يمثل عيد الأضحى المبارك مناسبة دينية تحمل في طياتها معاني التضحية والفداء، حيث يتجسد ذلك بشكل رئيسي في مشهد التضحية، وهي شعيرة تثير مشاعر متنوعة بين الأفراد، كبارًا وصغارًا، إلا أن الآثار النفسية لهذه العادة السنوية قد تختلف من شخص الى اّخر، لذا تحدثت " أهل سوهاج" مع بعض الأفراد ومع بعض الخبراء النفسيين لمعرفة تأثير ذلك عليهم.
فرحة العيد
في البداية، تصف أماني قدري، 50 عام، مشاعرها خلال عيد الأضحي فتقول :"في الأيام العادية أخاف من نحر الدواجن والبط والحمام، أما العيد، فالوضع مختلف فالجزار مسؤول عن العملية كاملًة، فلا أشعر بآثار نفسية سلبية أثناء رؤية المشهد، لاعتيادي الأمر".
وأختتمت معلقة: "أفرح عشان بطلع لحمة لوجه الله، وفرحة العيد وتنفيذ أمر ربنا، أما الأطفال فيه منهم اللي بيخافوا، وفيه أطفال بيفرحوا".
خوف وتوتر
أما أسماء بدوي ذو الــ 28 عامًا، توضح مشاعرها المختلطة قائلة: "أشعر بخوف وقلق، حيث ينتابني شعور بالغثيان عند رؤية هذه الدماء، وأشعر بضيق شديد وتعاطف مع الحيوان، وأتمنى لو لم يتم ذبحه.
واستطردت أسماء فى حديثها قائلة: "أرى أن مشاهدة الأطفال لهذه العملية، قد يكون له آثار نفسية سلبية، مما يستدعي ضرورة حماية الأطفال من هذه المشاهدة، وعن تجربتي الشخصية، أتجنب حضور عملية الذبح، وأختبئ لتخفيف شعوري بالخوف والقلق، وعلى الرغم من هذه المشاعر، أحرص على توجيه رسالة للأجيال القادمة أؤكد فيها أهمية عيد الأضحى وكونه مناسبة للتزكية عن النفس".
الأطفال يتحدثون
تعبّر ملك هراس، 10 سنوات، عن مشاعرها قائلة: "بكون فرحانة لما بشوف الخروف ومش بكون خايفة، كما بساعد والدتي في التجهيزات وتقسيم الأضحية، وبحب الأكلات اللي بتتعمل في العيد زي الجلاش باللحمة و الحواوشي، ولكن مبحبش العادة الغريبة اننا نفطر كبدة فى أول يوم العيد".
على الجانب الاّخر، تقول رويدا أحمد ،10 سنوات، في حماس:" أنا مش بخاف من الخروف، بس بخاف لحسن يجري ورايا، لكن لما يذبحوه، برجع أقف جنبه عادي، أنا بحب التضحية في العيد، بس بكره الدم اللي يطلع من الخروف، ومهمتي اساعدهم في تجهيزات التضحية".
التأثير النفسي
وعلى صعيد التأثير النفسي، توضح د.سحر محمد كمال، أخصائية نفسية حاصلة على ماجستير في الصحة النفسية، بعض التأثيرات النفسية المحتملة لمشاهد التضحية، قائلة :" تختلف الآثار النفسية باختلاف العمر، وحسب مستوى الإدراك والنضج العاطفي.
وتضيف "كمال" موضحة: "بالنسبة للأطفال، قد يعاني البعض منهم من مشاعر الخوف أو الحزن عند مشاهدة التضحية، خصوصًا إن لم يكونوا مهيئين نفسيًا لرؤية الدماء أو مشاهدة الحيوان بعد النحر، وكذلك القلق والاشمئزاز، فبعض الأشخاص لديهم حساسية نفسية، أو نباتيين، فقد يشعرون بالتوتر والقلق بسبب مشهد التضحية ورائحة الدم، وأخيرًا تبلد المشاعر، حيث أن التعود المفرط على تلك المشاهد، دون توعية دينية وإنسانية، قد يؤدي إلى نوع من عدم الاكتراث بمشاعر الرحمة".
البالغين
أما بالنسبة للبالغين فتري "كمال" أنه الطفل قد يعانى من الانزعاج أو الصدمة النفسية، فبعض الأشخاص الغير معتادين على رؤية الدماء أو مشهد التضحية قد يشعر بعدم ارتياح أو صدمة عاطفية مؤقتة، ومنهم يشعر بالأحساس بالذنب أو التعاطف الزائد مع الحيوان، وقد يعاني بعض الكبار من التنافر المعرفي بين الواجب الديني ومشاعرهم تجاه الحيوان، ومنهم من يتعرض إلى تفاقم حالات القلق والحساسية النفسية، حيث أن الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو حساسية مفرطة قد يتأثروا سلباً بالمشهد خصوصًا إذا كانت لديهم خبرات مؤلمة سابقة.
مراحل عمرية
وتوضح سحر فى حديثها لــ أهل سوهاج، الأطفال تحت سن الــ 12 عامًا، قد يشعرون بالخوف والقلق والحزن عند رؤية الدم أو الحيوان أثناء التضحية، خصوصًا إن لم يكونوا على دراية كافية بالطقوس الدينية والرمزية من الأضحية، أما المراهقين من سن 12 عامًا حتى الــ 18 عامًا يكونوا أكثر دراية للمعاني الدينية والاجتماعية، وقد تظهر مشاعر مختلطة كالتعاطف مع الحيوان أو رفض الفكرة، و البالغون من سن 18 عامًا فأكثر معظمهم يتقبلون التضحية، كجزء من الشعائر الدينية خاصة في البيئة التي اعتاد فيها المشهد منذ الصغر، ويكون الأثر النفسي ضئيل أو غير موجود وينظر للتضحية كواجب ديني أو شكل من أشكال العبادة.
علامات
واستكملت "سحر" حديثها قائلة :"من الممكن أن تظهر عدة علامات نفسية على من يشاهد مشاهد التضحية، مثل القلق المفرط ونوبات الهلع أو تذكر المشهد، والتعرض للكوابيس المتكررة أو أحلام مزعجة تتعلق بالعنف أو النحر، أو اضطراب المزاج كالاكتئاب والحزن العميق بدون سبب واضح، والخوف المفرط من المواقف التى تذكر المشهد كرؤية السكين أو سماع صراخ، أو الشعور بالذنب أو العجز رغم عدم ارتباطه المباشر بالحدث.
واستكملت "سحر" تفسيرها للعلامات النفسية المهمة لمشاهدة الأضحية، قائلة :"هناك أيضًا تجنب مشاهد الأخبار، أو أي محتوى عنيف، والانسحاب الاجتماعي أو قلة التفاعل مع الآخرين، وصعوبة التركيز، وفرط التوتر في مواقف عادية.
وتضيف "سحر":"هناك أيضًا علامات جسدية، منها الشعور بالأرق واضطراب في النوم، وآلام جسدية غير مفسرة كالصداع والتوتر العضلي واضطراب المعدة، والشعور بخفقان أو تعرق زائد عند تذكر المشهد.
بين الريف والحضر
ومن ناحية أخرى ترى الطبيبة النفسية أن التأثير النفسي يختلف حسب البيئة، حيث أن أطفال الريف، يعتادون على تلك المشاهد منذ الصغر، ويشاركون فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، فى المناسبات أو الأعياد، مما يقلل من مشاعر الخوف والصدمة لديهم.
بينما أطفال الحضر الذين يستهلكون اللحوم دون التعرض لعملية الذبح مباشرةً، قد يتأثرون نفسيًا بشكل أكبر عند رؤية المشهد لأول مرة، فقد يربط الطفل بين الأضحية والحيوان ككائن لطيف، ويجد صعوبة في تقبل الفكرة دينياً، إن لم تشرح له الخلفية الدينية بشكل جيد.
واستطردت سحر فى حديثها قائلة "قد تؤثر مشاهد الذبح على نفسية الطفل من حيث زيادة التبلد العاطفي، إثارة الخوف والقلق، واضطراب النوم والكوابيس، تقليد السلوك العنيف، وتشويه المفاهيم الأخلاقية لديه.
دور الأهل
أكدت سحر على أهمية دور أولياء الأمور في توجيه الأطفال وتوعيتهم وتنبه قائلة :" إذا تعرض الطفل لمثل هذه المشاهد يجب التحدث معه، وشرح القيم الإنسانية المرتبطة بالرحمة والرفق، والتركيز على البدائل الإيجابية التي تدعم قيم التعاطف والتعاون وحب الاّخرين".
وشددت سحر أثناء حديثها قائلة " لا تجبر الطفل على المشاهدة، كما يجب تجنب تصوير الذبح ومشاركته أمام الأطفال، مع ضرورة مراقبة ردود أفعال الطفل بعد العيد، التركيز على الجوانب الإيجابية".