في محافظة أسوان الحدودية، التي تستقبل أعدادًا من الوافدين إلى جانب سكانها الأصليين، تتحول الرعاية الصحية من خدمة أساسية إلى ضرورة يومية، خاصة في ظل تحديات لا تقتصر على نقص الإمكانيات، بل تمتد إلى صعوبة الوصول واتساع رقعة المناطق الأكثر احتياجًا.
وسط هذا الواقع، برزت مؤسسة "مصر بلا مرض" منذ انطلاقها عام 2019 كأحد الفاعلين في سد فجوات الرعاية الصحية، بعدما سجلت حضورها ميدانيًا من خلال قوافل طبية تجوب القرى، وعيادات تقدم خدمات تخصصية، إلى جانب مبادرات إنسانية تستهدف دعم غير القادرين.
في هذا الحوار، تفتح مريم ألفي خلف، مديرة فرع المؤسسة بأسوان، كواليس العمل الميداني، وتستعرض أرقامًا تعكس حجم التدخلات، وتروي ملامح من قصص إنسانية تكشف أثر الخدمة حين تصل في الوقت المناسب.
- متى تأسست المؤسسة، وما طبيعة الدور الذي تؤديه على الأرض؟
عام 2019، وهي مقيدة رسميًا بوزارة التضامن الاجتماعي تحت رقم 983 لسنة 2017. ومنذ انطلاقها، تركز على سد فجوات الرعاية الصحية في المناطق الأكثر احتياجًا، عبر 280 فردًا من الأطباء والمتطوعين، يعملون بشكل تكاملي لتنفيذ القوافل والمبادرات.
- ما الرسالة التي تنطلق منها المؤسسة في عملها؟
تنطلق المؤسسة من إيمان بأن الرعاية الصحية حق أساسي للجميع، لا يرتبط بالقدرة المادية. لذلك، تسعى إلى تقديم خدمات طبية بجودة مناسبة، بحيث يحصل الجميع على العلاج والدعم دون تمييز.
- ما أبرز الخدمات الصحية والمبادرات العلاجية التي تقدمونها؟
نعمل عبر حزمة متكاملة من التدخلات الصحية. في مقدمتها مبادرة "اطمن افرح"، التي تنظم قوافل طبية تجوب قرى أسوان بشكل دوري، إلى جانب عيادات متنقلة تضم تخصصات الرمد والباطنة والنساء والأسنان، وتغطي نطاقًا واسعًا من المناطق المحرومة من الخدمة.
تقدم القوافل خدمات الكشف والعلاج المبدئي مجانًا داخل القرى الأكثر بعدًا، بينما توفر العيادات التخصصية متابعة طبية أكثر تفصيلًا بأسعار رمزية.
وبالتوازي مع ذلك، أطلقنا مبادرات نوعية تستهدف احتياجات محددة، من بينها "أسمع افرح" التي نعمل من خلالها على توفير السماعات الطبية للأطفال ضعاف السمع منذ عام 2019.
كذلك مبادرة "اتحرك افرح"، التي نوفر من خلالها كراسي متحركة مجهزة. وقد شهدت المرحلة الأولى، التي نُفذت في يوليو 2024، توزيع 35 كرسيًا متحركًا، فيما يجري حاليًا الإعداد للمرحلة الثانية لتوزيع ما لا يقل عن 50 كرسيًا خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
- كم يبلغ عدد المستفيدين من القوافل الطبية سنويًا؟ وما حجم التحويلات إلى المستشفيات؟
خلال عام 2025، بلغ عدد المستفيدين من خدمات القوافل الطبية نحو 4000 شخص، جميعهم من أبناء محافظة أسوان، فيما يتراوح متوسط عدد القوافل التي تنظمها المؤسسة سنويًا بين 12 و15 قافلة، وفقًا لاحتياجات المناطق المستهدفة.
تشير التقديرات إلى تحويل ما بين 5 إلى 10 حالات من كل قافلة إلى المستشفيات، وهو ما يضع العدد السنوي التقريبي بين 100 و150 حالة.
- كيف تتعاملون مع الحالات الحرجة؟
عند رصد حالات تتطلب تدخلًا متخصصًا، نقوم بتحويلها إلى جهات طبية متقدمة مثل معهد الأورام، مع متابعة الإجراءات لضمان حصول المريض على الخدمة اللازمة. وفي بعض الحالات، نتدخل لدعم ترتيبات السفر.
- ما أبرز المبادرات التوعوية التي تعملون عليها؟
مبادرة "وعي وحياة" في يوليو 2025، والتي تستهدف بالأساس الوافدين، خاصة السودانيين، لتعريفهم بالأمراض المستوطنة وطرق الوقاية منها، مثل الالتهاب الرئوي والملاريا، مع تبسيط المعلومات الطبية بما يتناسب مع طبيعة المجتمعات المستهدفة.
- هل تقتصر خدماتكم على الجانب الطبي فقط؟
لا، نتعامل مع الصحة باعتبارها منظومة متكاملة، لذلك نوفر خدمات دعم نفسي واجتماعي إلى جانب الرعاية الطبية. لدينا عيادة متخصصة في الصحة النفسية يشرف عليها طبيب متخصص.
- ما حجم المستفيدين من خدماتكم؟
يبلغ إجمالي عدد المستفيدين من الخدمات الطبية نحو 4000 مستفيد خلال عام 2025، ويشمل هذا الرقم أبناء محافظة أسوان والوافدين على حد سواء، وبالنسبة لمبادرات التوعية استفاد -على سبيل المثال- نحو 830 شخصًا من مبادرة "وعي وحياة" الموجهة للسودانيين خلال العام نفسه.
- كيف تدعمون الوافدين واللاجئين صحيًا؟
نحرص على أن يحصل الوافدون على نفس مستوى الخدمة المقدمة للمصريين، بدءًا من الكشف المجاني عبر القوافل الطبية، مرورًا بتوفير خدمات العيادات بأسعار رمزية، وصولًا إلى إدماجهم في برامج التوعية الصحية.
- ما أبرز التحديات التي تواجه عملكم؟
يظل الجانب الإداري أحد أبرز التحديات، خاصة مع تعدد الموافقات الإدارية المطلوبة لتنظيم القوافل الطبية، وهو ما يستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين. إلى جانب ذلك، يمثل التمويل تحديًا مستمرًا، نظرًا لاعتماد أنشطة المؤسسة بشكل أساسي على التبرعات، ما يفرض ضغوطًا على استمرارية بعض البرامج والتوسع فيها.
- ما أبرز الحالات الإنسانية التي ما زالت حاضرة في ذاكرتكم؟
شهدت تدخلات المؤسسة عددًا من الحالات الإنسانية التي تعكس الأثر المباشر للخدمة. من بينها حالة عروس من إدفو كانت مهددة بفشل ارتباطها بسبب ضعف السمع، قبل أن تتدخل المؤسسة بتوفير سماعة طبية ساهمت في استقرار حياتها.
كما دعمت المؤسسة أحد العاملين الذي تعرض لانفصال في الشبكية، ما أفقده القدرة على العمل وإعالة أسرته، حيث جرى تحويله إلى القاهرة لإجراء جراحة بلغت تكلفتها 40 ألف جنيه، لم يتحمل منها سوى 5 آلاف جنيه فقط.
وفي حالة أخرى، ساعدت المؤسسة طفلًا يعاني من اضطراب ذهني وشلل حركي، كانت والدته تضطر لحمله يوميًا لقضاء احتياجاته، حيث وفرت له كرسيًا متحركًا خفف العبء عنها بشكل كبير، وساهم في تحسين جودة حياته.
- ما خططكم للتوسع خلال الفترة المقبلة؟
تركز المؤسسة خلال المرحلة المقبلة على التوسع في برامج التوعية، خاصة الموجهة للأطفال والشباب، انطلاقًا من أهمية الوقاية كخط أساس لتحسين الصحة العامة. كما تسعى إلى توسيع نطاق المبادرات الحالية للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين في مختلف مناطق أسوان، وتتطلع المؤسسة على المدى الأبعد إلى إنشاء مستشفى تابع لها داخل المحافظة.