مواهب بلا مساحة.. شباب السنبلاوين يواجه غياب البيئة الثقافية

تصوير: سلمى الهواري - قصر ثقافة السنبلاوين

كتب/ت سلمي الهواري
2026-10-11 12:06:28

"لم تكن المشكلة في أنني فقدت شغفي بالغناء، وإنما لم أجد البيئة التي تساعدني على الاستمرار".. هكذا يصف محمد ناصر، 28 عامًا، خريج كلية الآداب بجامعة المنصورة، تجربته في البحث عن مساحة ثقافية وفنية داخل السنبلاوين، بعدما بدأ مشواره في الغناء منذ نحو 10 سنوات، وخلال سنوات الجامعة شارك في عدد من العروض الفنية.

بعد التخرج، حاول ناصر استكمال مشواره الفني من داخل مدينته، فاتجه إلى بيت ثقافة السنبلاوين، لكنه فوجئ بعدم توافر البيئة الفنية التي تساعده على تطوير موهبته، خاصةً في مجال الغناء: "بيت الثقافة يفتقد إلى الكثير من عوامل التطوير؛ منها عدم وجود مكان مخصص للغناء، وعدم تأهل بعض المدربين بالشكل الكافي لتدريب المواهب".

مساحة محدودة

تواجه الأنشطة الثقافية والفنية داخل بيت ثقافة السنبلاوين عددًا من التحديات التي تحد من قدرته على استيعاب المواهب وأبناء المدينة، بدءًا من ضيق المساحة وعدم توافر أماكن مناسبة للبروفات والعروض، مرورًا بتأخر الدعم المالي ومحدودية المدربين المتخصصين، وصولًا إلى ضعف المشاركة في الفعاليات والمسابقات الثقافية، ما دفع بعض المواهب إلى العزوف عن الاستمرار في المجال الفني أو البحث عن منفذ خارج السنبلاوين بما يحمّلهم أعباء إضافية من تكاليف الانتقال والتدريب.

وتقع مدينة السنبلاوين جنوب محافظة الدقهلية، وتتخذها الوحدة المحلية لمركز ومدينة السنبلاوين عاصمة لها، ويضم المركز مدينة واحدة و67 قرية، وبلغ عدد سكان مركز السنبلاوين 615 ألفًا و140 نسمة في يوليو 2024، وفق تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

ولم يتوقف ناصر عند هذه المحاولة، إذ اتجه إلى قصر ثقافة المنصورة: "كان التدريب يتطلب وجودي في المنصورة بصورة شبه يومية، ما كان يعني ساعات طويلة من الانتقال والتدريب، فضلًا عن التكلفة المالية التي كانت تتجاوز أحيانًا 200 أو 300 جنيه يوميًا للذهاب والعودة"، لذا قرر الابتعاد عن المشاركة في الأنشطة الفنية، والاكتفاء بالغناء في الحلقات والمناسبات.

وبحسب جولة ميدانية أجرتها محررة "قلم المنصورة" داخل بيت ثقافة السنبلاوين، رصدت تهالك المبنى وصغر مساحته، إذ يضم مسرحًا صغيرًا إلى جانب عدد من الغرف المخصصة للأنشطة، من بينها مكتبة الطفل، بما يجعل المساحات المتاحة لممارسة الأنشطة الثقافية والفنية محدودة مقارنة باحتياجات الفرق والمواهب.

كما رصدت الجولة خلو المكان من رواده بصورة لافتة، إذ بدا بيت الثقافة شبه خالٍ تمامًا حتى خلال ساعة الذروة، دون وجود أطفال أو شباب يمارسون أنشطة ثقافية أو فنية، كما لم ترصد الجولة وجود مدربين أو مشرفين على أنشطة فنية داخل المكان وقت الزيارة.

يؤكد ذلك طارق المصري، فنان في فرقة السنبلاوين المسرحية: "ضيق مساحة بيت ثقافة السنبلاوين يمثل أحد أبرز العوائق أمام استمرار النشاط المسرحي، إذ لا يجد أعضاء الفرقة مساحة مناسبة للتدريب داخله ما يدفعهم إلى البحث عن أماكن بديلة على نفقتهم الشخصية".

ويوضح: "نضطر أحيانًا إلى إجراء البروفات في مقهى أو أي مكان مفتوح، لعدم وجود مساحة مخصصة ومناسبة للتدريب كما أن المكان نفسه لا يوفر مساحة كافية لإقامة العروض بالشكل الملائم".

غياب المواهب

نفس المصير تعرضت له نيرة مصطفى، ممثلة شابة من السنبلاوين، إذ تلجأ إلى مساحات بديلة خارج المدينة بسبب محدودية الأنشطة داخل بيت ثقافة السنبلاوين. قررت قبل نحو عام الانتقال إلى المنصورة والانضمام إلى فرقة المنصورة الغنائية، بعدما لم تجد البيئة التي تساعدها على الاستمرار والتطور داخل بيت الثقافة.

وتستند نيرة في قرارها إلى تجربتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، والتي تقول إنها جعلتها تشعر بتراجع النشاط الثقافي داخل المكان، خاصة بعد رحيل عدد من المدربين الذين اعتادت عليهم وانتقال بعضهم إلى القاهرة: "شعرت أن المكان فقد جزءًا كبيرًا من روحه، وأن النشاط الثقافي لم يعد يُدار بالشكل الذي تحتاج إليه المواهب الشابة للاستمرار".

ويقول محمد صلاح، 16 عامًا، يقطن في السنبلاوين، وأحد المترددين على بيت الثقافة، إن محدودية الإمكانات وحالة المكان جعلتا دوره في الحركة الثقافية والفنية أقل مما يفترض أن يكون، مشيرًا إلى غياب المشاركة المنتظمة في المسابقات والفعاليات خارج المدينة، وعدم وجود أنشطة مستمرة تمنح المواهب فرصة للتدريب وتطوير مهاراتها.

ويضيف: "وجود بعض الندوات والفعاليات لا يعني أن المكان يؤدي دوره الثقافي كاملًا، فنحن بحاجة إلى أنشطة منتظمة ومساحات للتدريب وفرص للمشاركة خارج المدينة، حتى لا يظل النشاط متقطعًا ومحدود التأثير".

بينما حاولت نيرة مواصلة تدريبها من خلال مدربين آخرين، لكنها تقول إنها لم تجد المستوى الذي كانت تبحث عنه من الخبرة والتخصص، وهو ما انعكس على تجربتها الفنية، فضلًا عن أن عملية الانتقال تكلفها جهدًا ومالًا لا تعرف إن كانت ستمكنها من الاستمرار في تنمية موهبتها أم لا.

ولا تتوقف الصعوبات عند حدود المكان، بحسب المصري، إذ تمثل الميزانية المخصصة للعروض تحديًا آخر للفرقة، خاصة مع تأخر وصول المخصصات المالية وارتفاع تكلفة بعض متطلبات العروض.

بينما يؤكد زكي ثروت، المخرج المسرحي بقصر ثقافة المنصورة أن تأخر الميزانيات أو عدم انتظامها يؤثر في قدرة الفرق على الإعداد للعروض وتنفيذ عناصرها المختلفة في الوقت المناسب، كما أن غياب المشاركة المنتظمة في المسابقات والمهرجانات يحرم المواهب من الاحتكاك بفرق أخرى واكتساب خبرات جديدة.

البحث عن بيئة فنية

يتضح أثر ذلك في عدم قدرة بيت ثقافة السنبلاوين على خلق بيئة حقيقية لاكتشاف المواهب وتطويرها وربطها بالمشهد الفني الأوسع، وهو ما يوضحه زكي.

يشير إلى أن وجود مؤسسة ثقافية في المدينة لا يكفي بمفرده، ما لم تتوافر لها الإمكانات التي تساعدها على احتضان المواهب وتطويرها، بداية من أماكن مناسبة للتدريب والعروض، مرورًا بالمدربين المتخصصين والبرامج المنتظمة، وصولًا إلى إتاحة فرص المشاركة في المسابقات والمهرجانات.

يقول: "المسرح على وجه الخصوص يحتاج إلى مساحة تسمح بالعمل الجماعي وإجراء البروفات بصورة منتظمة، التدريب المسرحي لا يقتصر على الوقوف أمام الجمهور، وإنما يشمل الحركة والأداء والصوت والإضاءة والديكور والعمل بين أفراد الفريق، وهو ما يصعب تحقيقه في مكان ضيق لا يوفر مساحة مخصصة للبروفات".

ويؤيد ذلك طارق المصري، فنان فرقة السنبلاوين، مشيرًا إلى أن أثر محدودية الإمكانات، امتد إلى أنشطة أخرى داخل بيت الثقافة، من بينها الرسم والغناء، في ظل غياب مدربين متخصصين يمكنهم تطوير المواهب.

بينما يرد أحمد مصطفى، 38 عامًا، أحد مدربي الكورال والفقرات الغنائية ببيت ثقافة السنبلاوين، أن المشكلة الأساسية التي تواجه المدربين لا ترتبط فقط بعدد الأنشطة المقدمة، وإنما بغياب الإمكانات اللازمة لتنفيذ التدريبات بصورة منتظمة. 

ويوضح أن ضيق المساحة يجعل تخصيص أماكن ثابتة للتدريب أمرًا صعبًا، خاصةً في الأنشطة التي تتطلب حركة وتدريبًا جماعيًا، مثل المسرح والغناء، ما يضطر المدربين أحيانًا إلى تغيير أماكن التدريب أو تقليص مدته وفقًا للمساحة المتاحة.

ويشير إلى أن المدرب لا يستطيع بمفرده تعويض نقص الإمكانات: "المشكلة الأساسية تكمن في سوء إدارة البيت الثقافي، وعدم النظر إلى المشاركات الثقافية بشكل جاد".

ولا تبدو أزمة المساحة والتطوير جديدة على بيت ثقافة السنبلاوين؛ ففي فبراير 2023، ناقشت لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب طلب إحاطة بشأن عدم الإسراع في تطوير البيت الثقافي.

وخلال المناقشة، أوضح ممثل الهيئة العامة لقصور الثقافة أن المبنى أنشأه صندوق التنمية الثقافية، وتديره الهيئة بنظام حق الانتفاع من مجلس المدينة لمدة 30 عامًا، وتبلغ مساحة الأرض نحو ألف متر مربع، بينما لا يتجاوز المبنى القائم نحو 200 متر مربع.

وطُرحت خلال المناقشة مطالب برفع كفاءة بيت الثقافة والاستفادة من المساحة المتاحة، إلا أن ممثل الهيئة أوضح أن مساحة المبنى الحالية لا تسمح بإجراء تطوير أو تعديل في هيكله، لتُطرح بدائل أخرى، من بينها إنشاء قصر ثقافة جديد على قطعة أرض أخرى، أو استغلال مبنى مجلس المدينة.

وبينما ظلت مقترحات التطوير مطروحة، استمرت الفجوة بين المساحة المتاحة والاحتياجات الفعلية للمواهب، لذا يرى ثروت أن استمرار هذه الفجوة لا يدفع المواهب فقط إلى البحث عن فرص في مدن أكبر، وإنما يضعف أيضًا حضور بيت ثقافة السنبلاوين داخل المشهد الثقافي والفني في المدينة.

الثقافة ترد

وإزاء ذلك، تجري الهيئة العامة لقصور الثقافة حاليًا حصرًا شاملًا لاحتياجات ومشكلات المواقع والبيوت الثقافية التابعة لها بالمحافظة، تمهيدًا لتحديد أولويات التعامل معها وفقًا للإمكانات المتاحة، وفقًا للدكتور عاطف خاطر، مدير عام فرع ثقافة الدقهلية.

وأشار خاطر لـ"قلم المنصورة" إلى أن أعمال التطوير خلال الفترة الماضية ركزت بصورة أساسية على قصر ثقافة المنصورة ومسرح أم كلثوم، بالتزامن مع استضافة القصر فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته التاسعة عشرة خلال يوليو الماضي، وهو ما تطلب الانتهاء من أعمال التطوير والتجهيزات اللازمة لاستقبال فعاليات المهرجان.

ويؤكد أن بيت ثقافة السنبلاوين يدخل ضمن المواقع التي يشملها الحصر والمتابعة: "يتم حاليًا حصر المشكلات والاحتياجات الخاصة بالمواقع الثقافية في المحافظة، على أن تبدأ الجهات المعنية في التعامل مع الملفات التي يكشف عنها الحصر وفقًا للأولويات والإمكانات المتاحة، بما يشمل احتياجات بيت ثقافة السنبلاوين من تطوير وتجهيزات وأنشطة".

وفيما يؤكد مصطفى، مدرب الكورال، أن المشكلة لا تتمثل في غياب المواهب داخل السنبلاوين، وإنما في غياب منظومة تساعدها على الاستمرار والتطور، تجد نيرة وصلاح وغيرهما أنفسهم أمام فرص محدودة لممارسة شغفهم داخل مدينتهم.