تبدأ رضا علي، 36 عامًا، مقيمة بنجع الماسخ في محافظة سوهاج، رحلة البحث عن أسطوانة غاز "أنبوبة بوتاجاز" قبل نفادها بأيام، خشية الوقوع في أزمة جديدة مع نقص المعروض وارتفاع الأسعار، مع كل شهر، تجد الأسرة نفسها أمام عبء متكرر لتدبير احتياجاتها من الأسطوانات، في ظل غياب خدمة الغاز الطبيعي عن النجع حتى الآن.
تروي رضا تفاصيل هذه المعاناة: "السعر الرسمي للأسطوانة 275 جنيهًا، لكننا نضطر أحيانًا لشرائها بـ400 جنيه بسبب نقص المعروض، وأحيانًا ننتظر أسبوعًا كاملًا حتى نجد واحدة".
وتوضح أن أسرتها، المكونة من خمسة أفراد، تستهلك نحو ثلاث أسطوانات شهريًا، ما يحول توفيرها إلى تحدٍ مستمر يرهق ميزانية المنزل، مؤكدة أن توصيل الغاز الطبيعي إلى النجع كان سيوفر على الأسر هذه التكلفة.
أسطوانة تثقل كاهل الأسر
تعكس تجربة رضا واقعًا يعيشه سكان نجع الماسخ التابع لمركز المراغة، حيث لا تزال خدمة الغاز الطبيعي غائبة عن المنطقة، رغم وصولها إلى عدد من القرى المجاورة.
هذا الغياب جعل أسطوانات الغاز الخيار الوحيد أمام الأهالي، وفتح الباب أمام ارتفاع الأسعار في السوق السوداء، التي تتراوح بين 300 و500 جنيه للأسطوانة، بحسب تقديرات الأهالي.
وتقول رضا إن متوسط دخل أسرتها لا يتجاوز 4500 جنيه شهريًا، بينما تصل تكلفة أنابيب البوتاجاز إلى 1200 جنيه شهريًا: "المبلغ ده بيستنزف جزءًا كبيرًا من دخل البيت، خصوصًا مع باقي مصاريف المعيشة".
-يكفل الدستور المصري الصادر عام 2014 والمعدل في 2019 حقوق المواطنين في الحصول على الخدمات الأساسية ومرافق الحياة الكريمة.
بينما يؤكد الدكتور حمد عرفة، خبير التنمية المحلية لـ"أهل سوهاج"، أن مؤشر "جودة الحياة" يرتبط بشكل مباشر بمدى توافر الخدمات الأساسية والمرافق الحيوية داخل القرى، بما يسهم في خفض معدلات الفقر وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا وجاذبية للسكان.
في 9 يونيو الماضي، عقد كمال سليمان نائب محافظ سوهاج اجتماعًا موسعًا مع قيادات المحافظة والنائب مصطفى حسين أبو دومة، عضو مجلس النواب، والذي طالب بسرعة التوسع في مشروعات توصيل الغاز الطبيعي بمراكز وقرى محافظة سوهاج، مؤكدًا أهمية إدراج القرى والمناطق غير المخدومة ضمن المشروع، بما يضمن تحقيق العدالة في توزيع الخدمات الأساسية وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين.
الغاز يمر بالجوار
بحسب جولة ميدانية أجرتها مُعدة التقرير داخل نجع الماسخ، تبيّن أن خطوط الغاز الطبيعي تمر بالقرب من النجع وتغذي عددًا من القرى المجاورة، بينها أولاد إسماعيل وبناويط والجزازرة والغريزات والشيخ شبل، ورغم إعلان محافظة سوهاج، على مدار السنوات الماضية، خططًا متكررة للتوسع في توصيل الغاز الطبيعي، فإن النجع لم يشهد حتى الآن أي أعمال حفر أو مد شبكات تمهيدًا لتوصيل الخدمة للأهالي.
كانت بداية دخول خطوط الغاز في محافظة سوهاج خلال العام 2017، إذ أُعلن وقتها توصيل الغاز الطبيعي إلى 12 ألف وحدة سكنية بمدينة المراغة بتكلفة بلغت 40 مليون جنيه.
واستُكملت الجهود خلال 2020 حيث أكدت المحافظة أن إجمالي الوحدات التي وصلتها الخدمة على مستوى المحافظة بلغ 210 آلاف وحدة، بتكلفة تقديرية وصلت إلى 266 مليون جنيه، بما وفر نحو 3.7 مليون أسطوانة بوتاجاز سنويًا.
كما شهد مايو 2024 إطلاق أول شعلة غاز بقرية أولاد إسماعيل المجاورة، ضمن 41 قرية شملتها المرحلة الأولى من مبادرة "حياة كريمة".
بينما يؤكد النائب مصطفى أحمد مزيرق، عضو مجلس النواب عن دائرة مركز المراغة، أن نسب تنفيذ خطوط الغاز في بعض قرى سوهاج تجاوزت 95%، وهو ما يمهد لبدء تنفيذ مشروعات المرافق الأخرى، وعلى رأسها توصيل الغاز الطبيعي ورصف الطرق الرئيسية، إلا أن نجع الماسخ لا يزال خارج نطاق التنفيذ حتى الآن.
يستقبل مستودع أنابيب المراغة -الوحيد الذي يخدم نجع الماسخ- بين 770 و900 أسطوانة تصل إلى المستودع بمعدل شحنة واحدة كل يومين أو ثلاثة أيام، بينما يصل عدد المترددين على المستودع يوميًا بين 400 و500 مواطن، وفق مصدر مسؤول في مستودع أنابيب المراغة.
وبحسب المصدر فإن مستودع المراغة يلتزم بالأسعار الرسمية المقررة من الجهات المختصة، حيث تُباع أسطوانة البوتاجاز سعة 12.5 كيلوجرام بسعر 275 جنيهًا داخل المستودع، و285 جنيهًا في حالة التوصيل للمنازل، مؤكدًا أن أي فروق سعرية تُسجل خارج هذه الأسعار لا تمت للمنظومة الحكومية بصلة وتندرج ضمن نطاق السوق غير الرسمية.
أزمة متكررة وأعباء مضاعفة
فيما يوضح الدكتور السيد خضر، أستاذ الاقتصاد بجامعة الزقازيق، لـ"أهل سوهاج"، أن استمرار غياب الغاز الطبيعي عن بعض القرى يفرض أعباءً اقتصادية إضافية على الأسر، إذ يؤدي إلى زيادة الإنفاق الشهري على الطاقة المنزلية، ما يدفع بعض العائلات إلى تقليص مخصصات الغذاء أو التعليم أو الرعاية الصحية لتعويض هذه التكلفة.
ويشير إلى أن النساء يتحملن العبء الأكبر في مثل هذه الأزمات، بحكم ارتباطهن المباشر بالأعمال المنزلية اليومية.
وتنعكس هذه التداعيات بوضوح في تجربة ليلة كمال، 56 عامًا، من سكان النجع. خاصة خلال المواسم والأعياد، إذ تضطر أحيانًا لشراء أسطوانة الغاز من السوق السوداء مقابل 500 جنيه.
وتوضح أن متوسط دخل أسرتها الصغيرة، المكونة من ثلاثة أفراد، لا يتجاوز ألف جنيه شهريًا، وهو ما يجعل تكلفة الأسطوانة عبئًا ماليًا: "الغاز مهم جدًا، ولو مفيش غاز مش هعرف أسوي أكلي".
ويكشف مصطفى مزيرق نائب دائرة مركز المراغة، أن السبب وراء تأخر دخول خدمة الغاز الطبيعي إلى نجع الماسخ يرجع إلى عدم الانتهاء من مشروع الصرف الصحي بالقرية، موضحًا أن توصيل الغاز لا يمكن أن يبدأ إلا بعد استكمال أعمال البنية التحتية للصرف الصحي، باعتبارها الشرط الأساسي لمد شبكات الغاز.
ويوضح لـ"أهل سوهاج" أن عددًا من قرى مركز المراغة المدرجة ضمن المرحلة الأولى من المشروع انتهت بها أعمال الصرف الصحي ودخلت خدمة الغاز الطبيعي بالفعل، من بينها عرابة أبو عزيز والغريزات والبطاخ والوقيدة، فيما بدأت أعمال التركيب في قرى أخرى مثل أولاد إسماعيل ونجع طايع والسمارة، ضمن خطة التوسع التدريجي في توصيل الخدمة.
بينما تستمر مشكلة الصرف الصحي في قرى مثل نجع الماسخ والبارد وعزبة بني هلال والأخضير والكراعي، إلى جانب بعض المناطق داخل مدينة المراغة مثل حي الياسمين وحي الزهور، وفق "مزيرق" الذي يؤكد أهمية إدراج هذه المناطق ضمن خطط الصرف الصحي خلال المرحلة المقبلة ومن بعدها تبدأ إمدادات الغاز.
لا تعبأ رابحة أحمد، 43 عامًا، مقيمة بنجع الماسخ، بتلك الإجراءات كل ما يشغل بالها المعاناة المالية التي تتكبدها كل شهر للحصول على أسطوانة غاز.
تشير إلى أن أسرتها المكونة من ثمانية أفراد تستهلك كميات كبيرة من أسطوانات البوتاجاز شهريًا، خاصة خلال المواسم وشهر رمضان، الذي شهد أزمة حادة اضطرتهم خلالها إلى شراء الأسطوانة بسعر وصل إلى 500 جنيه، ما رفع إجمالي تكلفة البوتاجاز في الشهر إلى نحو 2000 جنيه، من دخل لا يتجاوز 5000 جنيه.
حلول مطروحة
يوضح الدكتور حمدي عرفة، خبير التنمية المحلية، أن ضعف التخطيط العمراني في عدد من المناطق يمثل أحد أبرز التحديات التي تعرقل توصيل الخدمات، خاصة في ظل انتشار البناء العشوائي الذي يرفع تكلفة إدخال المرافق، إلى جانب غياب قواعد البيانات الدقيقة وضعف التنسيق بين الجهات المعنية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تأخر تنفيذ المشروعات الحيوية.
- ينص قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 وتعديلاته على أن الوحدات المحلية مسؤولة عن توفير الخدمات العامة للمواطنين وتحسين مستوى المرافق داخل القرى.
ويؤكد مصدر مستودع المراغة أن بعض فصول السنة تشهد عادة زيادة في معدلات الاستهلاك، إلى جانب احتمالية تأخر بعض الشحنات الواردة من المصنع، وهو ما قد يؤدي إلى نقص مؤقت في بعض القرى مثل الوقدة وأولاد إسماعيل وبناويط.
بينما يرى الدكتور حمدي عرفة أن الحل يتطلب إعداد خرائط تنموية دقيقة تقوم على مبدأ العدالة في توزيع الاستثمارات الحكومية، إلى جانب تحديث المخططات العمرانية بما يساهم في تسريع إدخال الخدمات إلى المناطق المحرومة، وتقليل الفجوة في مستوى المرافق بين القرى المختلفة.
وفي السياق ذاته، يؤكد النائب مصطفى مزيرق أنه تقدم بطلب إحاطة للإسراع في تنفيذ مشروعات الصرف الصحي بعدد من القرى، من بينها بناويط وفزارة والجزازرة والشيخ يوسف وإقصاص ونجع أبو عوض والكماش وبني وشاح وبهتا والبهاليل، في إطار الضغط لدفع خطط تحسين البنية التحتية داخل مركز المراغة ومن بعدها إدخال خطوط الغاز.
حاولنا التواصل مع علي لطفي، رئيس مجلس مدينة المراغة، للحصول على تعليق بشأن أسباب تأخر توصيل الغاز الطبيعي إلى نجع الماسخ رغم قربه من القرى المخدومة، إلا أننا لم نتلقَّ ردًا.
وتستمر معاناة رضا وليلة ورابحة وغيرهن من أهالي نجع الماسخ في رحلة شهرية متكررة للبحث عن أسطوانة البوتاجاز، وسط انتظار طويل لخدمة لم تصل بعد، لتتحول أبسط مقومات الحياة اليومية إلى عبء مالي متجدد.