قد تبدو حارتنا ضيقة، ولكنها تتسع للآلاف. لا تنغلق أبواب منازلها، فلا يوجد غريب بيننا.
أمام بيتنا، نجلس عادة أمام الباب، ونتابع المارة بالحارة، ونستنشق الهواء الصافي، نرتدي ثيابنا التقليدية، الجلباب المنقوش، نطرد الأتربة من بيتنا، فلا أحد يغلق بابه في هذه الحارة، إلا وقت النوم.
وها هناك مجموعة من السيدات يجلسون ويتناقشون حول أحوال البلدة، و يصدح الراديو بإذاعة القاهرة: "هنا القاهرة "، في خلفية كل الأحاديث بكل المنازل.
يأتي الأطفال إلى الحارة، ليجلسوا أمامي في وضع دائري، فأنا الجدة المفضلة لهم، يخبروني بأنهم خائفين من العدوان الثلاثي، فأجيبهم :"اللي يخاف من العفريت يطلعله"، يسألون بلهفة: "يعني ايه؟"، أسرد لهم القصة، ففي الماضي حين كانت حارتنا قليلة السكان، وتطل على أحد الترع، كانت تنتشر شائعات وجود عفاريت وجن، وكان من يخاف العفاريت ويشعر بالرعب، يتخيل كل شيء بجواره على أنه عفريت، حتى إذا كان كلبًا يمر بجانبه، فانتشر ذلك المثل من وقتها "اللي يخاف من العفريت يطلعله".
سألني أحدهم عن مثل "اللي اختشوا ماتوا"، فـرددت مبتسمة، أنه يعود إلى سنوات قديمة، في شارع المعز بالقاهرة، كان هناك "حمام السلطان إينال"، ووقعت حادثة مأساوية، حين شب حريق بالحمام، أثناء استحمام عدد من السيدات، فخرج بعضهم دون الاهتمام بكونهم شبه عراة، أما من شعرن بالخجل والحياء، فظلوا في الداخل وماتوا بسبب الحريق .
استغرب الأطفال حول كل هذه القصص التي تستتر خلف هذه الأمثال، ينتبه أحدهم ويسألني: ماذا عن "دخول الحمام مش زي خروجه"؟
أقول: "دخول الحمام مش زي خروجه " المثل الذي انطلق في عهد الدولة العثمانية على حمام تركي، إذ أراد صاحبه جذب الزبائن فقام بكتابة لافتة: "الدخول مجانًا"، وذهب الكثير من أهالي البلدة للحمام ولكن خبأ صاحب الحمام ملابس الزبائن، وطلب منهم أموال مقابل إعادة ملابسهم والخروج من الحمام وأخبرهم: "دخول الحمام مش زي خروجه".
بدأ الأطفال يتسابقون حول ترديد الأمثال التي يفهمونها ليتعرفوا على القصة وراءها، يقول أحدهم "عند ام ترتر "، ضحكت، وأخبرتهم أن ذلك المثل يعود إلى سيدة تدعى "نفوسة"، كانت تمتلك شخصية قوية وكانت لديها ولدان وفتاة تدعى "نبوية ترتر"، وعندما كانت دواجن الجيران تقفز إلى سطح منزلها، تسرقهم وتطهيهم، وتخفي وجود أثر للديك، وعندما كان يبحث الجيران عنه يقوموا بالرد على بعضهم "عند ام ترتر ربنا يعوض عليكم"، وظهر ذلك المثل ليعبر عن استحالة وجود ما تبحث عنه.
نظرت الجدة لهم و قالت هل احكي لكم عن قصة: "اللي علي راسه ريشه"
هزوا رأسهم بفرحة.
ضحكت وقلت لهم ذلك من أصل عربي في العصور القديمة كان يوجد رجل فقير، سرقت جميع دجاجاته، فذهب إلى شيخ المسجد بالقرية، وشكا له عما حدث وأثناء تجمع الرجال في المسجد أثناء صلاة الجمعة، طلب الشيخ منهم عدم المغادرة وأخبرهم بقصة ذلك الرجل، وأن اللص تجرأ وأتي للصلاة ومازال الريش على رأسه، فقام اللص بمسح رأسه فانكشف، وهو أيضًا كان لمثل: "اللي علي راسه بطحه يحسس عليها"، الذي انتقل عبر الأزمان والعصور.
سألني أحد الأطفال وما معنى ياجدتي "ما احنا دافنينه سوا"؟
قلت: كان هناك رجلان يبيعان زيت يحملونه على حمار، فمات ذلك الحمار، فجاءت لأحدهم فكرة أن يدفنوا الحمار، ويبنوا ضريحًا ويقومون بإيهام الناس أن ذلك مدفن أحد الصالحين، وبالفعل، بدأت الزيارات والتبرعات تنهال على المدفن، بهدف البركة من ذلك الصالح، ونما الطمع في نفس واحد من الرجلين، فـ أخبره صاحبه أنه رأي منام للولي الصالح، يطلب منه أن يغادر صاحبه ويترك الضريح، فأجاب صاحبه بضحك: "ما حنا دافنينه سوا".
ضحك الأطفال كثيرًا لقصة المثل، وعندما حل وقت الظهيرة، ذهب كل منهما للعب وهم يرددون تلك الأمثال، وظللت أنا جالسة أمام منزلي، في انتظار أطفال آخرين وآخرين لاستكمال حواديت الأمثال.