تحت شمسٍ حارقة، وقفت فاطمة علي، ربة منزل، تتفقد بعينيها الثلاجة الخالية في منفذ اللحوم التابع لوزارة التموين في حي السيل بأسوان. اعتادت أن تجد هناك إعلانًا عن وصول اللحوم السودانية منخفضة السعر مقارنة باللحوم البلدية قبل حلول عيد الأضحى، لكن هذا العام كان مختلفًا.
كانت تشتري فاطمة، وهي أم لثلاثة أبناء، كيلو اللحم السوداني بـ250 جنيه وارتفع مطلع العام الحالي إلى 280 جنيه، لكنه يظل أرخص مقارنة باللحوم البلدية التي وصل الكيلو منها إلى 500 جنيه، إلا أنها اختفت من أسواق أسوان قبل العيد: "إحنا دخلنا الشهري 6 آلاف جنيه بس بتروح على المصاريف والإيجار، وملناش بديل تاني غير اللحمة السودانية".
فاطمة ليست الوحيدة التي تعتمد على اللحوم السودانية، إذ تزيد معاناة الأسر في أسوان بسبب نقص واختفاء هذا النوع الأرخص من اللحوم قبل عيد الأضحى حيث كان الملاذ الأخير لهم، مما زاد من معاناتهم في الحصول على اللحوم. "عين الأسواني" تتبع في التقرير التالي أسباب هذا النقص الحاد وتأثيره على الأسر.

آلية دخول اللحوم السودانية
في 9 نوفمبر العام 2021، وقعت وزارة الزراعة المصرية اتفاقيات مع شركة اتجاهات السودانية لتوفير اللحوم الحية على مدار عامين، من يناير 2022 حتى يناير 2024، ووفقًا لهذه الاتفاقيات، تستورد مصر الماشية الحية وتُبح في مجزر أبو سمبل، ثم تُشحن لتُوزع عبر منافذ وزارة التموين والجهات الحكومية المتعاقدة معها.
لكن في العام 2023 وقع نزاع مسلح في السودان بين القوات المسلحة السودانية التي يقودها عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع تحت قيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تلاه في آواخر العام 2024 قرار من قوات الدعم السريع في السودان بمنع تصدير نحو 12 سلعة من المناطق التي تسيطر عليها إلى القاهرة على رأسها الماشية بأنواعها.
أثرت هذه الحرب على واردات مصر من اللحوم حيث أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء انخفاضًا بنسبة 44.7% خلال العام 2024 لتصل إلى 39.71 مليون دولار مقارنة بـ71.92 مليون دولار في عام 2023.
وعلى صعيد واردات مصر من اللحوم السودانية، سجلت تراجعًا بنسبة 23.4% في عام 2023، حيث بلغت قيمتها 386.9 مليون دولار مقابل 505.4 مليون دولار في 2022، إذ تعتمد مصر على استيراد أكثر من 60% من احتياجات السوق من اللحوم من السودان.

نفاد المخزون
يرجع خالد الجميعي، مدير ثلاث منافذ للحوم تابعة لوزارة الزراعة في منطقة أبو سمبل، سبب ظهور تأثير الحرب في السودان على توافر اللحوم السودانية بأسوان بعد مرور عامين، إلى نفاد كميات المواشي التي استوردها التجار قبل اندلاع الحرب: "كانت المواشي وقتها صغيرة في العمر وأصبحت جاهزة للذبح".
ويضيف لـ"عين الأسواني": "وبعد ذبح العديد منها على مدار عامين لم يعد يتبقى شيء، وسط أزمة ضخمة في الاستيراد، وتوقف الواردات بسبب الحرب، مما أدى إلى نفاد المخزون القديم وغياب توريدات جديدة في الأسواق".
تعد الحيوانات الحية من أهم الأصناف المستوردة من السودان إلى مصر، إذ تشكّل وحدها نحو 57.4% من إجمالي تلك الواردات، بقيمة تبلغ 5.8 مليار جنيه وفق هيئة الصادرات والواردات.
يؤكد ذلك، المهندس منجد إبراهيم، المدير التجاري في الشركة المصرية السودانية للتنمية والاستثمارات المتعددة، بأن مصر كانت تستورد لحومًا حية ومذبوحة من السودان بقيمة تصل إلى 450 مليون دولار سنويًا قبل اندلاع الحرب في السودان، وهو ما يمثل نحو 90% من صادرات اللحوم السودانية، لكن نفاد المخزون بدأ يظهر الآن.
تتسع الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج المحلي للحوم في مصر وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. في العام 2022 بلغ استهلاك مصر من اللحوم نحو مليون طن، من بينها 555 ألف طن من إنتاجها المحلي و445 ألف طن مستورد، بينما في العام 2021 بلغ حجم استهلاك مصر من اللحوم نحو 978 ألف طن تنتج مصر منه 554 ألف طن، بينما تستورد نحو 425 ألف طن، مما يشير إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد لتلبية الطلب المتزايد على اللحوم.

فجوة بين الإنتاج والاستهلاك
لذا يؤكد الدكتور مصطفى خليل، مستشار مشروعات الإنتاج الحيواني بالهيئة العامة لتنمية الصعيد، أن الوضع الحالي للإنتاج الحيواني المحلي لا يمكنه تعويض النقص الحاصل في اللحوم السودانية بشكل فوري، موضحًا أن هناك فجوة كبيرة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، خاصة في اللحوم الحمراء.
يضيف لـ"عين الأسواني": "رغم توفر قدرات إنتاجية معقولة، إلا أنها لم تُستغل بالشكل الأمثل، ومع تراجع واردات اللحوم من السودان بسبب الحرب، ظهر مدى اعتمادنا الكبير على الاستيراد لتلبية الطلب، مما يزيد الضغط على القطاع المحلي الذي لا يملك القدرة حاليًا على سد هذه الفجوة".
ويأتي هذا الضغط متزامنًا مع انخفاض حاد في عدد رؤوس الماشية في مصر، حيث انخفض عددها من نحو 18.6 مليون رأس في بداية عام 2014 إلى 7.6 مليون رأس في عام 2023، بتراجع بنسبة 58.5%، وفقًا لنشرة الثروة الحيوانية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في أبريل 2025، مما يوضح محدودية القدرة المحلية على التعويض عن النقص في اللحوم المستوردة.
لكن الدكتور محمد سيف، عضو مجلس نقابة البيطريين، ينفي لـ"عين الأسواني" وجود أي نقص في اللحوم السودانية، ويلقي بالمسؤولية على الهيئة العامة للخدمات البيطرية، موضحًا أنه في حال وجود نقص باللحوم السودانية يمكن للمواطنين شراء اللحوم البلدية.

لم يكن هذا الحل مناسبًا لأسرة أحمد منصور، مواطن من منطقة أبو سمبل، ويعمل في سوبر ماركت بأجر شهري 3500 جنيه، في وقت وصل فيه سعر كيلو اللحوم البلدية إلى 500 جنيه، إذ سجل قطاع اللحوم في مصر ارتفاعًا خلال العام 2024 نحو 86%.
يقول أحمد: "مقدرش أشتري النوع دا من اللحمة لأنه غالي، أنا بعتمد على اللحوم السودانية لأنه أرخص، لكن بقالنا شهر قبل ما يجي العيد بندور عليها في الأسواق مش لاقيين، حتى لحمة الفقراء مش موجودة".
وبحسب إحصاء صدر في مارس الماضي عن المجلس المصري لبحوث الرأي العام "بصيرة" (غير حكومي)، انخفض استهلاك المصريين من اللحوم الحمراء من 18 طنًا لكل ألف نسمة في عام 2018 إلى 9 طن لكل ألف نسمة في عام 2022.
وعند مقارنة معدل الاستهلاك الفردي في مصر مع المتوسط العالمي، يظهر أن نصيب الفرد من اللحوم على مستوى العالم يبلغ حوالي 41.90 كجم سنويًا، بينما في السعودية يصل الاستهلاك السنوي للفرد إلى 50 كجم، مقابل 9.94 كجم فقط في مصر عام 2019.

ارتفاع تكاليف النقل
يوضح خالد الجميعي، مدير منفذ الزراعة للحوم، أن الحرب في السودان أدت إلى زيادة كبيرة في تكاليف نقل المواشي بسبب فرض رسوم متعددة وارتفع سعر كيلو اللحوم من 120 جنيهًا قبل الحرب إلى 280 جنيه حاليًا، ما تسبب في خسائر للتجار وتوقف العديد منهم عن الاستيراد، بعدما كان حجم الاستيراد يصل إلى 100 عجل أسبوعيًا تُوزع على منافذ أسوان.
بينما يوضح محمد عبدالحفيظ، تاجر مواشي، سبب آخر أدى إلى نقص اللحوم السودانية الآن: "ارتفاع تكاليف النقل بنسبة 150% على مدار عامين، إذ كانت كلفة نقل الشحنة لا تتجاوز 1500 جنيه، لكنها وصلت حاليًا إلى 15 ألف جنيه، كما زادت الجمارك بنسبة 200%، مما جعل استيراد اللحوم عملية باهظة التكاليف وغير مجدية اقتصاديًا في الوقت الحالي".
يؤكد لـ"عين الأسواني" أن التجار لجأوا إلى الاستيراد من الصومال وجيبوتي عبر البحر الأحمر، بسبب انخفاض تكلفة النقل والجمارك، مشيرًا إلى أن أبو سمبل، تعد المعبر الرئيسي لدخول المواشي السودانية إلى مصر، لكنها لا تضم حاليًا سوى نحو 3000 رأس فقط، مقارنة بأكثر من 150 ألف رأس قبل الحرب.
تؤيد الدكتورة هدى الملاح، مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، هذا التوجه، مؤكدة أن تكلفة النقل تعد عاملًا حاسمًا في تسعير اللحوم المستوردة: "الاعتماد على السودان كان اقتصاديًا بفضل القرب الجغرافي، الذي خفّض تكاليف النقل بشكل كبير، ولكن أسعار النقل تغيرت على مدار عامين".
وتوضح لـ"عين الأسواني" أن السودان كان مصدرًا مفضلًا لتوريد المواشي بسبب توفر المراعي الطبيعية وجودة اللحوم الناتجة عنها، إلى جانب وفرة المواشي وانخفاض أسعارها، ما جعلها خيارًا مثاليًا لمصر حتى اندلاع الحرب.

جولة ميدانية.. منافذ بلا لحوم
وللتأكد من نقص واختفاء اللحوم السودانية في محال الجزارة والمنافذ الحكومية، أجرت معدّة التقرير جولة ميدانية على عدد من فروع وزارة التموين بمحافظة أسوان، شملت منافذ في مناطق الشيخ هارون، أسوان، السيل الريفي، صحارى، وأطلس.
وأسفرت الجولة عن غياب تام للحوم السودانية من هذه المنافذ، رغم أنها كانت تمثل خيارًا أساسيًا للأسر محدودة الدخل خلال السنوات الماضية.
وتأتي هذه الجولة لتؤكد ما ورد في إفادات التجار والمسؤولين حول نفاد الشحنات القديمة من اللحوم السودانية، وقال أحد موظفي المنافذ: "لا توجد لحوم سودانية ولا نعلم متى ستصل الشحنات القادمة، واللحوم لم تطرح في الفروع منذ أكثر من شهر دون إشعار رسمي".
وأوضح الموظف ذاته أن اللحوم السودانية، حين تتوفر، تنفد خلال ساعات قليلة بسبب الإقبال الكبير عليها، حيث يحرص المواطنون على شراء كميات كبيرة بسبب انخفاض سعرها.
في المقابل، أظهرت جولة موازية على محال الجزارة بأسوان ارتفاعًا كبيرًا في أسعار اللحوم البلدية، حيث بلغ سعر اللحوم الحمراء الخالصة 400 جنيه للكيلو، والمختلطة نحو 360 جنيهًا، بينما وصل سعر لحوم المواشي كبيرة السن إلى 250 جنيه، كما لوحظ اختفاء شبه كامل للحوم المستوردة من أنواع أخرى.
ويشرح محمد عبدالحفيظ، تاجر المواشي، أن منطقة أبو سمبل -بوابة دخول المواشي السودانية إلى مصر- تنقسم إلى قسمين: الأول حكومي، والثاني يتبع القطاع الخاص، موضحًا أن الجانب الحكومي لا يزال يواصل العمل من خلال شركتين فقط، لكن بكميات محدودة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب، مشيرًا إلى أن الحكومة تتحمّل خسائر مالية كبيرة لتوفير اللحوم السودانية بأسعار مدعومة، في محاولة لكبح جماح أسعار اللحوم البلدية، التي ارتفعت نتيجة غياب البدائل.
أما في ما يتعلق بالقطاع الخاص، يكشف عبدالحفيظ، إن نحو 12 شركة كانت تنشط في استيراد المواشي عبر أبو سمبل قبل اندلاع الحرب، غير أن معظمها انسحب من السوق بسبب الخسائر المتزايدة الناتجة عن الصراع في السودان، وارتفاع تكاليف النقل والجمارك، مما جعل الاستمرار في هذا النشاط غير مجدٍ اقتصاديًا.

بينما يحذر الدكتور مصطفى خليل، مستشار مشروعات الإنتاج الحيواني بالهيئة العامة لتنمية الصعيد، من أن استمرار الصراع في السودان يُنذر بأزمة ممتدة في سوق اللحوم المصرية، مشيرًا إلى أن السودان كان يوفر نسبة كبيرة من احتياجات السوق المصري، مما يستدعي ضرورة وضع خطة قومية عاجلة لدعم وتعزيز الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الواردات.
في المقابل، امتنع كل من الدكتور عادل عز، مدير المكتب الفني بالهيئة العامة للخدمات البيطرية، والدكتور جمعة مكي، مدير مديرية الطب البيطري بأسوان، عن التعليق على أزمة نقص اللحوم السودانية في أسوان مع اقتراب عيد الأضحى.
لا تعرف فاطمة وأحمد شيئًا عن خرائط النزاع في السودان، ورغم ذلك طالتهم تبعات الحرب لتحول أحلام الأسر البسيطة في الحصول على اللحوم السودانية الأقل سعرًا في العيد إلى حسرة؛ بعدما اختفت من أسواق أسوان.