرصها على ارتداء القفازات أثناء التحضير، ظهرت على يديها علامات التهيج والاحمرار والحكة: "أنا صحتي مش قد الشغل ده، بس مضطرة، التوفير مش رفاهية دلوقتي، ده بقى ضرورة علشان العيال يكملوا تعليمهم من غير ما نمد إيدينا لحد".
ويحذّر المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية، من المخاطر الصحية المرتبطة بالمنتجات المنزلية غير الخاضعة للرقابة، مثل استخدام مكونات غير آمنة أو تركيزات ضارة قد تؤدي إلى أضرار جسدية، مؤكدًا على أهمية تفعيل دور الجهات الرقابية والتوعوية في هذا السياق لحماية المستهلكين وضمان سلامتهم.
وفيما يخص حركة المبيعات داخل المناطق الشعبية، أشار حازم المنوفي إلى وجود مؤشرات على تراجع نسبي في الإقبال على شراء المنظفات الصناعية خلال الأشهر الأخيرة، مرجعًا ذلك إلى تغيّر أولويات الإنفاق لدى المستهلكين، حيث بدأ بعضهم في تقليل الكميات التي يشترونها، أو الاتجاه نحو بدائل أقل تكلفة.
يؤكد حديثه، وائل أحمد، تاجر منظفات في منطقة السيل، بأن السوق يشهد تراجعًا واضحًا في الإقبال على المنظفات مرتفعة الثمن، مع تزايد التوجه نحو البدائل الأرخص رغم ضعف جودتها أحيانًا.
يقول: "الطلب على الصابون الغالي قلّ، وبقى معظم الزباين يختاروا الصابون الشعبي، اللي بيتباع أربع قطع منه بـ25 جنيهًا بس، علشان سعره مناسب"، موضحًا أن هذا التحوّل في سلوك المستهلك انعكس على طبيعة البضائع التي يوفرها في متجره: "أصبحت أركّز على توفير الصابون الشعبي والمعطر والسائل الفلت المصنوع يدويًا، اللي بيتباع الكيلو منه بـ25 جنيه، أما الصابون الجاهز من الشركات المعروفة سعره غالي، والنصف لتر منه يصل إلى 40 جنيه".

وأشار إلى أن بعض ربات البيوت في المنطقة لجأن إلى صناعة الصابون منزليًا وبيعه للتجار كوسيلة لتحقيق دخل إضافي: "أحيانًا بشتري من سيدات بيصنعوا الصابون في بيوتهم، بيبيعوا لي ست قطع بـ10 جنيه، وأنا ببيعهم في المحل ثلاث قطع بـ10 جنيه، الزباين بيفضّلوا النوع ده لأنه أرخص وبيأدي الغرض".
يطرح المنوفي أن الغرف التجارية يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تنظيم سوق المنتجات المنزلية، إذا ما توسع الاعتماد عليها، من خلال التعاون مع الجهات الحكومية لوضع معايير إرشادية تضمن الجودة والسلامة، مشددًا على ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي بالاستخدام السليم للمنظفات، سواء كانت صناعية أو محلية الصنع.
رغم اختلاف أعمارهن وتجاربهن، يجمع صفاء ورحمة ومروة طريق واحد مليء بالكدح والصبر، حيث تتحول المطابخ إلى ورش صغيرة تنبعث منها روائح الصابون لا الرفاهية، بأيدٍ متورمة وأجساد أنهكها الغلاء، تخوض النساء معركة يومية صامتة لتوفير ثمن المنظفات.