"افتتاح السوق خلال الشهر المقبل، وبعدها ستبدأ المحافظة في حملات الإزالة الفورية لنا، ليس لدينا أي بدائل أخرى، ولا نملك القدرة على استئجار محال تجاوز إيجارها 4 آلاف جنيه شهريًا"، يعبر فتوح حمدي، بائع خضروات وفواكه في منطقة محطة قطار طلخا بمدينة المنصورة، عن تخوفات الباعة عقب افتتاح سوق طلخا الحضاري.
يؤكد فتوح: "لا نعلم أين سيكون مصيرنا بعد أن نخسر لقمة عيشنا الوحيدة، سننقل إلى مصير مجهول ونشعر بالخوف".
هل ينجح التنظيم؟
تتسق مخاوف فتوح، مع قرار محافظ الدقهلية اللواء طارق مرزوق منذ نوفمبر الماضي، بإنشاء سوق طلخا الحضاري ومنع وقوف الباعة الجائلين بشوارع مدينة طلخا وأبرزها: شارع السوق والبحر الأعظم والعواضي وتقسيم المعلمين.
وافتتحت محافظة الدقهلية السوق الجديد مع بدء تنفيذ قرار إزالة الباعة الصادر في أكتوبر الماضي، ورغم ترحيب عدد من الباعة بفكرة التنظيم وتطوير المظهر الحضاري للمدينة، إلا أن الأزمة -بحسب الباعة- في عدم قدرة السوق الجديد على استيعابهم كلهم في "الباكيات" المخصصة لهم، فضلًا عن ارتفاع سعر الإيجارات، ما يزيد مخاوفهم من ألا يجد عدد كبير منهم بديلاً يضمن استمرار مصدر رزقهم.
وبحسب الباعة، تقدموا بـ"بحث اجتماعي" مستخرج من وزارة التضامن الاجتماعي إلى مجلس مدينة طلخا، يفيد بأحقيتهم في الحصول على الباكيات التجارية، وفقًا لأوضاعهم الاجتماعية وظروفهم الصحية والعائلية، وإثبات عملهم كباعة داخل مدينة طلخا، ثم جرت عملية الفرز والتسكين من خلال قرعة أُجريت في أكتوبر الماضي، لاختيار 84 بائعًا بعدد الباكيات المتاحة.
بحث اجتماعي بلا جدوى
يؤكد فتوح حمدي، الذي يعمل بالسوق منذ أكثر من خمس سنوات، إنه تقدم لمجلس المدينة للاشتراك في القرعة، مرفقًا ما يثبت أحقيته في الحصول على "باكية"، من خلال بحث اجتماعي صادر عن وزارة التضامن الاجتماعي، يؤكد عدم قدرته على العمل بأي مهنة أخرى، نتيجة إصابته بقطع في أوتار أصابع اليدين، إثر عمله السابق بالجزارة.
وأضاف: "لم أكن الوحيد الذي تقدم ببحث اجتماعي، بل كنا أكثر من 25 حالة، لكننا تفاجأنا يوم القرعة أن الاختيار لم يقع علينا رغم تقديمنا أبحاث اجتماعية من التضامن تثبت أحقيتنا".
وأشار إلى أن أغلب الباعة المختارين -وفق قوله- ليسوا من أبناء مدينة طلخا، بل من محافظات أخرى، ما أثار العديد من علامات الاستفهام لدى المتضررين.
فجوة بين عدد "الباكيات" والباعة
سوق طلخا الحضاري هو مشروع خدمي وتنظيمي أُقيم بمدينة طلخا بمحافظة الدقهلية، ضمن خطة الدولة للقضاء على العشوائية وتنظيم أوضاع الباعة الجائلين وتحسين المظهر العام للمدينة.
أُنشئ السوق على مساحة تُقدَّر بنحو 2880 مترًا مربعًا، ويضم السوق 84 محلًا تجاريًا، خُصصت لتسكين عدد من الباعة الجائلين، تم اختيارهم من خلال قرعة علنية، وتشمل الأنشطة بيع الخضروات والفاكهة والسلع الغذائية المختلفة، مع مراعاة الاشتراطات الصحية والتنظيمية.
ولكن بحسب جولة ميدانية أجرتها مُعدة التقرير، تضم منطقة محطة قطار طلخا وحدها أكثر من 150 بائعًا، بينما يوجد نحو 25 بائعًا بمنطقة الكاكولا، و10 بائعين بمنطقة العواضي، و10 آخرين بشارع البحر الأعظم، إضافة إلى 15 بائعًا بتقسيم المعلمين امتدادًا لمستشفى طلخا، وهي أعداد لا تتناسب مع عدد الباكيات المتاحة داخل السوق الجديد
مخاوف الباعة الجائلين
وتؤكد نجاح السيد، بائعة خضروات بمنطقة الصفوة، أنها عانت يوميًا من حملات الإزالة المتتالية، إلى أن تراجعت حدتها بعد نشر أخبار القرعة وقرارات الإزالة عقب افتتاح السوق.
وأضافت: "أصبح عملنا مجرد عمل مؤقت، ننتظر نهايته في أي لحظة، ونُطالب بالبحث عن مصادر دخل أخرى غير موجودة من الأساس".
وتابعت: "لا أعلم كيف سيكون مصيري أنا وأطفالي الثلاثة بعد إزالة الفرش، هذه هي مصدر دخلي الوحيد بعد أن تركني زوجي، ولا يوجد لدينا أي معاش أو عمل بديل، حاولنا التحدث إلى مجلس المدينة والمحافظة، لكن دون جدوى، كيف يُبنى سوق لا يسع سوى ربع عدد الباعة، ويُطلب من الباقين ترك لقمة عيشهم؟".
وأوضح عبدالرحمن محمود، 48 عامًا، بائع خضروات، أنه يعمل بالسوق منذ سبعة أعوام، وهو مصدر رزقه الوحيد لإعالة أبنائه الأربعة.
وقال إنه تقدم للقرعة بكافة المستندات المطلوبة، من بطاقة رقم قومي، وإثبات محل إقامة، وبحث اجتماعي يوضح ظروفه المعيشية، إلا أن اسمه لم يرد ضمن المقبولين.
وأضاف لسنا ضد فكرة التنظيم أو التطوير، بل نرحب بها، لكن ما يحدث حاليًا يُعد تنظيمًا على حساب الفئات الأضعف، خاصة مع إزالة الباعة من الشوارع دون توفير بدائل حقيقية، في ظل ارتفاع إيجارات المحال التجارية التي تتجاوز 4 آلاف جنيه شهريًا، وهو مبلغ يفوق دخلنا بالكامل.
وقالت أم محمد عبد العال، 55 عامًا، بائعة فاكهة، إنها تعاني من أمراض مزمنة، بينها ارتفاع ضغط الدم وداء السكري، وتعتمد على الفرشة كمصدر دخل وحيد للإنفاق على علاجها وابنتها المطلقة.
وأضافت: "تقدمت للقرعة ومعي بحث اجتماعي معتمد، ومع ذلك لم أحصل على باكية، يقال إن السوق حضاري، لكن التحضر الحقيقي لا يكون بإقصاء فئة لصالح أخرى، إذا كان السوق لا يستوعب الجميع، فلا بد من وضع آلية عادلة تضمن حقوقنا".
رد مجلس مدينة طلخا
وفي مواجهة مع إسلام النجار، رئيس مجلس مدينة طلخا، أكد أن جميع الإجراءات التي تمت لتخصيص الباكيات داخل السوق الجديد جرت بمنتهى الشفافية والحياد، دون أي تمييز أو تفضيل لأي شخص أو جهة، سواء على أساس محل الإقامة أو أي اعتبارات أخرى.
وأوضح النجار لـ"قلم المنصورة" أن القرعة أُجريت بصورة علنية وبحضور الجهات المعنية، ووفق ضوابط محددة سلفًا تم الإعلان عنها قبل إجرائها، ولم يتم استبعاد أي متقدم مستوفٍ للشروط، كما لم يُمنح أي متقدم أفضلية على حساب غيره.
وأضاف أن ما يُثار حول فوز أشخاص من خارج مدينة طلخا لا يعني وجود تحيز، حيث أن التقديم كان متاحًا لكل من تنطبق عليه الشروط القانونية، دون اشتراط محل الإقامة، التزامًا بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون.
وشدد النجار على أن مجلس المدينة لا يتدخل بأي صورة في نتائج القرعة، التي تُدار بنظام عشوائي كامل، ولا تخضع لأي اعتبارات شخصية أو اجتماعية، مؤكدًا أن أي حديث عن مجاملات أو وساطة لا أساس له من الصحة.
وقال: نؤكد احترامنا الكامل لجميع الباعة، وندرك حجم التحديات التي يواجهونها، إلا أن دور المجلس هو تطبيق القانون وتحقيق الصالح العام، مع الالتزام التام بالعدالة والشفافية، ورفض أي مزاعم تمس نزاهة الإجراءات دون أدلة.