مع شروق الشمس يبدأ حسين كامل، 36 عامًا، يومه. يحمل الأزميل والمطرقة، ويذهب إلى حيث يرسله مقاول الأنفار، سواء إلى هدم جدار أو تشييد مبنى، فهو عامل باليومية في محافظة أسوان. يقف ساعات طويلة أسفل لهيب الشمس كي يحصل في نهاية اليوم على 200 جنيه بعد يوم عمل شاق يقضيه بين الأسمنت والحديد.
يعمل حسين طوال الشهر بدون إجازة، لكن حياته انقلبت فجأة، حين أبلغه المقاول أن أجره سيتقلص إلى 180 جنيه؛ بسبب زيادة أسعار البنزين حيث تلتهم ماكينات البناء والهدم كميات منه، فوجد نفسه مضطرًا لقبول تخفيض الأجر.
يقول: "الـ20 جنيه بتفرق معانا إحنا عمال اليومية ليه نتحمل لوحدنا زيادة البنزين، أنا أب لطفلين وعايش في شقة إيجار بألفين جنيه في الشهر، بجانب الميه والكهرباء والغاز حوالي ألف جنيه، المرتب مش بيكمل لحد نص الشهر".

العمال.. الحلقة الأضعف
يصل أثر ارتفاع أسعار الوقود إلى عمال اليومية، الذين يعتمدون على أجر يومهم في سد احتياجات أسرهم والتي طالها التخفيض، وفي ظل غياب عقود رسمية أو حماية قانونية، يجد العامل نفسه الحلقة الأضعف في تلك المعادلة.
يندرج حسين ضمن فئة العمالة غير المنتظمة، التي تضم أكثر من مليون و164 ألف عامل مسجلين في قاعدة بيانات وزارة العمل، بينما تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن 35.2% من العاملين بأجر في القطاع الخاص خلال عام 2024 يعملون بعقود غير دائمة أو دون عقود، مقابل 64.8% يعملون بعقود.
ما يتبقى لـ"حسين" من راتبه يتراوح بين 1500 إلى 2000 جنيه، يدخرهم للطعام والاحتياجات اليومية، لكن اللحوم أصبحت نادرة في مائدته، بالكاد يستطيع شراء كيلو لحمة أو فرختين في الشهر، يقول: "إذا مرض أحد أفراد الأسرة، بتكون أزمة لأن مفيش فائض من المرتب يكفي الكشف والعلاج".
عندما أبلغه المقاول بتقليص أجره، أصبحت مناوراته في الحياة أكثر صعوبة، فاضطر حسين إلى تقليص مصروفات الطعام أو استدانة 300 جنيه لتعويض الفارق، هذا القرار لم يكن سهلًا، خاصة أن الإنفاق على الطعام يُعد من أثقل أعباء الأسر المصرية.
تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2021 إلى أن نحو 37.1% من إجمالي الإنفاق السنوي للأسرة يُخصص للطعام والمشروبات، بمتوسط سنوي قدره 19,051 جنيهًا للأسرة الواحدة.
وبالنظر إلى محدودية دخله كعامل يومية، يصبح أي خفض في الأجر تهديدًا مباشرًا لأكثر بنود الإنفاق أولوية، في ظل إنفاق سنوي على التعليم يبلغ نحو 2,310 جنيه (4.5%)، وعلى الصحة نحو 5,095 جنيه (9.9%)، ما يترك هامشًا ضئيلًا للغاية لأي طارئ أو التزام إضافي.
آلاف العمال باليومية يواجهون واقع حسين، مثل أحمد حسن، 45 عامًا، عامل باليومية، كانت يوميته 200 جنيه، لكن هذا المبلغ خُفض إلى 180 جنيهًا بسبب ارتفاع أسعار الوقود. يعيش أحمد مع ثلاثة أبناء، ومع هذا التخفيض، تغيرت حياته بشكل ملموس.
اللحمة التي كان يشتريها أسبوعيًا أصبحت مرة شهريًا، كما اضطُر إلى إلغاء بند الدروس الخصوصية التي يعتمد عليها ابنه الأكبر: "حتى تعليم أولادي بقى تحت ضغط، مش عارف أضمن لهم المستقبل اللي كنت بحلم بيه".

زيادة أجور بلا تأثير
وترى مي قابيل، الباحثة في قضايا العدالة الاقتصادية والاجتماعية، أن تحميل عمال اليومية عبء هذه الزيادات أمر غير عادل، موضحة أن صاحب العمل عليه تحمل الزيادات مع جهة تنفيذ المشروع أو اقتطاعها من أرباحه.
وتعزو ما يتعرض له عمال اليومية في مصر إلى أن بيئتهم تفتقر أبسط أشكال الحماية، فلا توجد ضمانات فعلية تضمن حصولهم على الحد الأدنى الرسمي للأجر، ولا ما يؤكد أن صاحب العمل يؤمن عليهم، مشددة على أن الأعباء الاقتصادية تقع دائمًا على الأضعف، في ظل غياب منظومة تحمي حقوقهم وتكفلها.
في 1 مارس الماضي أعلن المجلس القومي للأجور عن رفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالقطاع الخاص من 6,000 إلى 7,000 جنيه شهريًا، لكنه لم يحدد آلية الرقابة على تطبيق قرار المجلس، مما قد سمح للشركات بتجاهل التطبيق.
ويلفت ياسر سعد، المحامي الحقوقي بالنقض، إلى أن تنفيذ ورقابة القرار يعتمد على موظفي مكاتب العمل المنتشرة في المحافظات، والذين يعانون من ضعف في الرواتب، مما يجعلهم عرضة للفساد الإداري: "بعض هؤلاء الموظفين قد يكون لهم مصالح مع أصحاب العمل، سواء عبر مقابل مالي أو من خلال النفوذ، وهو ما يفقدهم القدرة على القيام برقابة فعالة على أصحاب العمل".
وهنا يؤكد عبدالرحمن محمد، مقاول معدات رفع من أسوان، أن الأزمة طالت الجميع بداية من صاحب المشروع مرورًا بالمقاولين حتى العمال: "منذ ارتفاع سعر البنزين وأنا اتكبد خسائر يومية في مواقع العمل تصل إلى 150 جنيه من مكسب يومي يصل إلى 700 جنيه".
يتضح أثر الأزمة بتأكيده أن سائقو عربات النقل رفعوا أجورهم من 200 إلى 300 جنيه للمشوار الواحد، بالإضافة إلى تكلفة طعام العمال اليومية، والتي تبلغ نحو 100 جنيه، بينما تصل تكلفة البنزين لتشغيل الأوناش إلى 100 جنيه أيضًا يوميًا، حيث يستهلك كل ونش 5 لترات من البنزين لتغطية 5 ساعات عمل.

مخالفات قانونية
يعمل حسين وحسن بلا عقود، وهو جانب آخر للأزمة تشير إليه مي قابيل، الباحثة في قضايا العدالة الاقتصادية، بأن العديد منهم يعملون بدون عقود مكتوبة تضمن حقوقهم وتحميها من الانتهاك، مما يجعلهم عرضة للاستغلال، ويدفع أصحاب العمل إلى التنصل من مسؤولياتهم: "ننتظر قانون العمل الجديد".
يخالف العمل بدون عقد المادة 32 من قانون العمل المصري رقم 12 لسنة 2003 وتنص على: "صاحب العمل ملزم بتحرير عقد العمل كتابيًا باللغة العربية في ثلاث نسخ، يحتفظ كلًا من العامل وصاحب العمل بنسخة، بينما تُودَع النسخة الثالثة لدى مكتب التأمينات الاجتماعية المختص، ويتضمن العقد الأجر المتفق عليه ومدة العقد".
لكن ياسر سعد، المحامي، يوضح أن قانون العمل الجديد لا يمثل تقدمًا حقيقيًا في مواجهة الانتهاكات التي يتعرض لها عمال اليومية، مشيرًا إلى أنه يضع استمارة 6 في يد أصحاب العمل، مما يمنحهم مزيدًا من السلطة في التعامل مع العمال.
يؤيده مجدي بدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، أن القانون الأخير الخاص بالعمال لم يميز بين العمالة غير المنتظمة والعمالة المنتظمة، بل نص على أن الجميع يخضع للقانون دون توضيح كيفية عمل هؤلاء بدون عقود.
ويشير إلى أن العامل في هذه الحالة لا يكون له صاحب عمل دائم أو مكان عمل ثابت، بل يعمل بناءً على العرض والطلب، مما يصعب معه تطبيق الحد الأدنى للأجور، ومع ذلك، يعتبر بدوي أن تخفيض أجور العمال في هذه الظروف يعد مخالفة قانونية صريحة، حيث ينص قانون العمل على غرامة لصاحب العمل تتراوح بين 2000 و20 ألف جنيه عن كل عامل في حال عدم تخفيض راتبه أو فصله.
يحذر سعد، المحامي الحقوقي، من العواقب الاجتماعية والاقتصادية لهذه السياسات، قائلًا: "العامل المفصول، حتى وإن حصل على تعويض، يُطرد من سوق العمل ويُضاف إلى طابور البطالة، مما يجعله غير قادر على إنتاج أي شيء لنفسه أو للمجتمع، هذا يعمق مشكلات الفقر، ويغذي العنف، ويجعل المجتمع يعيش في حالة من الأزمات المتكررة التي لا تنتهي".
وتدلل الأرقام على خطورة الأثر، إذ تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد العاطلين عن العمل في مصر بلغ عام 2024 نحو 2.113 مليون شخص، وتزداد الخطورة في ضوء مؤشرات الفقر؛ حيث تقع 12 مليون أسرة تحت خط الفقر وفق وزارة التضامن.
يقترح سعد حلولًا لمواجهة الانتهاكات غير القانونية التي يتعرض لها عمال اليومية في ظل ارتفاع أسعار الوقود، مثل تعليق تراخيص الشركات المخالفة أو إلغائها حتى تلتزم بصرف حقوق العمال، وتفعيل دور مكاتب العمل في الرقابة على تطبيق الحد الأدنى للأجور، مما يمنع أصحاب العمل من تخفيض يومية العمال أو تشغيلهم دون عقود.
بينما ترى مي ضرورة خلق فرص عمل بأجور لائقة، إلى جانب تعزيز الحماية الاجتماعية، بدلًا من الاستمرار في سياسات التقشف التي تقلص الدعم وتؤدي إلى زيادات متكررة في الأسعار، تؤثر على الفئات الأضعف مثل عمال اليومية.

فيما يرى بدوي ضرورة أن يتحرك العمال الذين يتعرضون لمثل هذه الانتهاكات بتقديم شكاوى إلى مكاتب العمل حتى وإن كانوا يعملون بدون عقود.
في المقابل، رفضت حنان نظير، مستشار المجلس القومي للأجور، التعليق حول آليات الرقابة وتطبيق الحد الأدنى للأجور التي يعتمدها المجلس بالنسبة لعمال اليومية، وبمحاولة معدة التقرير الحصول على رد منها أغلقت الهاتف.
يظل حسين وأحمد وغيرهم من عمال اليومية يواجهون تحديات كبيرة في تأمين لقمة عيشهم، تفاقمت هذه التحديات مع ارتفاع أسعار الوقود، وتقليص أجورهم في ظل حياة تعتمد بشكل كامل على أجر يومي.