ملاذ غير معلوم.. واقع مأساوي في مركز إيواء المعنفات

تصوير: تصميم/ محمد صلاح

كتب/ت سلمي الهواري
2025-06-17 12:02:10

لم تتخيل أميرة.ن، 35 عامًا، يومًا أن أبواب النجاة من العنف الزوجي قد تكون على بُعد مكالمة هاتفية منها. لثلاثة أعوام ماضية، ظلت حبيسة صمتٍ ثقيل وجسدٍ أنهكه الضرب، تتحمل العنف اليومي من زوجها أمام أعين أطفالها، دون أن تجد طريقًا للهروب. 

الطلاق لم يكن خيارًا لكونها عاملة باليومية، والمجتمع يردد في أذنها بلا رحمة: "تحملي.. كل البيوت فيها مشاكل". لكن كل شيء تغيّر ذات ليلة حين استفاقت في طوارئ أحد المستشفيات بعد نوبة عنف أكثر قسوة من سابقاتها على يد الزوج، لتهمس لها الطبيبة بجملة لم تنسها: "فيه مركز يستضيف الستات اللي زيك في المنصورة". 

لم تصدق أميرة ما سمعته، فهي لا تعرف ماذا يعني مركز استضافة المرأة المعنفة؟، ولم تكن تعلم أن المركز قريب منها في المنصورة، تقول: "كنت مرعوبة.. عمري ما سمعت إن في حاجة اسمها مركز استضافة".

مشروع مجهول

هل يوجد مكان آمن للنساء المعنّفات؟، سؤال تردد في ذهن أميرة، وربما في أذهان آلاف النساء اللواتي يعشن العنف يوميًا دون أن يجدن مفرًا، لأن كثيرات مثلهن لا يعلمن بوجود مراكز استضافة تابعة لوزارة التضامن، صُمّمت خصيصًا لحمايتهن، لكن غياب التوعية وندرة الحملات الإعلامية جعل من هذه المراكز سرًا لا يعرفه من هنّ في أمسّ الحاجة إليه، مما أدى إلى تحملهن العنف في صمت.

تتعرض 8 مليون امرأة في مصر للعنف سنويًا وفق الإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء خلال العام 2023، ويُظهر المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2022 أن واحدة من كل ثلاث سيدات سبق لهن الزواج، في الفئة العمرية بين 15 و49 عامًا، قد تعرضت للعنف على يد الزوج.

ولا يقتصر العنف على الشكل الجسدي فحسب، إذ تشير البيانات إلى أن 25% من النساء داخل الأسرة يعانين من العنف الجسدي، و22% يتعرضن للعنف النفسي، بينما تواجه 6% من النساء عنفًا جنسيًا، ما يعكس عمق الأزمة وحجم المعاناة التي قد تبقى حبيسة الجدران المغلقة.

انطلق مشروع مراكز استضافة النساء المعنّفات عام 2015، كإحدى مبادرات وزارة التضامن الاجتماعي لتوفير مأوى آمن وداعم للنساء اللواتي يتعرضن للعنف داخل الأسرة، ويتيح المشروع للمرأة الحصول على استضافة مؤقتة لمدة تصل إلى 6 أشهر، قابلة للتمديد بقرار من اللجنة المركزية التابعة لقطاع الشؤون الاجتماعية في الوزارة.

ورغم مرور سنوات على إطلاق المبادرة، إلا أن كثيرًا من النساء في مصر لا يعرفن بوجود هذه المراكز، لذا تؤكد انتصار السعيد، المحامية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أن دور مراكز الاستضافة في استقبال النساء الناجيات من العنف يمثل إحدى أهم وسائل الحماية التي توفرها الدولة أو منظمات المجتمع المدني، لمواجهة العنف الأسري والمجتمعي، إلا أن هذه المراكز، لا تزال مجهولة لدى شريحة واسعة من النساء، خاصة في المحافظات، ما يحول دون استفادتهن منها.

يتماشى ذلك مع ما ورد في تقرير صادر عن مؤسسة "نظرة" للدراسات النسوية (غير حكومية) والذي أشار إلى أنه رغم إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد النساء في مايو 2015، وكان مشروع مراكز الاستضافة أحد محاوره، إلا أنه لا توجد آلية واضحة لمراقبة وتقييم تنفيذ هذه الاستراتيجية، مما ساهم في ضعف التوعية بوجود هذه المراكز.

غياب الترويج الإعلامي

وتعليقًا على الدور الإعلامي لوزارة التضامن الاجتماعي في نشر الوعي حول دور الإيواء، تقول الدكتورة بثينة أشرف، أستاذة الإعلام بجامعة المنصورة وخبيرة في حملات التوعية المجتمعية: "التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفير هذه الخدمات، بل في الوصول إلى النساء المستهدفات بها، خاصة في المناطق الريفية والمهمشة".

وتوضح لـ"قلم المنصورة": "ما زال هناك فجوة كبيرة بين وجود الخدمة على أرض الواقع ووعي النساء بوجودها وكيفية الاستفادة منها، وهو ما يتطلب وضع استراتيجية إعلامية مختلفة، تكون أكثر شمولًا وتأثيرًا، وتستخدم وسائل متعددة للوصول إلى الفئات المستهدفة بفعالية".

تقول أميرة: "لم أكن أعلم كيف ستؤول حياتي بعد تلك اللحظة، لكن بعد تفكير طويل تغلّبت على خوفي واتصلت بالمركز، وعندما ذهبت، شعرتُ للمرة الأولى أنني لست وحدي، وأن هناك من يقف بجانبي ويساعدني على استعادة حياتي ليتني علمت وجوده من بدري".

أمضت أميرة نحو خمسة أشهر في "دار المواساة" (مركز استضافة المعنفات في المنصورة) حتى حصلت على حكم قضائي بالطلاق وتمكنت من الحصول على شقة الزوجية، تصف تجربتها قائلة: "تلقيت دعمًا كاملًا، نفسيًا ومعنويًا، طوال فترة إقامتي، رغم أن الدار صغيرة ولا تتسع لعدد كبير، إلا أن كل سيدة لا تغادرها إلا بعد إيجاد حل حقيقي لوضعها أو توفير مكان آمن آخر لها".

في مصر، لا يزال غياب قانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة يمثل فجوة تشريعية كبيرة، إذ تقتصر القوانين الحالية على معالجة بعض أشكال العنف مثل الاغتصاب والختان، بينما لا يوجد نص قانوني صريح يجرّم العنف المنزلي.

منذ عام 2022، تسعى الحكومة المصرية بالتعاون مع مجلس النواب إلى إقرار قانون شامل لمكافحة العنف ضد المرأة، إلا أن المحاولات المتكررة لتقديم مشروع القانون، من قبل النائبتين نادية هنري ونشوى الديب، لم تُكلَّل بالنجاح، لأنه لم يُعرض المشروع حتى الآن على جلسة عامة للبرلمان، بحسب ورقة بحثية صادرة عن "مؤسسة المرأة الجديدة" في أبريل الماضي.

وتشير دراسة صادرة عن الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان عام 2019، إلى أن العنف ضد المرأة داخل الحياة الخاصة لا يزال أمرًا مقبولًا على نطاق واسع في المجتمع المصري، في ظل غياب جهود حقيقية من جانب الحكومة لمكافحة العنف الأسري، والأسوأ من ذلك، أن بعض مواد القانون، مثل المادة 17، تُستخدم أحيانًا لتخفيف العقوبات على مرتكبي هذا النوع من العنف، بما يساهم في التقليل من خطورته، بل يُسهم في تبريره.

صمت الناجيات

توضح ابتسام السيد، مديرة مركز استضافة النساء المعنفات بالمنصورة، أن الالتحاق به يخضع لشروط محددة، منها أن تكون السيدة قد تعرضت للعنف، وأن تكون مصرية أو متزوجة من مصري، بالإضافة إلى ضرورة استيفاء شروط اللياقة البدنية والعقلية، كما يجب عليها سداد الرسوم المقررة -قرابة 1500 جنيه- من قبل لجنة الإشراف بعد إجراء البحث الاجتماعي.

وفيما يتعلق بإجراءات القبول، تشرح ابتسام: "المتقدمات يقدمن طلبات الانضمام للمركز مع المستندات المطلوبة، مثل بطاقة الرقم القومي وصحيفة الحالة الجنائية، كما يجب على كل سيدة أن تمر بلجنة محلية وتلتزم بنظام المركز الداخلي، ومع ذلك، هناك مرونة مع الحالات في حال عدم القدرة على توفير بعض الأوراق فورًا".

تكشف دراسة صدرت عن منظمة الأمم المتحدة للمرأة في 2020 عن واقع أصعب، وهو أن 60% من النساء اللواتي يتعرضن للعنف في مصر لم يطلبن أي نوع من المساعدة، في وقت تتعرض فيه 47.6% من النساء لأحد أشكال العنف الجسدي أو النفسي أو الجنسي خلال مراحل حياتهن.

لذا تشدد الدكتورة بثينة أشرف، أستاذة الإعلام على أهمية الحملات الإعلامية: "حتى الآن، لا توجد حملات إعلامية مستمرة ومتنوعة تشرح بشكل واضح ودقيق دور الإيواء وأهميته في حماية النساء. من المهم أن نقدم هذه المعلومات بلغة بسيطة وسهلة، عبر قنوات متعددة، سواء الإعلام التقليدي مثل التلفزيون والإذاعة، أو الإعلام الرقمي، بالإضافة إلى المساجد والكنائس والمدارس، لتصل إلى أكبر عدد ممكن من النساء".

يتقاطع هذا الواقع مع ما رصدته "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، والتي أشارت إلى أن 7% فقط من النساء المعنفات قدّمن شكاوى رسمية، بينما فضلت معظمهن الصمت تجنبًا للعواقب الاجتماعية أو القانونية، أو لعدم معرفتهن بالطريقة الصحيحة.

من بين هؤلاء النساء فاطمة.م، 40 عامًا، ربة منزل التي ظنت في البداية أن هذه المراكز مخصصة فقط للمشردات: "عشتُ مع زوج لا يعرف سوى العنف والصراخ، كنت أسمع أحيانًا عن أماكن تساعد النساء، لكنني كنت أعتقد أنها مأوى فقط لمن ليس لديهن أهل أو من يعيشون في الشوارع ولم أشاهد أي إعلان يوضح ماهية تلك المراكز".

عاشت 15 عامًا تتعرض للعنف الزوجي في صمت ولا تعلم أين تذهب: "لم أكن أعلم أن هناك مراكز تقدم الدعم النفسي، والاستشارات القانونية، وفرص التدريب على العمل لمساعدة النساء في بدء حياة جديدة".

اكتشفت فاطمة ذلك بمحض الصدفة في أثناء مشاهدة مسلسل، بعد أن بلغ فقدان الأمل ذروته، رغم ذلك، قررت البحث عن أقرب مركز وذهبت إليه، وهو مركز "دار المواساة" في المنصورة هناك حصلت على الدعم الذي كانت تحتاجه وتعيش فيه وتعمل برفقة نساء أخريات رغم قلة إمكانيات المركز.

واقع مأساوي

وهنا تشير ابتسام، مديرة المركز إلى الصعوبات اليومية التي تواجهها: "المركز يعاني من نقص حاد في الموارد والإمكانات، ما يشكل عائقًا أمام أداء رسالتنا في استضافة المزيد من النساء، هناك نقص في المستلزمات الأساسية مثل الطعام والأدوية، وضعف في البنية التحتية التي بحاجة إلى صيانة عاجلة، فضلًا عن غياب الكوادر المتخصصة في الدعم النفسي والاجتماعي".

وتضيف: "في بعض الحالات، نضطر للاستعانة بخبراء من خارج المركز، مما يضيف تكاليف إضافية، قد تتحملها الضحية أو نتحملها نحن".

بينما توضح سميحة الشرقاوي، الأخصائية النفسية في المركز: "عندما تأتي إلينا سيدة جديدة، نحاول تقديم الدعم النفسي والمعنوي قدر المستطاع، حيث تعاني معظم السيدات من حالات طوارئ، مثل العنف الجسدي أو الطرد من المنزل".

يؤيدها الدكتور خالد شحاتة، طبيب نفسي متخصص في دعم الناجيات من العنف، بضرورة أن يشمل التأهيل جلسات علاج فردية وجماعية، إلى جانب تأهيل اجتماعي يعزز قدرتها على الاندماج من جديد، مشيرًا إلى أن غالبية المعنفات يفتقرن إلى الاستقلال الاقتصادي والمهارات الحياتية الأساسية، ما يجعل تعافيهن أكثر تعقيدًا.

يؤكد على أن النساء الفارات من العنف الأسري لا يهربن من أذى جسدي فقط، بل يحملن ندوبًا نفسية عميقة كالاكتئاب والقلق وفقدان الثقة، مشددًا على أن إعادة تأهيلهن تبدأ بمنحهن الشعور بالقيمة والقدرة على اتخاذ القرار، في بيئة داعمة تضمن لهن بداية جديدة تمتد لما بعد مغادرتهن دار الإيواء.

يتسق ذلك مع حكاية سها.ب، 32 عامًا، التي تعيش في قرية بدين بالمنصورة ومحرومة من التوعية بحقوق النساء وأماكن مراكز الاستضافة: "الفكرة بالنسبة لي غريبة رغم إنني أتعرض للعنف الزوجي دومًا وتغيرت حياتي حين رأيت المركز للمرة الأولى".

كانت وقتها سها تجلس بجانب زوجها في سيارة الأجرة بعد أن أخذها من منزل أهلها بالقوة، بعد أن ضربها ضربًا مبرحًا تسبب في كسر يدها اليسرى قبل أيام: "عندما كنتُ في طريقي إلى منزلي، مررتُ بمبنى قديم بدا مهدمًا، لكن كان هناك لافتة مكتوب عليها أنه دار استضافة للسيدات، عدت إلى منزلي وبدأت في البحث عن معنى هذه اللافتة".

وأضافت: "علمت أنها دار استضافة للنساء اللاتي يتعرضن للعنف، لذا عُدت مرة أخرى للاستفسار عن التفاصيل، وجلست مع المحامية في الدار، فأخبرتني أن بإمكاني رفع دعوى طلاق وإرفاق ما يثبت تعرضي للعنف المنزلي، وأن المركز سيدعمني في ذلك، وبالفعل، رفعت الدعوى انتهت بالطلاق عام 2022، مع الحصول على كامل نفقتي الشخصية، ثم وفرت لي الدار فرصة عمل كمشرفة على أحد الأدوار، وكان لذلك أثر كبير في مساعدتي على بدء حياة جديدة".

دعم مفقود

ترى انتصار السعيد، أن إتاحة المعرفة بوجود دعم نفسي وقانوني ومكان آمن يُشجع النساء على كسر حاجز الصمت وطلب المساعدة، وهو ما تعتبره خطوة جوهرية للخروج من دائرة العنف.

وتؤكد على ضرورة الترويج لمراكز الاستضافة في المحافظات، إذ لا يجوز أن تقتصر الاستفادة من خدمات الدعم على النساء في العاصمة أو المدن الكبرى، بينما تُحرم النساء في المناطق الريفية والمهمشة من الحماية والتمكين.

يوضح الدكتور خالد شحاتة، الاستشاري النفسي، أن هذا الشعور يعمق من أزمة المعنفات؛ لأن الإقامة في دار الإيواء تُوفّر للناجية من العنف مساحة مؤقتة لالتقاط أنفاسها، لكنها تظل خطوة أولى فقط ما لم تترافق مع دعم نفسي منظم، فما بالك إذا لم يكن لديها علم بوجود مثل تلك المراكز.

كان هذا الشعور بالتهميش يضاعف حزن أميرة: "حسيت كأن المعنفة ملهاش مكان، ولا حد شايفها أو مهتم بيها. كل يوم كان بيمر عليا وأنا مش لاقية مكان أروح له أو حد أتكلم معاه، وكنت بشعر إني وحيدة وسط عالم مليء بالناس، وكأن معاناتي مش مهمة لحد".

هذا الشعور تلاشى حين انضمت إلى مركز المعنفات، تقول ابتسام السيد، مديرة المركز: "الدار حاليًا تقدم الإيواء المؤقت فقط، نأمل أن يُعطى هذا الموضوع أهمية كبيرة، وأن يُوفر الدعم المادي والبشري لتتمكن الدار من أداء دورها الكامل في حماية وتمكين النساء المعنفات".

لذا تقترح انتصار السعيد، المحامية النسوية عدة وسائل للترويج: "يمكننا العمل على حملات إعلامية عبر الراديو والتلفزيون المحلي، بالإضافة إلى التعاون مع الوحدات المحلية والمجالس القروية لنشر هذه المعلومات، والمؤسسات الدينية والسوشيال ميديا والجمعيات الأهلية حتى نصل إلى كل معنفة".

أما الدكتورة بثينة، أستاذ الإعلام ترى: "نحن بحاجة إلى نقل صورة واقعية ومحفزة عن هذه الدور، تُظهر أنها ليست فقط أماكن للإيواء، بل مساحات للنجاة وإعادة بناء الذات، والتفاعل المباشر مع المجتمع من خلال ورش عمل وندوات محلية يمكن أن يُحدث فارقًا كبيرًا في تغيير نظرة المجتمع لدور الإيواء وللنساء اللاتي يلجأن إليه".

حاولنا التواصل مع الدكتور مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، عبر الهاتف ورسائل "الواتساب"، لمعرفة  جهود الوزارة في الترويج لمراكز استضافة المعنفات في مصر إلا أننا لم نتلق ردًا حتى نشر التقرير.

تبرز حكايات أميرة وفاطمة وسها حجم المعاناة والصمت الذي يحيط بالعديد من النساء المعنفات اللواتي لا يعرفن مراكز الاستضافة التي توفر لهن الأمان والدعم، ورغم خروجهن من دائرة العنف، فإن الطريق إلى التعافي ما زال طويلًا، وربما أطول للاتي لا يعرفن تلك المراكز.

 

جميع اسماء النساء المذكورة مستعارة بناء على رغبتهن وحفاظًا على حياتهن الاجتماعية

تصوير: سلمى الهواري - دار إيواء المعنفات في المنصورة