المرايا

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت نور الله أشرف عطية
2025-08-15 17:00:06

في قرية نائية تحتضنها الحقول  الشاسعة، ورثت "نور" منزلًا قديمًا عن جدتها؛ امرأة لطالما بدت غامضة في حياتها، تحيطها هالة من أسرار لم تُباح. قضت نور معظم طفولتها في المدينة مع والديها، لكنها تذكرت دومًا تلك النظرات العميقة التي كانت تلقيها عليها الجدة في زياراتها القليلة، وكأنها كانت تخفي سرًا ثقيلاً لم تستطع أو لم ترغب في الإفصاح عنه. كان المنزل واسعًا، يعبق برائحة الخشب العتيق الرطبة والغبار المتراكم في الزوايا المظلمة، والجدران الطينية تكسوها شقوق عميقة تشبه عروقًا يابسة متصلبة، وكأنها تخفي خلفها شيئًا قديماً ينبض ببطء.

لكن الشيء الأكثر غرابة وإثارة للقلق في المنزل هو كثرة المرايا، موزَّعة بشكل غير منتظم في كل زاوية تقريبًا؛ بعضها قديم ضخم بإطارات خشبية منقوشة بدقة متناهية تحمل وجوهاً شاحبة، وأخرى حديثة نسبيًا ذات حواف معدنية باردة، لكنها جميعًا تعكس شيئًا أكثر من مجرد الصور البصرية، تبدو كبوابات صامتة.

في البداية، لم تهتم نور بهذه التفاصيل الغريبة، معتبرة إياها مجرد بقايا من أثاث منزل قديم. لكنها بدأت تلاحظ شيئًا مريبًا يثير قلقها المتزايد، ظلها داخل المرايا لا يتبع حركاتها بنفس السرعة، وكأنه يتلكأ للحظة باستهتار قبل أن يقرر التحرك هو الآخر. حاولت تجاهل الأمر، وإقناع نفسها أن الإرهاق يلعب بعينيها، لكنها لم تستطع إنكار ما رأته بوضوح  ذات ليلة عندما استيقظت عطشى ومرَّت بجانب مرآة طويلة في الممر المظلم. هناك، رأته بوضوح تام... ظلها كان ينظر إليها مباشرة يحدق بها بجمود غريب.

ارتعشت أطرافها بشدة، وشعرت بفزع يتسرب إلى عظامها، لكنها تماسكت وأشاحت نظرها بعيدًا بسرعة، معتقدة أن عقلها المرهق ينسج لها أوهاماً مرعبة. لكن الأمور ازدادت سوءًا وتصاعدت وتيرة الرعب عندما بدأت تشعر بوجود شيء آخر يتبعها، ليس فقط في انعكاس المرآة المشوه، بل حتى في الواقع المحيط بها. ظلال تمر بجانبها في وضح النهار دون مصدر مرئي، انعكاسات خافتة في الزجاج لا تطابق موقعها أو حركتها، وأحيانًا... كانت تسمع صوت أنفاس خافتة ليست لها، همسات مبهمة تداعب أذنيها في سكون الليل.

وفي أحد الأيام المشمسة بينما تنظف غرفة الجدة المغبرة، وجدت نور مذكرات جدتها القديمة مخبأة داخل صندوق خشبي مزخرف. قرأت فيها بخط مرتجف: "لا تخافي من الظل يا عزيزتي، بل راقبيه بتمعن. إنه لا يريد الرحيل تماماً، لكنه أيضاً يتردد في البقاء. المرايا ليست مجرد زجاج عاكس، بل هي بوابات خفية بين عوالم. والسؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحيه على نفسك دائماً هو: أي جانب من هذه البوابات أنتِ تقفين فيه حقاً؟" لم تفهم نور معنى هذه الكلمات الغامضة، لكنها شعرت بقشعريرة تسري في عروقها.

في إحدى الليالي المظلمة التي عصفت فيها الرياح خارج النوافذ، استيقظت نور على صوت همسات خافتة تنبعث من زاوية الغرفة. نظرت بخوف إلى مرآة غرفتها القديمة ذات الإطار الذهبي المتآكل، ورأت ظلها يتحرك من تلقاء نفسه، يرتفع ببطء عن الأرض، يرفع يده النحيلة ببطء شديد، ويشير بإصبع طويل ونحيل نحوها. ارتجف جسدها الصغير تحت الغطاء الرقيق، لكن الأسوأ لم يكن ذلك. الأسوأ كان عندما أدركت أن المرآة لم تعد تعكس الغرفة المألوفة خلفها... بل كانت تظهر غرفة أخرى، مظلمة وباردة، وكأنها تؤدي مباشرة إلى عالم آخر مجهول ومليء بالتهديد.

فجأة، خرج ظلها من سطح المرآة الزجاجي. لم يكن مجرد انعكاس مشوه بعد الآن. كان يقف أمامها ككيان منفصل، بلا ملامح واضحة المعالم، لكنه يحمل إحساسًا خانقًا بالخطر الوشيك. أرادت الصراخ طلباً للمساعدة، لكن صوتها اختفى في حلقها الجاف، وشعرت بقوة خفية تسحبها ببطء وثبات نحو سطح المرآة المظلم!

في اللحظة الأخيرة من الوعي، أمسكت بمطرقة صغيرة صدئة كانت ملقاة بجانب سريرها القديم، وضربت المرآة بكل قوتها المتبقية. تحطم الزجاج إلى قطع حادة متناثرة على الأرض، وصاح المنزل القديم بأكمله بصوت عميق ومكتوم كما لو كان يحتضر هو الآخر. انهارت نور على الأرض الباردة، تحاول استجماع أنفاسها المتقطعة. ظلت تحدق في الزجاج المحطم المتلألئ في ضوء القمر الشاحب، وعرفت يقيناً أن شيئاً ما قد تغير بشكل جذري في هذا المنزل المشؤوم.

وعلى سطح قطع الزجاج المتناثرة، لم ترى انعكاسها الطبيعي كما اعتادت... بل كانت ترى ظلاً مشوهاً، أصغر حجماً وأكثر سواداً، يحدق بها من بعيد بعيون خالية من أي تعبير.

والأسوأ من ذلك؟ أنه في كل مرة تغمض عينيها المرهقتين، كانت تشعر بوجود شيء يقترب منها أكثر فأكثر في الظلام، همسات خافتة تداعب أذنيها، لمسة باردة على ذراعها... وكأنها لم تعد تعرف على وجه اليقين من الذي خرج من المرآة ومن الذي بقي محاصراً في الداخل.