مبنى مهجور وعلاج متوقف.. الوحدة الصحية في "الزعيرات" خارج الخدمة

تصوير: أمنية حسن - الوحدة الصحية في الزعيرات محافظة أسوان

كتب/ت أمنية حسن
2025-09-15 12:08:59

"على الأقل كان هناك أمل في العلاج"، يصف محمد عبدالله، 53 عامًا، أحد أهالي نجع الزعيرات بقرية البصيلية الوسطى في إدفو حال الوحدة الصحية قبل توقفها الكامل، وإغلاق خدماتها في مركز إدفو البالغ عدد سكانه 514 ألف نسمة حتى مطلع عام 2025.

يسترجع عبدالله حال الوحدة الصحية حين بدأت رحلة التدهور منذ عام 2018، وقتها غاب الأطباء تدريجيًا، واقتصر الحضور على التمريض والموظفين بشكل متقطع، بذريعة أن المبنى غير آمن وغير صالح للعمل، مما سبب أزمة في بعض التخصصات مثل القلب والضغط والأمراض المزمنة، ومع ذلك، بقيت الوحدة الصحية الوسيلة الوحيدة والأقرب لتلقي العلاج أمام أهالي النجع قبل أن تتوقف نهائيًا العام 2020.

مبنى الوحدة الصحية بالزعيرات

اليوم تحولت الوحدة الصحية في نجع الزعيرات إلى مشهد صحي مزرٍ؛ جدران متشققة، مبنى مهجور، ونباتات ضارة تحيط به من كل جانب، هذا الإهمال دفع الأهالي إلى قطع مسافات طويلة وتحمل نفقات باهظة للحصول على الرعاية الطبية، ما يهدد حياتهم، خاصة في الحالات الطارئة التي تحتاج إلى تدخل سريع.

هذا الواقع يتناقض مع قانون التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018، الذي نص في مادته العشرين على مبدأ "طبيب الأسرة"، واضعًا إطارًا يضمن توافر وحدات رعاية أولية قريبة من كل مواطن لتكون نقطة الاتصال الأساسية مع النظام الصحي، بينما تؤكد المادة 18 من الدستور المصري على حق كل مواطن في الرعاية الصحية المتكاملة.

يؤكد الدكتور محمد حسن خليل، رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، التابعة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لـ"عين الأسواني"، أن نحو 40% من الوحدات الصحية الريفية في الصعيد مغلقة بسبب نقص الأطباء، وهو ما يحرم الأهالي من الحق في العلاج.

مبنى الوحدة الصحية بالزعيرات

رحلة شاقة بسبب الإهمال

يقول عبد الله إن الوحدة الصحية توقفت عن العمل نهائيًا قبل خمس سنوات: "اقتصر دور الموظفين الإداريين على استخراج شهادات الميلاد والوفاة، وتنظيم تطعيمات الأطفال مرة واحدة أسبوعيًا، من دون تقديم أي خدمات علاجية مثل الكشف الطبي وصرف الأدوية المزمنة".

وبحسبه لم تشهد الوحدة منذ ذلك الحين أي أعمال تطوير حتى بعد انطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل في أسوان يوليو الماضي، والتي بدأت بتشغيل 8 مستشفيات من إجمالي 11، و89 مركزًا ووحدة طب أسرة من أصل 112، دون وجود خطة واضحة لتطوير الوحدة وإعادة تشغيلها.

مبنى الوحدة الصحية بالزعيرات

بينما يكشف المهندس عاطف كامل، رئيس الوحدة المحلية لمدينة إدفو، لـ"عين الأسواني" عن أن الوحدة الصحية صدر قرار سابق بهدمها نتيجة حالتها الإنشائية المتدهورة، دون أن يتذكر تاريخ صدور القرار بشكل دقيق. 

تخدم الوحدة الصحية بقرية البصيلية قبلي نحو 11,960 نسمة، فيما تضم قرية البصيلية الوسطى  التابعة لها نجع الزعيرات نحو 7,828 نسمة، وفقًا لآخر إحصاء صادر عن محافظة أسوان عام 2020.

توضح منى عزت، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة النون لرعاية الأسرة واستشارية التمكين الاجتماعي والاقتصادي، لـ"عين الأسواني"، أن غلق الوحدة الصحية بالزعيرات يزيد من حجم الضغط الواقع على المستشفيات المركزية ويؤثر على جودة الرعاية المقدمة، فضلًا عن قطع المرضى مسافات طويلة لا تتناسب مع حالتهم الصحية لتلقي العلاج بها.

مبنى الوحدة الصحية بالزعيرات، منى عزت

يقطع عبدالله وغيره من مرضى الزعيرات مسافة بين 25 و30 كيلو مترًا للوصول إلى مستشفى السباعية في إدفو للحصول على الرعاية الصحية وهي البديل الأقرب للوحدة الصحية المغلقة. 

يوضح أن هذه المسافة تشكل عبئًا ماليًا كبيرًا، إذ تتراوح تكلفة الانتقال عبر "توك توك" أو سيارة خاصة بين 100 و400 جنيه، لا سيما في الحالات الطارئة التي تستلزم سرعة الوصول أو بعد منتصف الليل حين تقل وسائل المواصلات. 

وفي أحيان أخرى، يضطر الأهالي إلى التوجه للوحدات الصحية القريبة في نجع الشرفا أو المويسات، والتي تبعد أكثر من ثلث ساعة، إما للحصول على خدمة محدودة أو لإحالة المريض إلى مستوى رعاية صحية أعلى.

تكشفت النشرة المعلوماتية الشهرية لمحافظة أسوان أن عدد وحدات طب الأسرة بلغ 223 وحدة صحية فقط حتى عام 2022 مقابل 1.590 مليون نسمة، وهو عدد يقل عن نصف الوحدات التي أعلنت المحافظة إدراجها بواقع 112 مركزًا ووحدة لطب الأسرة ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل المقرر تطبيقها في 2025.

تتضح خطورة الأزمة في الدور المحوري الذي تلعبه الوحدات الصحية بالنسبة للريف المصري، وتؤكده دراسة صدرت عن المرصد المصري بعنوان "الخدمات الصحية في صعيد مصر.. خطوة لصون حياة الإنسان المصري" في ديسمبر 2021، بإن مراكز طب الأسرة تُعد المصدر الرئيسي لتقديم الرعاية الصحية في الريف المصري، خاصة في ظل بُعد المسافة بين كثير من القرى والمستشفيات الحكومية، غير أن ريف الوجه القبلي يعاني من نقص واضح في الخدمات الطبية مقارنة بعدد السكان في محافظاته.

مبنى الوحدة الصحية بالزعيرات

كما أن غياب تلك الوحدات له تداعيات صحية خطيرة على الأفراد وفق منى عزت، التي توضح أن الوصول إلى المستشفيات المركزية ليس بالأمر السهل: "في الفترات المسائية يصبح الحصول على وسيلة نقل أمرًا بالغ الصعوبة مع غياب الإضاءة في الطرق، مما يدفع المرضى إلى الانتظار حتى الصباح لتلقي العلاج، وقد يتسبب ذلك في تدهور حالتهم بشكل خطير".

وتتفاقم المعاناة بشكل خاص لدى النساء، لا سيما الحوامل، اللواتي يواجهن صعوبة في الانتقال إلى المستشفى مما يعرض حياتهن وحياة أجنتهن للخطر، ولا يقصد الكثير من الأهالي طلب الرعاية الطبية إلا في الحالات القصوى، مكتفين باللجوء إلى الوصفات الشعبية وهو ما يفتح الباب أمام مضاعفات صحية خطيرة.

خطر يهدد الحياة

يتسق ذلك، مع حالات الطوارئ الأخرى التي قد يتعرض لها الأهالي مثل لدغات العقارب المنتشرة في أسوان، بحسب محمد سمري، خمسيني، أحد أهالي قرية الزعيرات، الذي يصف حالة المبنى الحالي بأنه "سيء للغاية"، موضحًا أن الأعمدة آيلة للسقوط والسقف متهالك، ومع مرور الوقت يزداد الحال سوءًا نتيجة الإهمال وغياب أي جهود لإصلاحه وإعادة افتتاحه.

في المقابل، يُلزم قانون نظام الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 الوحدات المحلية بالمسؤولية عن تقديم الخدمات الأساسية، ومن بينها الخدمات الصحية، بما يضمن التوزيع الجغرافي العادل للمرافق الطبية لتكون في متناول جميع المواطنين. 

غير أن الواقع في أسوان يكشف عن فجوة واضحة بين النص والتطبيق، إذ تُظهر بيانات نشرة مصر في أرقام 2025 تراجع أعداد الأسرة بالمستشفيات من 1072 سريرًا عام 2022 إلى 828 سريرًا فقط عام 2023.

مبنى الوحدة الصحية الزعيرات

ويرجع الدكتور محمد حسن خليل، رئيس لجنة الحق في الصحة، تلك الفجوة إلى تناقص حجم الإنفاق على الصحة والذي يُعد مؤشرًا رئيسيًا لجودة الرعاية المقدمة: "المعايير العالمية توصي بألا يقل الإنفاق الحكومي على الصحة عن 6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما نص الدستور المصري على نسبة لا تقل عن 3% مع زيادتها تدريجيًا للوصول إلى المعدل العالمي، ومع ذلك، ما زال الإنفاق الفعلي في موازنة العام المالي 2025-2026 عند 1.2% فقط من الناتج المحلي، أي ما يعادل خُمس النسبة المطلوبة".

هذا الوضع ينعكس بوضوح على واقع الوحدة الصحية في الزعيرات، حيث يؤكد الأهالي ومن بينهم سمري، أنهم أُبلغوا بصدور قرار إزالة للمبنى المتهالك في 2020 لكن لم تُنفذ أي أعمال بناء أو ترميم حتى الآن. 

ويترك ذلك السكان في حالة من الحيرة بشأن مصير التطوير، رغم أن النجع يتبع مركز إدفو المدرج ضمن المرحلة الأولى من مشروع "حياة كريمة" عام 2021، والتي شملت 100 قرية، بهدف تحسين مستوى المعيشة والخدمات المقدمة من بينها الصحة.

الوحدة الصحية بالزعيرات

يؤكد أحمد عبد الراضي، أحد أهالي النجع وعضو مجلس النواب السابق (دورة 2011)، أن ما يحدث بشأن الوحدة الصحية لا يتجاوز الإجراءات الشكلية دون أي تنفيذ فعلي، مستشهدًا باجتماع عُقد بين عامي 2018 و2019 بالوحدة المحلية في نجع المعمارية بمدينة البصيلية، حيث أُبلغ خلاله بأن وحدة الزعيرات الصحية حصلت بالفعل على اعتماد مالي للتطوير، رغم مرور هذه السنوات، لم تُتخذ أي خطوات عملية حتى الآن.

ويضيف أنه تواصل مرارًا مع مسؤولي الصحة في إدفو وأسوان، بما في ذلك وكيل الوزارة، للحصول على توضيح بشأن مصير الوحدة، وسط مزاعم بأنها ستحظى بتطوير خاص، لكن، ورغم هذه الوعود المتكررة، لم يشهد الأهالي أي تقدم فعلي.

الوحدة خارج منظومة التأمين

ويوضح النائب حسن سيد خليل، عضو مجلس النواب عن محافظة أسوان، لـ"عين الأسواني" آخر تطورات موقف الوحدة الصحية بالزعيرات بأنه التقى مؤخرًا بوزير الصحة الدكتور خالد عبد الغفار في 14 أغسطس الماضي. 

وخلال اللقاء، أوضح الوزير أن الوحدة الصحية لم تُدرج ضمن المرحلة الأولى من منظومة التأمين الصحي الشامل، مشيرًا إلى أن أعمال تطوير الوحدة ستبدأ عقب صدور القرار الجمهوري الخاص بالمرحلة الثانية من المنظومة، والتي ستتضمن إدراج وحدة الزعيرات ضمن خطة التطوير.

لكن الدكتور حسن خليل رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، يؤكد أن إدراج الوحدة الصحية ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل لا يعني بالضرورة تحسن مستوى الرعاية الصحية، موضحًا أن نجاح أي نظام صحي يعتمد على مقومات أساسية مثل حجم الإنفاق الحكومي على الصحة، وتوافر الأطباء، وعدد الأسرة والممرضين لكل 10 آلاف مواطن. 

ويكشف هذا الواقع محدودية الموارد المخصصة للقطاع الصحي، إذ تُظهر بيانات مشروع الموازنة العامة للعام المالي 2025/2026 أن مخصصات الصحة بلغت 246 مليار جنيه مقارنة بـ 200 مليار جنيه في موازنة 2024/2025، إلا أن هذه الزيادة لا تتجاوز 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو معدل يقل كثيرًا عن الاستحقاق الدستوري الذي ينص على ألا تقل النسبة عن 3%.

وحدة الزعيرات الصحية

حاولت "عين الأسواني" التواصل هاتفيًا وعبر تطبيق واتساب مع الدكتور محمد سعيد، مدير مديرية الصحة بأسوان، والدكتور محمد عبدالهادي، مدير الهيئة العامة للرعاية الصحية بالمحافظة، أكثر من مرة للاستفسار عن موقف الوحدة الصحية وموعد إعادة تطويرها ، إلا أنها لم تتلق أي رد حتى وقت إعداد هذا التقرير.

وبتوجيه نفس السؤال للمهندس عاطف كامل، رئيس الوحدة المحلية لمدينة إدفو، أجاب: "الملف أصبح الآن ضمن اختصاص هيئة الرعاية الصحية، بعد انضمام محافظة أسوان إلى منظومة التأمين الصحي الشامل، حيث تتولى الهيئة مسؤولية إعادة الإعمار والتشغيل وتحديد موعد البدء في التنفيذ".

ينتظر عشرات الأسر في قرية الزعيرات لحظة عودة الوحدة الصحية للعمل، أملاً في أن يتحول الانتظار الطويل إلى رعاية طبية حقيقية تخفف عنهم عناء السفر وآلام المرض.