لم تعد العلاقة بين المعلم والطالب داخل بعض الفصول المدرسية قائمة على الاحترام المتبادل وحده، إذ تشير شهادات طلاب ومعلمين لـ"أهل سوهاج" إلى تصاعد مظاهر التطاول والسخرية داخل الفصول، في ظل ضغوط نفسية واقتصادية واجتماعية تؤثر في العلاقة بين الطرفين.
وفي الوقت الذي تحظر فيه وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني أشكال العقاب البدني والنفسي داخل المدارس، تثير هذه الوقائع تساؤلات حول أسباب تصاعد الصدام بين المعلم والطالب، وانعكاساته على البيئة التعليمية، وسبل استعادة الاحترام المتبادل داخل الفصل.
يروي محمد هاني، الطالب بالصف الثالث الإعدادي، أن الشتائم والعقاب الجماعي يتسببان في ظلم الطلاب الملتزمين، ويجعلانهم ينفرون من الحصص الدراسية. ويستشهد بواقعة تعرض فيها أحد زملائه للضرب بعصا تحتوي على مسامير، ما تسبب في إصابته بجروح استلزمت غرزًا طبية، معتبرًا أن بعض المدرسين لا يزالون يعتمدون أساليب تقليدية في التعامل مع الطلاب.
ويتفق معه أحمد محمود، الطالب بالصف الثاني الإعدادي، الذي يرى أن تطبيق قاعدة "الحسنة تخص والسيئة تعم" يولد شعورًا بعدم التقدير لدى الطلاب الملتزمين. ويشير إلى واقعة ضربت فيها معلمة الفصل بأكمله باستخدام "رجل تخته"، بسبب الضجيج الصادر عن بعض الطلاب، موضحًا أن المعلم قد يدخل الفصل وهو منهك نفسيًا نتيجة كثافة الفصول والضغوط المادية.
الاحترام المتبادل.. الحلقة المفقودة
تنتقد دعاء يوسف، الطالبة بالصف الثاني الإعدادي، تطاول بعض الطلاب على المعلمين، مرجعة ذلك إلى رغبة بعضهم في الظهور بمظهر القوة والشجاعة أمام زملائهم، وكسب إعجابهم.
وفي المقابل، ترى أن لجوء بعض المعلمين إلى الإهانة، والتهديد بالرسوب، وإحباط الطلاب بوصفهم "جيلًا فاشلًا"، قد يؤدي إلى تصاعد العنف داخل الفصول. فالطالب الذي يشعر بالظلم أو يتعرض للإهانة أمام زملائه قد يلجأ إلى التمرد، خاصة عندما يفقد إحساسه بالتقدير.
وتلخص دعاء رؤيتها للحل في عبارة: "احترمني وهحترمك"، معتبرة أن تعامل المعلم مع الطلاب باحترام وتقدير، مع الحفاظ على دوره التربوي، يسهم في بناء علاقة أكثر توازنًا داخل الفصل.
الدفاع عن هيبة المعلم
من منظور نفسي، تحلل جيهان النمرسي، أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر، الأزمة باعتبار العنف المتبادل "عرضًا لمرض أعمق". وترى أن المعلم قد يعاني من الاحتراق النفسي نتيجة الضغوط المتراكمة، ما يجعله في حالة دفاع مستمر عن هيبته، بينما قد يلجأ الطالب المراهق إلى التطاول لإثبات ذاته أو التغطية على تعثره الدراسي.
ويتقاطع هذا التحليل مع شهادة إيمان خلف، الطالبة بالصف الأول الثانوي، التي ترجع تطاول بعض الطلاب إلى رغبتهم في التمرد والظهور بمظهر لافت أو بطولي أمام أصدقائهم. وتربط ذلك بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي قد تجعل الرد الوقح، في نظر بعض الطلاب، تصرفًا مثيرًا للضحك أو دليلًا على الجرأة.
وفي المقابل، تؤكد إيمان أن لجوء بعض المدرسين إلى التوبيخ والسخرية أمام زملاء الطالب قد يثير العناد ويزيد حدة المواجهة داخل الفصل.
الضغوط الاقتصادية
يوضح شريف سمير، الخبير الاقتصادي، في حديثه إلى "أهل سوهاج"، أن العنف داخل الفصول قد يكون انعكاسًا لضغوط مادية متراكمة أسهمت في تحويل التعليم، بحسب وصفه، من رسالة تربوية إلى "سلعة جافة". فالمعلم المثقل بالأعباء المعيشية قد يدخل الفصل منهكًا، بينما ينظر بعض الطلاب إلى المدرسة باعتبارها "فسحة وقعدة صحاب"، في ظل اعتمادهم على السناتر والدروس الخصوصية للحصول على ما يحتاجونه من تعليم.
ويرى سمير أن هذا الواقع أسهم في تراجع مكانة المعلم، وتحول الفصل لدى بعض أطراف العملية التعليمية إلى مساحة لتفريغ الإحباط.
ويتفق معه ناصر عمران، معلم اللغة العربية، مشيرًا إلى أن ضغوط المعيشة دفعت المعلمين إلى الاعتماد على الدروس الخصوصية، وهو ما انعكس، بحسب تقديره، على تعامل بعضهم مع المدرسة. ويضيف أن الأزمة تتفاقم عندما يدافع بعض أولياء الأمور عن أبنائهم دون الاعتراف بأخطائهم، أو يتدخلون بالوساطة بدلًا من إتاحة الفرصة للمدرسة للتعامل مع المخالفات وفق قواعد واضحة، الأمر الذي قد يعزز لدى بعض الطلاب الشعور بالحرية المفرطة والإفلات من العقاب.
وتكشف هذه الشهادات أن الصدام داخل الفصول الدراسية لا يقتصر على خلافات فردية بين المعلم والطالب، بل يتداخل مع ضغوط اقتصادية ونفسية واجتماعية، وأساليب التربية، وطبيعة العلاقة بين الأسرة والمدرسة، وهو ما يجعل التعامل مع الأزمة بحاجة إلى رؤية شاملة تعالج أسبابها، وتضمن بيئة تعليمية آمنة تقوم على الاحترام المتبادل، وتحفظ للمعلم مكانته، وللطالب كرامته وحقه في التعلم.