من الشمس والطين.. عن تاريخ "قُسطل" الذي لا تعرفه الأجيال (فيديو)

Photographer: فاطمة محمد - بيت بقرية قُسطل النوبية على الحدود المصرية السودانية

Written By فاطمة محمد
2025-12-02 17:11:19

بين النخيل والمياه، نسجت قرية قسطل التي تتربع على الحدود المصرية السودانية جنوب أسوان، تاريخها وحكايتها الخاصة، عاش أهلها منذ القدم على حدود النيل الذي لم يكن لهم مجرد مجرى مائي، بل روحًا، يزرعون ضفافه، ويصطادون من خيراته، ويتبادلون التجارة مع القرى السودانية القريبة قبل تهجيرهم العام 1964.

ومع بناء السد العالي في نفس العام اضطر الأهالي إلى الرحيل نحو أرض جديدة في مركز نصر النوبة شرق أسوان، انتقلت البيوت من الطمي الذي يحمل رائحة النيل إلى جدران صلبة من طوب الصحراء، وتبدلت الملامح الطبيعية التي اعتادوا عليها، ومع ذلك، لم يسمح أهل قسطل أن تُمحى عادتهم رغم المشكلات التي تضمها القرية.

قسطل.. الشمس والطين

تلفحك شمس قسطل منذ اللحظة الأولى التي تخطو فيها إلى أرضها، كأنها تُذكّرك بأنها ولدت من الصحراء بعد أن كانت على ضفاف النيل، يعني اسمها "غبار الحرب"، احتضنت قديمًا قبائل نوبية متفرقة، أما اليوم تماهت الانتماءات، لتصبح القرية الجديدة مزيجًا بين البساطة والحنين إلى الماضي، بيوتها تتناثر بين الأسمنتية والطينية، وبعضها يقف على حافة الانهيار، نتيجة القدم وتغيرات المناخ.

داخل المنازل، يبتكر الأهالي حلولًا تتناغم مع طبيعة المكان؛ حواجز خشبية تفصل بين الحجرات و"الحوش" لتسمح بمرور الهواء وتخفف من وهج الشمس، بينما تتدلى المراجيح في الظل لتمنح الأطفال فسحة من اللعب والبهجة وسط هدوء القرية.

محمد عبد الرحيم، عمدة قسطل البالغ من العمر 77 عامًا، يستعيد تفاصيل رحلة القرية القديمة بذاكرة لا تزال حية رغم مرور السنين: "قبل التهجير كانت قريتنا على الحدود بين مصر والسودان، كنت وقتها في السادسة عشرة من عمري، وأسرتي تعمل في الزراعة والصيد والتجارة مثل باقي أسر قسطل".

قرية قسطل النوبية

يتذكر: "قديمًا كان النخيل يزين كل زاوية من القرية والأسر متصلة ببعضها والأفراح خمسة عشر ليلة، يقام في الحوش، وهو فناء البيت الواسع الذي كان يملأ ربع فدان على الأقل، ويجمع الناس في المناسبات، اليوم، تغيرت طقوس الأفراح والمناسبات، ولم تعد كما كانت".

تغير كل شيء عندما رحل أهالي قسطل من الجنوب إلى الشرق ولكنهم حرصوا على منح موطنهم الجديد نفس الاسم، حفاظًا على الجذور والتراث، لكن الحياة اختلفت، لأن الصحراء فرضت نفسها، والشمس أصبحت قاسية والظل نادر، بعض كبار السن لم يحتملوا الظروف الجديدة وماتوا دون أن يخبروا الأجيال القادمة عن قسطل.

تستعيد عطيات جابر، وهي في الخامسة والسبعين من عمرها، مشهد الرحيل من قريتها القديمة قسطل، قائلة: "خرجت من قسطل وأنا في الثانية عشرة من عمري، كنا نعيش تحت ظلال النخيل، نرعى الغنم، ونصنع الخبز على الدوكة، وكانت أبرز أكلاتنا طبق الأتر -ملوخية خضراء- إلى جانب البامية الناشفة أو الخضراء".

قرية قسطل النوبية

نفس العام الذي رحل فيه عبد الرحيم وعطيات عن القرية، ولدت فيه سامية جمال، 61 عامًا، إحدى نساء قسطل القدامى، تسترجع معهم جذور ذاكرتها مع لحظة ولادتها التي تزامنت مع رحيل أهل قسطل عن قريتهم القديمة: "نشأت على حكايات القرية القديمة التي لم أرها، لكني عشتها من خلال كلمات أمي وجدتي، كنا نسمع عن النخيل الممتد حتى ضفاف النيل، وعن البيوت التي كانت تُبنى بالطين وتظل واقفة رغم الأمطار".

قرية قسطل النوبية

يقارن عبد الرحيم بين الماضي والحاضر: "في قسطل القديمة، كنا نبني بيوتنا من طمي النيل والصمغ العربي بطريقة الجالوص، تشبه غية الحمام وتقاوم الأمطار، أما هنا، التربة لا تساعد على ذلك، وما يُبنى من طين ينهار مع المطر".

عادات وتقاليد

يتردد صدى الأذان من ثلاثة مساجد صغيرة، ترى الرجال يتجهون إليها بخطى متأنية، يصطفون في مشهد يفيض بروح جماعية، أما النساء فما زلن يحافظن على زينتهن الأصيلة، يرتدين "الجرجار" الأسود المطرز بالزهور الملونة، في حين يصر الشيوخ على الجلباب والعمامة كعلامة وقار، بينما يميل الشباب إلى مظهر أكثر حداثة، يجمع بين القميص والبنطال.

يقول عبد الرحيم: "كانت لنا أكلات مميزة، مثل مشروب الأبرية والبلح باللبن، في الإفطار، يجلس الجميع في المضيفة، ويشعر الناس بروح الألفة والتآخي"، موضحًا أن استقبال الضيف جزء من هوية أهل قسطل، تمامًا كما هو إيمانهم العميق بقيمة التعليم، وتقديم الأكلات الشعبية له.

تتحدث عطيات عن تلك الأكلات: "من عاداتنا القديمة أن نستقبل الضيف بالأبرية والتمر كضيافة بسيطة تعبّر عن كرمنا، ويجلس في المضايف المخصصة له يتشارك الطعام الذي تعده النساء حيث كانت المضايف بمثابة القلب النابض للقرية".

قرية قسطل النوبية

يصنع أهل قسطل الخبز بأيديهم وفق سامية: "نصنعه على الدوكة، وهي قطعة حديدية مستديرة كانت تحتل مكانها في كل بيت، كان خبزنا التقليدي يسمى السلابة، رقيقًا يخرج ساخنًا تفوح منه رائحة السنابل، ونقدمه للضيوف هو والكعكة السميكة المعروفة بالكابت، التي تُقسم إلى أربعة أرباع، ونقدمها مع الملوخية أو البامية، ويكتمل بها طعم المائدة النوبية البسيطة".

يتمسك الثلاثة باللغة النوبية القديمة رغم مهارتهم في العامية لكنهم لا يريدون التخلي عن هويتهم وعادتهم، يؤكد عبد الرحيم: "اللغة النوبية كانت الأصل في قسطل القديمة، ومن تعلم العامية تعلمها لعمله خارج القرية، اليوم أصبحت العامية هي السائدة، لكننا نحاول تعليم أطفالنا النوبية حتى لا تضيع، رغم صعوبة الاستمرار بها".

مشكلات القرية

رغم حنين سامية وعطيات وعبد الرحيم لـ"قسطل" القديمة لا تخلو المدينة حاليًا من المتاعب عدد البيوت في قسطل الآن لا يتجاوز ثلاثمائة منزل، كثير منها أُنهِكَ بفعل الزمن منذ التهجير الأول، ورغم أن مشروعًا لإحلال المنازل المتهالكة بدأ قبل عامين، فإن ما أُنجز منه لم يتجاوز ثلاثة منازل فقط من أصل 36 مستهدفة، تاركًا عشرات الأسر تحت سقوف مهددة بالسقوط.

كما أن القرية لا تضم سوى مدرسة ابتدائية وأخرى إعدادية، ليجد أبناؤها أنفسهم مضطرين يوميًا لقطع رحلة نصف ساعة إلى توشكى أو نصر النوبة من أجل إكمال تعليمهم الثانوي، رحلة شاقة لكنها تمثل الجسر الوحيد لأحلامهم في مستقبل أفضل.

اليوم، ما زالت مشكلة الصرف الصحي قائمة؛ الناس يعتمدون على البيارات، وفق عبد الرحيم، وتفرغ عبر معدات أو عربات، كذلك البيوت تحتوي على آبار داخلية وخارجية.

قرية قسطل النوبية

أكثر ما يزعج سامية في القرية هو ضعف المياه: "لا تصل إلى البيوت، نحملها على الرؤوس من المشربية ونخزنها في جرار الفخار، ومع مرور الوقت بدأت الحكومة توصل المياه للبيوت، خفّت المعاناة قليلًا، لكنها مستمرة، الكهرباء أيضًا نعتمد على موتور صغير يعمل من المغرب حتى منتصف الليل لتشغيل الإنارة في البيوت والشوارع، وبعدها نعود لعتمة المصابيح القديمة".

في قسطل، يظل صوت عبد الرحيم حاضرًا وهو يستعيد تفاصيل الرحيل، بينما تبقى عطيات بذاكرتها البسيطة شاهدة على حياة مضت بين البيوت الطينية والمشاوير اليومية، وتجلس سامية على عتبة بيتها تسترجع ما عاشته منذ ولادتها في زمن التهجير حتى اليوم، وجوه ثلاثة تحمل بين ملامحها تاريخ القرية، وتكشف كيف يختلط جمال المكان بواقع لا يخلو من المتاعب لتبقى قسطل حكاية ممتدة بين الأمس واليوم.