تجلس راوية حسين، خمسينية، على عتبة بيتها في منطقة السد العالي بأسوان، عيناها معلقتان بالطريق الخالي، تنتظر مرور سيارة أسطوانات الغاز التي طال غيابها، بين الحين والآخر تنهض، تحدق بعيدًا علّها تجدها لكن دون جدوى.
لم يعد الانتظار وحده هو العبء، لكونها تعلم جيدًا أن السيارة إذا مرت ستبيع أسطوانات الغاز بأسعار جديدة مرتفعة، تقول: "ماذا نفعل؟ الأسعار مرتفعة وجاء قرار زيادة أسطوانات الغاز ليزيد من المعاناة".
في السابق، كانت السيارة التابعة للمستودع تمثل طوق الملاذ الأخير لأهالي السد العالي في الحصول على أسطوانة، بسعر معقول مقارنة بجشع السريحة، لكن ارتفاع أسعار البنزين أزال الفارق، وتركهم دون خيار حقيقي.
هذا الارتفاع في الأسعار سبب عبئًا ثقيلًا على الأسر، لا سيما في المناطق التي لا تصلها شبكات الغاز الطبيعي، مثل السد العالي، حيث يعتمد السكان بشكل كامل على أسطوانات الغاز، ولكن في ظل غياب جدول منتظم للتوزيع، تحولت الحاجة اليومية إلى أزمة مستمرة.

ارتفاع ونقص أسعار
في 11 أبريل الماضي، قررت لجنة تسعير المواد البترولية رفع أسعار المحروقات، مما أدى إلى زيادة سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلي من 150 إلى 200 جنيه داخل المستودعات الرئيسية، بحسب ما أعلنته محافظة أسوان عبر صفحتها الرسمية.
كما ارتفع سعر الأسطوانة التجارية إلى 400 جنيه، أما بالنسبة للمستهلكين، تُباع الأسطوانة عند توصيلها عبر سيارات المستودعات بسعر 220 جنيهًا ارتفاعًا من 170 جنيهًا، في حين يرتفع السعر إلى نحو 250 جنيهًا عند شرائها من البائعين غير الرسميين، المعروفين محليًا بـ"السريحة".
تحكي راوية حسين، أن أسرتها تعتمد بشكل رئيسي على معاش "تكافل وكرامة"، الذي لا تتجاوز قيمته 500 جنيه شهريًا، في ظل عجز زوجها عن العمل بسبب تقدمه في العمر.
يصل استهلاك أسرة رواية شهريًا من أنبوبة إلى أنبوبة ونصف وكانوا يعتمدون في تأمينها على السيارة التابعة لمستودع الغاز، التي كانت توفرها بسعر أقل مقارنة بالبائعين غير الرسميين.
تقول: "الأوضاع ازدادت سوءًا بعد ارتفاع أسعار البنزين، حيث ارتفع سعر الأسطوانة إلى 220 جنيهًا من سيارة المستودع ارتفاعًا من 170 جنيهًا، فيما تباع في السوق غير الرسمية بسعر يصل إلى 250 جنيهًا، أي أن بند أسطوانات الغاز يقترب من 500 جنيه شهريًا".
وسط هذه الأزمة المتفاقمة، ترجع سلمى حسين، الباحثة في العدالة الاقتصادية، معاناة المواطنين إلى أن أسعار أنابيب البوتاجاز في مصر تشهد خللًا واضحًا في منظومة التسعير، حيث تباع الأسطوانات بنفس السعر للمؤسسات السياحية والشركات الكبرى، وللمواطنين الأفراد من محدودي الدخل على حد سواء.
ورغم إعلان الحكومة عن وجود دعم كبير موجه لهذه الأسطوانات، إلا أن هذا الدعم، بحسب سلمى، لا يصل بشكل عادل إلى الفئات التي تستحقه فعليًا، مما يزيد من أعباء المعيشة على الأسر البسيطة كما الحال في منطقة السد العالي.
وبحسب ورقة بحثية للدكتور أحمد سلطان نشرت في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية (حكومي) في سبتمبر 2024 بعنوان: "أسعار البوتاجاز بين مطرقة الطلب المحلي وسندان تكاليف الإنتاج"، تنتج مصر نحو 45% من احتياجاتها المحلية من أسطوانات البوتاجاز، في حين يصل حجم الاستهلاك السنوي إلى أكثر من 350 مليون أسطوانة، وتوفر الحكومة نحو 55-58% من احتياجات السوق المحلي من البوتاجاز عبر الاستيراد من الخارج.

ماذا يحدث داخل المستودعات؟
يكشف محمد صابر، سائق سيارة توزيع أسطوانات الغاز التابعة لمستودع الصداقة الجديدة وتخدم أهالي السد العالي، أن المستودع يشغل يوميًا ست سيارات، يعمل على كل واحدة منها سائق وعامل، لتغطية مختلف مناطق محافظة أسوان، ومع ذلك، لا يخصص المستودع مناطق محددة لكل سيارة بشكل دائم، بل التوزيع يكون بعشوائية دون جدول منتظم يحدد مواعيد أو أماكن التوزيع.
ما يعمق الأزمة، وفق صابر، أن التواصل مع الأهالي يكون بطريقة غير مباشرة؛ إذ يعتمد التوزيع على أشخاص معروفين في كل منطقة، مثل إمام المسجد أو رئيس المنطقة، الذين يتداولون أرقام هواتف السائقين، وعندما تحتاج المنطقة إلى أسطوانات الغاز يتصلون بهم، بما لا يضمن العدالة في التوزيع داخل تلك المناطق.
وهنا، تؤكد سلمى حسين، أن معاناة المناطق المهمشة، مثل منطقة السد العالي، غالبًا ما تبقى بعيدة عن أنظار صانعي القرار في العاصمة، مشددة على ضرورة تفعيل نظام الانتخابات المحلية، الذي يضمن وجود إدارات محلية منتخبة قريبة من المواطنين، وقادرة على الاستجابة السريعة لاحتياجاتهم.
وتشير لـ"عين الأسواني" إلى أن وجود هذه الإدارات لا يحقق فقط عدالة أكبر في توزيع الخدمات، بل يشكل أيضًا عبئًا إداريًا وماليًا أقل على الدولة مقارنة بنظام الإدارة المركزية، الذي غالبًا ما يكون بعيدًا عن تفاصيل الحياة اليومية في تلك المناطق.

مناورات للحصول على أنبوبة
على نفس العتبة، تتشارك أمال حسن، أم لخمسة أبناء من سكان منطقة السد العالي، نفس معاناة راوية. تعدّ أرقام ميزانيتها الشهرية بعناية، تحاول أن تجد مخرجًا من أزمة تتفاقم يومًا بعد يوم، إذ أن دخل الأسرة كاملًا 3 آلاف جنيهًا وتستهلك شهريًا أنبوبتين ونصف من غاز البوتاجاز.
قبل الزيادة الأخيرة، كانت تكلفة أسطوانات الغاز تتراوح بين 340 و510 جنيهات شهريًا لأسرة أمال حين كان سعرها 170 جنيهًا، معتمدة بشكل شبه كامل على السيارة التابعة لمستودع الغاز الرسمي، ولكن الآن أصبحت التكلفة مضاعفة بعدما ارتفع سعر الأسطوانة على ذات السيارة إلى 220 جنيهًا.
لكن مع غياب السيارة، تضطر إلى شراء الأسطوانة من البائعين غير الرسميين بسعر 250 جنيه، وبالكاد يكفي ما تبقى من الميزانية الطعام والشراب وفواتير الكهرباء والمياه: "اضطر في كثير من الأحيان تقليص مخصصات الطعام إما بتقليل الكميات أو استبدال أصناف غذائية بأخرى أقل تكلفة".
تقول أمال: "الأسطوانة بقت بـ220 جنيه حتى من السيارة الرسمية دا إذا مرت". تفكر جديًا في العودة لاستخدام وسائل تقليدية للطهي، مثل "الكانون" لتقليل استهلاك الغاز والاكتفاء بأنبوبة واحدة شهريًا: "السيارة كانت آخر أمل لينا نشتري منها بسعر أقل، دلوقتي بقت هي كمان غالية، وسعر الأنبوبة عدى الـ200 جنيه، ومفيش فرق بينها وبين السوق ياريت يكون فيه أسطوانات مدعمة".
يتفق ذلك مع اقتراح سلمى حسين، الباحثة في العدالة الاقتصادية، حول ضرورة ربط توزيع الأسطوانات ببطاقات التموين لضمان وصولها إلى المواطنين الأكثر احتياجًا، والحد من الأزمات أو نقص المعروض.
تقول: "يمكن تطبيق نظام الدعم التبادلي، بحيث تُخفيض الأسعار للفئات الأقل دخلًا، مقابل رفعها على الشركات والمؤسسات القادرة، بما يتيح للدولة تحقيق بعض الأرباح من الفئات المقتدرة، وتوجيه هذه الأرباح لدعم محدودي الدخل".
يتناقض ذلك مع السياسة العامة للحكومة، إذ أن تحريك سعر أسطوانات الغاز جاء ضمن 6 زيادات حدثت خلال الفترة من 2021 إلى 2025، بنسبة ارتفاع سنوية تقدر بنحو 13.4%، وهي جزء من خطة عامة تستهدف خفض دعم المواد البترولية "بنزين وسولار وغاز" بنسبة 51.4% ليصل إلى 75 مليار جنيه مقابل 154.4 مليار جنيه السنة المالية الحالية 2024-2025، وهو ما يترتب عليه أن تقوم اللجنة في اجتماعاتها التي تعقدها كل ثلاث أشهر بزيادة الأسعار.

من يحصل أولًا؟
بينما محمد صابر، سائق السيارة الوحيدة في السد العالي، يؤكد أن عملية التوزيع لا تخضع لأولويات محددة، بل تتم وفق نظام "من يصل أولًا يحصل أولًا"، لأنها تضم 120 أسطوانة غاز فقط تمر على المناطق المختلفة، ومن يصادف وجوده ومعه أسطوانة جاهزة للتبديل يحصل على أسطوانة جديدة.
وأضاف أن بعض المواطنين قد لا يتمكنون من الحصول على أسطواناتهم إذا مرت فترة طويلة دون زيارة للمنطقة، لأن التوزيع يعتمد على تقييم الحاجة الفعلية لكل منطقة.
رغم حاجة مروة حسن، ربة منزل من منطقة السد العالي، الشديدة لأسطوانات الغاز بشكل شهري، إلا أنها لا تحصل عليها في كل مرة. تتحدث بمرارة عن معاناتها مع ارتفاع أسعار أنابيب الغاز: "السيارة التابعة لمستودع الغاز كانت لسنوات بمثابة الملاذ الأخير، وقبل الزيادة الأخيرة، كنت أحصل على الأسطوانة مقابل 170 جنيهًا من السيارة، بينما كان سعرها لدى البائعين الآخرين يصل إلى 200 جنيه أو أكثر، بفارق يتراوح بين 15 إلى 20%".
ومع الزيادة الأخيرة في أسعار البنزين، ارتفع سعر الأسطوانة حتى من السيارة الرسمية إلى 220 جنيهًا، وهو ما تعتبره مروة عبئًا إضافيًا لا مبرر له على الأسر محدودة الدخل: "أحتاج شهريًا إلى ما بين أسطوانتين إلى ثلاث، أي ما لا يقل عن 700 جنيه لأنابيب الغاز فقط، هذا إذا كانت السيارة تمر بانتظام، أما إذا غابت واضطررت للشراء من السوق، فسعر الأسطوانة يقفز إلى 250 جنيهًا."
تشير مروة إلى أن دخل زوجها الشهري، الذي يبلغ نحو 6000 جنيه، بالكاد يكفي لتغطية نفقات الأسرة، ما بين مصروفات دروس الأولاد، وفواتير الكهرباء والمياه، والمواصلات، والطعام، والنفقات الشخصية لكل فرد. وتضيف: "الزيادات الأخيرة في أسعار أنابيب الغاز خنقتنا، وأفكر في استخدام بدائل أخرى لأن الشكاوى لا تفيد".
يؤكد حديثها صابر بائع الأسطوانات: "في بعض الأحيان إذا جاءنا إخطار من قبل إدارة التموين بوجود شكاوى من نقص أسطوانات الغاز نتحرك، لكن المشهد مضطرب الآن لأن الأسطوانة للمستهلك قفزت من 170 جنيهًا إلى 220".

عجز في إنتاج الغاز
ربما تكون الأزمة أعمق من سيارة السد العالي، إذ يكشف المهندس أحمد عمارة، الخبير البترولي، أن مصر تواجه عجزًا متزايدًا في إنتاج الغاز الطبيعي، مما أدى إلى ارتفاع واردات الغاز بنسبة 130% خلال شهري يناير وفبراير 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتصل قيمتها إلى نحو 1.1 مليار دولار.
ويرجع لـ"عين الأسواني" الاعتماد المتزايد على استيراد الغاز إلى عدة أسباب، أبرزها ارتفاع استهلاك محطات الكهرباء التي تستحوذ على نحو 60% من الإنتاج المحلي، إلى جانب ضعف الاستثمارات في الطاقة المتجددة بسبب الأعباء الضريبية، مما دفع الحكومة إلى حلول وقتية مثل استئجار وحدات تغويز من شركتي "هوج جاليون" الأسترالية و"نيوفورترس" الأمريكية.
يتسق ذلك مع الفجوة المتزايدة بين الإنتاج والاستهلاك للغاز في مصر؛ حيث يبلغ إنتاج الغاز المصري نحو 4.8 مليار قدم مكعب يوميًا، بينما يتجاوز الاستهلاك حاجز 6 مليارات قدم مكعب يوميًا، وفق بيانات شركة "إيجاس" القابضة للغازات الطبيعية (حكومية).
وانخفض كان إنتاج الغاز المصري إلى 49.37 مليار متر مكعب خلال 2024، مقابل 59.29 مليار متر مكعب في عام 2023.
وارتفعت واردات مصر من الغاز الطبيعي بنسبة 130% خلال شهري يناير وفبراير الماضيين، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، حيث استوردت مصر غاز بقيمة 1.1 مليار دولار خلال أول شهرين من عام 2025، مقابل نحو 476 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك نتيجة تصاعد العجز في إنتاج الغاز المحلي.

لكنه عمار يشدد على أن الحكومة المصرية، ممثلة في وزارة البترول، مطالَبة بتوفير حلول إنسانية مناسبة للمواطنين الذين لا تصلهم خدمة الغاز الطبيعي، مؤكدًا أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على تنظيم عملية توزيع الأسطوانات، بل تمتد لتشمل توفير بدائل آمنة وعادلة تضمن للجميع حق الوصول إلى مصدر أساسي من مصادر الطاقة.
لم تطلق وزارة البترول حتى الآن أي بيانات أو توضيحات رسمية بشأن أزمة أسطوانات الغاز في المحافظات عقب تحريك أسعار المحروقات، لذا حاولت معدة التقرير التواصل مع المهندس كريم بدوي، وزير البترول، والمهندس معتز عاطف المتحدث الرسمي للوزارة، هاتفيًا وعبر رسائل تطبيق "واتساب"، للاستفسار حول اختفاء السيارة الأخيرة في منطقة السد العالي وخطة الوزارة للمناطق التي لم تصل إليها شبكة الغاز حتى الآن إلا أنها لم تتلق رد حتى نشر التقرير.
تظل النساء في منطقة السد العالي الأكثر تأثرًا بأزمة أسطوانات الغاز، لا سيما مع الارتفاع المستمر للأسعار وتراجع خدمة التوزيع. راوية، أمال، ومروة، كل منهن تحمل عبئًا ثقيلًا على كتفيها، فهي لا تسعى فقط لتوفير احتياجات أسرتها من الغاز، بل تجد نفسها مضطرة للتعامل مع ضغوط اقتصادية دون حلول جذرية.