في إحدى حواري سوهاج الشعبية، عاش أحمد سعيد مع زوجته الهادئة، زينب، وابنتيهما، فاطمة ذات العشر سنوات بذكائها اللامع، وحسين ذو السبعة أعوام بضحكته الصافية. كان أحمد يعمل بجد في محل لبيع الملابس الرجالية، يعود إلى بيته مساءً يحمل معه بشاشة النهار ورزقًا يكفي ليعيشوا حياة بسيطة لكنها دافئة ومليئة بالحب.
وفي يوم، عادت زينب إلى البيت لتجد زوجها شارد الذهن، عيناه زائغتان، ورائحة غريبة تنبعث منه. لم تفهم ما حدث، لكنها شعرت بقبضة باردة تنهش قلبها. كانت تلك المرة الأولى التي تراه فيها بتلك الحالة، حالة لم تعرفها عنه. سرعان ما تبين لها أن أحمد قد سقط ضحية لمخدر رخيص بدأ ينتشر بين شباب المنطقة، وعدهم الشيطان بأنه سيكون الحل لزوال همومهم وأحزانهم.
يومًا بعد يوم، تحول أحمد إلى مدمن، أسيرًا لوهم زائل، أهمل عمله، وبدأ المال الذي كان يجلبه إلى البيت يتبخر في شراء السم القاتل، ولم يعد يعطي لزينب أي نفقات للبيت أو حتى مصروفًا بسيطًا لأبنائه في المدرسة.
هنا، اشتعلت أول شرارة في عش الزوجية الهادئ، وتصاعدت المشاجرات بين الزوجين، محملة باليأس والغضب ودموع زينب الصامتة. كانت فاطمة وحسين يشاهدان كل شيء بعيون واسعة مملوءة بالخوف والارتباك، يتساءلان في صمت أين ذهب أبوهما الحنون.
في إحدى الليالي الحالكة، اشتد الخلاف بين أحمد وزينب. كانت زينب تتوسل إليه أن يتعافى، أن يعود إلى رشده، من أجلهم، من أجل أطفالهم. لكن الإدمان كان قد استحكم على عقله وروحه. في لحظة غضب شيطانية، انتزع أحمد سكينًا حادة من المطبخ، وفي حالة فقدان للوعي، طعن زوجته المسكينة عشرين طعنة غادرة، لتسقط زينب مضرجة بدمائها أمام عيني طفليها الصغيرين. صرخ فاطمة وحسين صرخات مفجعة، مزقت سكون الليل، صرخات فقد وبراءة مقتولة.
هرعت الشرطة إلى مسرح الجريمة واعتقلت أحمد، تاركة خلفها طفلين يتيمين مذعورين. لم يعد بإمكان فاطمة وحسين العودة إلى ذلك البيت الذي تحول إلى مسرح لجريمة بشعة. قررا الابتعاد، يتنقلان بين أقاربهما المترددين في تحمل مسؤوليتهما.
استقرت فاطمة لفترة عند خالتها، لكن القدر كان يخبئ لها قسوة أخرى. ذات يوم، اعتدى عليها زوج خالتها الخائن، لتترك البيت مرة أخرى، هاربة إلى شوارع المدينة الكبيرة، حيث قررت أن تعمل بائعة مناديل متجولة لتقتات وتنفق على نفسها. كانت تبيع المناديل بقلب مكسور وعيون دامعة، تحمل ندوب الماضي على جسدها وروحها.
أما حسين، فقد رقّ له قلب جاره الطيب، رجل مسن لم ينجب، فأخذه ليعيش معه ويربيه كأحد أبنائه. وفر له حياة كريمة وتعليماً جيداً، وحاول أن يمحو من ذاكرته صور العنف والفقد. كبر حسين ليصبح شاباً يافعاً، يسعى لتحقيق أحلامه في الجامعة.
وفي أحد الأيام، بينما كان حسين في طريقه إلى الجامعة، وجد تجمعاً كبيراً وصوتاً عالياً في أحد الشوارع الجانبية. بدا الأمر وكأنه مشاجرة، فاقترب بفضول ليرى ما يحدث. لكن المفاجأة صعقته. وجد أخته فاطمة وسط مجموعة من الشباب، يتشاجرون بصوت عالٍ، وسمع همسات تدور حول محاولة أحدهم التحرش بها. انقبض قلب حسين حزناً وغضباً على ما آلت إليه حال أخته، لكنه شعر بعجز قاتل. نظر إليها بعينين دامعتين، ثم تركها وذهب، لم يستطع أن يواجهها أو يأخذها معه، مزيج من الخجل والعجز واليأس شل حركته.