عمال مصنع كوم أمبو.. وعود التثبيت تبخرت والفصل ثمن الاحتجاج

صورة أرشيفية لعمال مصنع سكر كوم أمبو

كتب/ت أمنية حسن
2026-03-05 20:00:00

قبل ثلاث سنوات، التحق محمد حسين، 31 عامًا، بالعمل في مصنع سكر كوم أمبو، بوحدة إنتاج مصنع الخشب الحبيبي، بصفة عامل حافظة ضمن فئة العمالة الموسمية بعقد غير محدد المدة -لدى إدارة المصنع فقط-.

اقتصر عقده على التأمين الصحي، بينما خلا من مزايا مثل الإجازات السنوية والتأمين الاجتماعي وإثبات المهنة في بطاقة الرقم القومي، على أمل تثبيته لاحقًا تنفيذًا لوعود تلقاها هو وزملاؤه من إدارة المصنع.

عمال مصنع كوم أمبو
صورة لعمال مصنع كوم أمبو

وعود غير محققة

لكن تلك الوعود لم تتحقق، إذ صدر قرار بفصله بدعوى مشاركته في وقفات احتجاجية نظمها عمال مصنع سكر كوم أمبو في سبتمبر 2025 للمطالبة بحقوقهم، بالتزامن مع احتجاجات شهدتها مصانع تابعة لـشركة السكر التكاملية، التي انتهت في يناير الماضي بوعود من وزير التموين الدكتور شريف فاروق بمنح بعض المزايا للعاملين.

لم يكن حسين وحده في قرار الفصل، أحمد محمد، 30 عامًا، يعمل منذ عامين بوظيفة عامل حافظة في مصنع كوم إمبو، فوجئ هو الآخر بإدراج اسمه ضمن قائمة معلقة داخل المصنع تضم 30 عاملًا غير مثبتين صدر بحقهم قرار فصل في سبتمبر الماضي، من إجمالي 81 عامل حافظة يعملون بالمصنع.

عمال مصنع سكر كوم أمبو
مصنع سكر كوم أمبو

وبحسب روايتهما، أبلغتهم الإدارة أن عودتهم مرهونة بإعادة تشغيل المصنع مع موسم حصاد السكر 2025/2026، إلا أنهم لم يتلقوا أي إخطار بالعودة، رغم تقديمهم طلب -حصلنا على نسخة منه-.

-بدأ موسم تشغيل مصانع قصب السكر بأسوان في مصنعي كوم أمبو وإدفو منتصف يناير الماضي ومن المقرر أن يستمر لمدة 5 أشهر.

يعاني عمال الحافظة من استمرار العمل بعقود مؤقتة رغم وعود متكررة بمنحهم عقودًا ثابتة، في ظل رواتب لا تصل إلى الحد الأدنى للأجور، وغياب المعاشات والمزايا الاجتماعية، وزاد الأمر تعقيدًا فصل من يشارك في وقفات احتجاجية اعتراضًا على تلك الأوضاع، ما يتركهم في وضع مهني هش بلا حماية قانونية حقيقية.

يُعرّف قانون العمل الجديد العمل الموسمي بأنه ذلك العمل الذي يُؤدى في مواسم دورية متعارف عليها بطبيعتها، بينما عمال الحافظة هم عمال بأجر يومي عبر عقود غير محددة المدد وهم إحدى فئات العمالة الموسمية.

هشاشة العقود الموسمية

تُظهر البيانات أن العمالة الموسمية شكّلت نحو 1.48% من إجمالي القوى العاملة في مصر خلال عام 2024، إذ بلغ عدد العاملين الموسميين 4 آلاف و432 عاملًا من إجمالي 299 ألفًا و278 عاملًا، وذلك وفقًا لما ورد في النشرة السنوية لبحث القوى العاملة الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

عمال مصنع سكر كوم أمبو
تصميم| أمنية حسن

 

تعود جذور الأزمة إلى عام 2019، حين وُعد نحو 400 من عمال الحافظة العاملين بالأجر اليومي داخل مصنعي السكر والخشب الحبيبي بكوم أمبو بالحصول على عقود عمل رسمية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. 

وعلى مدار السنوات الماضية، استمرت إدارة المصنع في خصم التأمين الصحي من رواتبهم، ثم زادت الأعباء مع خصم 500 جنيه شهريًا لصالح منظومة التأمين الصحي الشامل منذ يوليو 2025، ما قلّص دخولهم إلى حد لم يعد يكفي لتغطية احتياجات أسرهم الأساسية.

يوضح أحمد سامي، المحامي المتخصص في القضايا العمالية لـ"عين الأسواني"، أن موقف العمالة الموسمية -مثل عمال الحافظة بمصنع كوم أمبو- يختلف بحسب ملابسات الاحتجاج.

فإذا شارك العامل -وفقًا له- في احتجاج دون اتباع الإجراءات القانونية المنصوص عليها، كالإخطار المسبق، يكون قرار فصله صحيحًا من الناحية القانونية. أما إذا تمكن العامل من إثبات عدم مشاركته يحق له المطالبة بتعويض عن الفصل، يُقدَّر بأجر شهرين عن كل سنة خدمة.

ويؤكد في الوقت نفسه، أن قانون العمل، سواء القديم أو الجديد، لا يوفر حماية كافية للعامل في بعض الحالات: "القانون يمنح العامل مكافأة عند انتهاء خدمته، لكن ذلك مشروط بإكمال خمس سنوات في الوظيفة، وهو ما يضعف موقف العمالة الموسمية التي غالبًا لا تستقر لفترات طويلة في العمل بسبب عقودها المؤقتة".

- أُنشئ مصنع الخشب الحبيبي عام 1960، ويتبع مصنع سكر كوم أمبو، ويعمل بالمصنعين نحو 1925 عاملًا في نشاطي السكر والخشب الحبيبي.

- فيما يُنتج مصنع سكر كوم أمبو نحو ربع الإنتاج المحلي من السكر على مستوى الجمهورية بإجمالي 200 ألف طن سنويًا، كما يقوم بعصير نحو 2 مليون طن من قصب السكر على مدار العام.

تقر المادة 102 من قانون العمل الجديد على أن يُحدد الحد الأدنى للأجور بما يراعي تكاليف المعيشة واحتياجات العمال وأسرهم والذي يصل إلى 7 آلاف جنيه شهريًا، غير أن ما يتقاضاه محمد وأحمد، والبالغ نحو 4600 جنيه يخالف تلك المادة.

ضعف الحماية القانونية

ويقول محمد، أعزب ويخطط لتكوين أسرة مستقبلًا: "الدخل لا يكفي احتياجات أسرتي المكونة من أربعة أفراد والديّ وأشقائي لأكثر من عشرة أيام"، مضيفًا أن حصوله على عقد عمل ثابت سيمنحه أمانًا وظيفيًا، إذ أنه خلال فترات توقف المصنع يضطر للبحث عن عمل مؤقت، كسائق مثلًا، إلا أن هذه الأعمال لا توفر له أي ضمانات اجتماعية، فضلًا عن انخفاض أجرها.

عمال مصنع سكر كوم أمبو
مطالب عمال مصنع سكر كوم أمبو

يتفق ذلك مع دراسة تشخيصية حول الاقتصاد غير المنظم في مصر، صادرة عن منظمة العمل الدولية في فبراير 2025 والتي أشارت إلى أن موسمية العمل تعد أحد الأسباب الرئيسية لعدم تنظيم الوظائف، إذ أنها لا تُسجل رسميًا.

وتنقد الدراسة قانون التأمينات الاجتماعية المصرية رقم 148 لسنة 2019 لكونه لا يغطي فئات العمالة الموسمية للاستفادة من أنظمته.

يؤكد ذلك وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن اضطرار العامل الموسمي للبحث عن عمل بديل خلال فترات توقف النشاط أو الفصل يزيد من هشاشته الاقتصادية والاجتماعية، مبينًا أن عمال الموسمية من بينهم الحافظة يواجهون صعوبة في توزيع دخلهم المحدود على مدار العام.

- تنص المادتان 12 و13 من الدستور المصري على أن العمل حق وواجب وشرف يضمنه الدولة لجميع المواطنين، مع تكفل الأجر العادل والحماية من مخاطر العمل، سواء كان العمل دائمًا أو موسميًا.

الإدارة: "هذا ثمن الاحتجاج"

تواصلت "عين الأسواني" مع المستشار محمد سليم، النائب البرلماني السابق عن دائرة كوم أمبو في أسوان وعضو المحكمة العربية لفض المنازعات بين الدول العربية، حيث لجأ إليه العمال المفصولون للتوسط مع إدارة المصنع لإعادتهم للعمل.

عمال مصنع سكر كوم أمبو
عمال مصنع سكر كوم أمبو

وأوضح أن الوضع الحالي للعمال هو الفصل، نتيجة وقفات احتجاجية اعتبرتها الإدارة غير مقبولة، موضحًا أن هناك مساعي لإقناع الإدارة بإعادتهم للعمل، إلا أن الإدارة رفضت حتى الآن.

بينما خضر سعيد، رئيس نقابة العاملين بشركة السكر والصناعات التكاملية، اكتفى بالتأكيد على أن الاحتجاجات التي قام بها العمال للمطالبة بحقوقهم تسببت في خسائر للمصنع، مؤكدًا لـ"عين الأسواني" أن الإدارة تدرس ملفاتهم حاليًا.

بينما يشير المحامي العمالي أحمد سامي إلى أن الحل المتاح للعمال الذين يواجهون انقطاعًا بين المواسم هو رفع دعوى لإثبات علاقة العمل، باستخدام شهادات الشهود والتأمين عليهم كأدلة.

يقول "محمد"، أحد عمال الحافظة المفصولين: "فصل عامل ثابت صعب بسبب حقوقه القوية وعقوده، أما كعمال موسميين غير مثبتين، فالأمر أسهل بالنسبة للإدارة، ولا نعرف متى ستنتهي الأزمة".

ومع استمرار موسم العمل داخل المصنع، يظل محمد وحسين في انتظار فرصة للعودة إلى زملائهم قبل نهاية موسم التشغيل، عالقين بين سنوات من الجهد والالتزام وخطوة إدارية أنهت كل ذلك بورقة واحدة.

جميع الأسماء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهم وحفاظًا على هويتهم.