يستقبل عمال مصر عيدهم في الأول من مايو هذا العام وسط حالة من الترقب والقلق، في ظل تعديلات قانونية تمس مستقبلهم المهني والاجتماعي، وواقع يومي مليء بالتحديات ما بين عقود مؤقتة، وأجور لا تواكب متطلبات الحياة، وحقوق غير مضمونة قوبلت بتحركات نقابية على مدار العام.
قانون العمل الجديد
كان النصيب الأكبر من الجدل في قطاع العمال يتعلق بقانون العمل الجديد، الذي وافق مجلس النواب عليه في أبريل الجاري، بعدما تقدمت به الحكومة في نوفمبر 2024، وشمل المشروع الجديد تعديلات تهدف -بحسب ما أعلنته الجهات الرسمية- "حماية حقوق العاملين وتحقيق الاستقرار الوظيفي".
ويعد الحد من استخدام "استمارة 6" أبرز التعديلات المقررة في القانون الجديد، حيث يلزم القانون أصحاب الأعمال بالحصول على توقيع العامل عليها داخل مكتب العمل في يوم انتهاء الخدمة فقط.
كما تضمنت التعديلات منح العامل الحق في الحصول على إجازة بديلة عن الأعياد الرسمية إذا اقتضت ظروف العمل تشغيله خلالها، ومنعت أصحاب العمل من اقتطاع أكثر من 10% من أجر العامل لسداد قروض أو سُلف دون فوائد، فضلًا عن الاعتراف بحق العمال في الإضراب بعد فشل محاولات التسوية الودية.

اعتراضات وجدل
لكن تلك التعديلات لم تُقنع العديد من ممثلي النقابات والعمال، الذين يرون أنها لا تضمن حماية حقيقية في ظل استمرار العمل بنظام العقود المؤقتة، وتوسع شركات التوريد في تشغيل العمالة بشكل غير مستقر.
فمن جانبه، أبدى تحالف أمانات عمال الأحزاب والنقابات تحفظه على القانون الجديد، مؤكدًا أنه يدعي حماية العمال من استمارة 6، لكن التعديلات تُبقي على المشكلات الجوهرية، وتفتح الباب أمام التوسع في العقود المؤقتة، ما يضعف الأمان الوظيفي ويقوض من الحماية.
أما بخصوص إقرار القانون بإنشاء صندوق دعم العمالة غير المنتظمة؛ اعتبرت دار الخدمات النقابية في بيان لها خلال فبراير 2025، أن لا يكفي دون تحديد آلية واضحة لإدارته أو ضمانات حقيقية لحماية هذه الفئة.
كما رفض وزير العمل مقترحات برلمانية بزيادة العلاوة الدورية من 3% إلى 7%، أو ربطها بالتضخم، رغم المطالبات النقابية المتكررة بذلك، ورفض كذلك إدراج عاملات المنازل ضمن القانون رغم كونهن من الفئات الأكثر هشاشة في سوق العمل.
بينما أوصت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في بيان صدر في يناير 2023، بتعديل المواد المنظمة للإضراب، بما يمنح العمال الحق في الإضراب السلمي بجميع أنواعه بمجرد الإخطار، دون اشتراط تحديد تاريخ لانتهائه، كما طالبت بإلغاء النصوص التي تتيح فرض حظر على الإضرابات في ظروف استثنائية غير مُعرفة.
ودعت المبادرة إلى شمول قانون العمل للعاملات المنزليات، باعتبار أن أغلبهن يندرج تحت فئة العمالة غير المنتظمة التي يستهدف القانون حمايتها، لكنها تبقى خارج مظلته القانونية حتى الآن.
وطالب اتحاد تضامن النقابات المستقلة في أبريل 2025، مدير مكتب منظمة العمل الدولية في القاهرة "إريك أوشلان"، بمراجعة موقفه الداعم لإقرار قانون العمل الجديد في مجلس النواب الأسبوع الماضي.
والنظر بجدية إلى الاعتراضات والملاحظات التي أبدتها منظمات المجتمع المدني والجهات النقابية المستقلة على مشروع القانون لضمان انسجام التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية التي وقعت مصر عليها.
ويبلغ عدد العاملين في مصر نحو 30 مليون شخص حتى الربع الثالث من عام 2024، يمثل العاملون في القطاع الحكومي منهم حوالي 15.1%، فيما يضم القطاع الخاص نحو 24 مليون عامل، يعمل 37.6% منهم داخل منشآت، مقابل 44.7% خارجها، ما يعكس حجم الاقتصاد غير الرسمي، بحسب نتائج بحث القوى العاملة، وبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
وبلغت نسبة العمالة غير الرسمية في الريف 61.1%، بينما ترتفع العمالة الرسمية في الحضر إلى 38.9%.

اعتراضات أسفل القبة
وشهدت قبة البرلمان نقاشات المكثفة حول بنود قانون العمل الجديد، خاصة فيما يتعلق بحقوق العمال وتقييد الإضرابات.
منها تقدّم النائب عاطف مغاوري، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، بتعديل ينص على ضرورة تسجيل الإضراب رسميًا بمحضر يُحرر في مكتب العمل المختص، مع اشتراط وجود أكثر من مفوض عمالي، بهدف تعزيز الشفافية. إلا أن وزير العمل محمد جبران رفض التعديل، مؤكدًا عدم الحاجة لتوثيق التفويض رسميًا.
كما طالب النائب أحمد بلال بحذف الفقرة الثانية من المادة 43، والتي تتيح لشركات التوظيف خصم 1% من أجر العامل كمصاريف إدارية في السنة الأولى.
وأوضح أن الإبقاء على هذه الفقرة قد يؤدي إلى زيادتها مستقبلًا، فضلًا عن تعارضها مع المعايير الدولية، واتفاقيات منظمة العمل الدولية، لكن الوزير جبران رفض المقترح، مشيرًا إلى أن مصر لم توقع على الاتفاقية الدولية ذات الصلة.
فيما وافق البرلمان على المادة 54 التي تمنح العاملة إجازة وضع لمدة أربعة أشهر، تشمل فترة ما قبل وما بعد الولادة، على ألا تقل فترة ما بعد الوضع عن 45 يومًا، بشرط تقديم شهادة طبية.
ورفض المجلس مقترحات تقضي بتقليص الإجازة إلى ثلاثة أشهر أو تقليل مرات الاستحقاق، حيث دافع الوزير عن الإجازة بوصفها أحد أوجه الحماية الواجبة للمرأة والطفل.

الرواتب والأجور
وبينما تشهد مصر استمرار أزمة ارتفاع الأسعار وتأثيرات قرارات التعويم والتضخم، يظل ملف "الرواتب والأجور" أحد الملفات الرئيسية بخصوص كل العاملين في القطاعين العام والخاص.
ورغم إعلان الحكومة عن زيادات متتالية في الحد الأدنى للأجور بالقطاع الخاص، من 3500 جنيه في يناير 2024 إلى 7000 جنيه في مارس 2025، فإن الأجور ما زالت دون الحد الكافي لمواكبة نسب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتقرر كذلك تحديد أجر العمل المؤقت بنحو 28 جنيهًا في الساعة، وهو مبلغ لا يكفي لتأمين حياة كريمة، بحسب ما تؤكده منظمات حقوقية.
بالإضافة إلى تحديد العلاوة الدورية للعاملين بالقطاع الخاص بحد أدنى 3% من أجر الاشتراك التأميني، وبما لا يقل عن 250 جنيهًا شهريًا.
أما بالنسبة للقطاع العام ففي فبراير 2024 رفع الحد الأدنى للأجور ليصل إلى 6000 جنيه شهرياً. لأجور العاملين بالدولة والهيئات الاقتصادية.
وأوضح وزير المالية أحمد كجوك في مارس 2025 زيادة أجور العاملين بالدولة من أول يوليو المقبل إلى 7000 جنيه.

حراك عمالي ونقابي
وشهد عام 2024 وحتى بداية 2025 موجة من الاحتجاجات العمالية في مختلف المحافظات، كان أبرزها ما شهدته محافظة أسوان من احتجاجات عمالية واسعة بسبب أوضاع العمل والأجور.
وفي مايو 2024، نظم محصلو فواتير المياه وقارئو العدادات العاملون بنظام العمولة في شركة مياه الشرب والصرف الصحي بمحافظة أسوان اعتصامًا داخل مقر الشركة، احتجاجًا على استمرار تجاهل مطالبهم المتعلقة بتثبيتهم في العمل، والمطالبة بتحرير عقود عمل دائمة وشاملة تضمن لهم الحد الأدنى من الأمان الوظيفي، أسوة بزملائهم المعينين رسميًا.
ويعمل هؤلاء الموظفون في الشركة منذ أكثر من تسع سنوات بنظام العمولة، الذي لا تتجاوز نسبته 5%، ما يجعل دخولهم الشهرية غير مستقرة، ويجردهم من أية امتيازات قانونية متاحة لزملائهم.
أما في نوفمبر 2024، فقد شهدت شركة الصناعات الكيماوية المصرية "كيما" وقفة احتجاجية نظّمها العمال داخل ساحة الشركة، وذلك اعتراضًا على قرار الإدارة بتقليص نصيبهم من الأرباح السنوية إلى نحو النصف.
وفي أغسطس 2024، دخل عمال شركة وبريات سمنود بمحافظة الغربية في إضراب عن العمل، احتجاجًا على عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور داخل الشركة، وجاءت هذه الخطوة بعد تجاهل مطالبهم المتكررة.
وفي أكتوبر من العام نفسه، شهدت شركة مصر للألومنيوم بمحافظة قنا إضرابًا واسع النطاق، شارك فيه نحو 3 آلاف عامل، حيث اعتصموا داخل ساحة الشركة احتجاجًا على قيام الإدارة بتخفيض نسبة الأرباح المستحقة لهم إلى ما يعادل 66 شهرًا، بعدما كانت تُصرف بما يعادل 133 شهرًا بنسبة 12%.
وطالب العمال خلال الإضراب بصرف الأرباح كاملة وفق النسبة القديمة، بالإضافة إلى ضم العلاوات المتأخرة إلى الأجر الأساسي، وتثبيت العمالة المؤقتة، إلى جانب مطالبهم برفع قيمة الحوافز والبدلات.
بالإضافة إلى ذلك، شهدت عدة مصانع في مختلف أنحاء الجمهورية اعتصامات وإضرابات عمالية، حيث نظم عمال شركة سيديكو للأدوية إضرابًا مطالبين بزيادة الأجور، كما شارك عمال شركة العلمين للإنشاءات، التابعة لمجموعة طلعت مصطفى، في إضراب مماثل، مطالبين بتحسين ظروف عملهم وزيادة الأجور.
ويعكس هذا الوضع العمالي في مصر خلال العام 2024 ما رصده تقرير دار الخدمات النقابية السنوي عن حالة الحريات النقابية في البلاد، حيث رصد 121 ألفًا و16 انتهاكًا لحقوق العمال.
تمثلت هذه الانتهاكات في تقييد حرية العمال عبر السجن، بالإضافة إلى 83 حالة فصل وتهديد بالفصل، وتهديدات بالأمن الوطني، واستدعاء للشرطة، وحالات إيقاف وطرد للعمال من أماكن عملهم.

مصر والواقع العمالي
وحصلت مصر على أدنى تصنيف في مؤشر الحريات النقابية لعام 2024، وهو المركز الأخير وفقًا للتقرير الصادر عن الاتحاد العربي للنقابات، الذي يُمنح للدول الأقل التزامًا بالمعايير الدولية في الحريات النقابية وعلاقات العمل العادلة.
ووفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2024، احتلت مصر المركز 135 من أصل 146 دولة فيما يتعلق بتطور الفجوة بين الجنسين.
بينما أشار تقرير التشغيل والآفاق الاجتماعية في الدول العربية لمنظمة العمل الدولية لعام 2024، إلى أن معدل البطالة في المنطقة العربية، بما في ذلك مصر، لا يزال مرتفعًا عند 9.8% في عام 2024، أي أعلى من مستويات ما قبل جائحة كورونا.
يعكس هذا الوضع عوامل مختلفة تؤثر على أسواق العمل في المنطقة مثل التجزئة، وعدم الاستقرار السياسي، والصراعات، والأزمات الاقتصادية، وضعف القطاع الخاص، والضغوط الديموغرافية.