في كوافير شعبي بسيط، تضع النساء الألوان الزاهية على أظافرهن بلا التزام بقواعد الموضة أو خوف من أحكام الآخرين. تبدو الألوان كزهور الربيع، المهيمنة على روح فيلم "دخل الربيع يضحك"، تلك الزهور التي تُجسّد الشجاعة الداخلية التي تبثّها الحكايات الأربع التي يرويها الفيلم.
وبينما يفيض الفيلم بخفّته، كان يتردد في ذهني بيت صلاح جاهين الشهير: "وإيش تعمل الأزهار للميتين"، من رباعيته التي استُمد منها اسم العمل.
الفيلم، من تأليف وإخراج نهى عادل، يجمع بطلات: "سالي عبده، مختار يونس، رحاب عنان، ريم العقاد، كارول عقاد، ومنى النموري".
عُرض لأول مرة في الدورة الـ55 لمهرجان القاهرة السينمائي عام 2024، وحصدت مخرجته جائزة صلاح أبو سيف لأفضل مخرجة، كما شارك الفيلم في مسابقة دولية بالمهرجان، لكنه يُعرض لأول مرة للجمهور خلال نوفمبر الجاري في سينما "زاوية".
يصوغ الفيلم عالمه كأنّه مجموعة قصصية تُقلب صفحاتها فصلًا بعد آخر، حيث تتجاور الحكايات داخل إطار بصري وروحي واحد وهو فصل الربيع.
تمتد رمزية الزهور في جميع المشاهد، بينما تنتقل المشاعر بين الغضب، الحزن، الغيرة بخفة لا تُثقل صدر المشاهد، بل تتركه في نهاية كل قصة محاطًا بشعور من الرضا والتصالح مع مشاعره، حتى في أكثر صورها تعقيدًا.
يقدّم الفيلم معالجة حوارية غير تقليدية؛ الأصوات تتداخل، الجمل تتقاطع، وبعضها لا يكتمل، لكن هذه الفوضى المدروسة صنعت مساحة تعبيرية واسعة للنساء داخل الفيلم، إذ يتحدثن بغضب، يرفُضن، يعبرن بلا خوف، كما أن الحوار الأكثر تعقيدًا أخرج شخصيات أكثر صدقًا وانفتاحًا.
ورغم الجاذبية الفنية لهذا الشكل من الحوار، وصفه بعض المشاهدين بـ"المزعج"، ما يفتح نقاشًا مهمًا لدى صنّاع الأفلام حول: "إلى أي مدى يمكن التضحية براحة المتلقي لصالح تجربة فنية مختلفة؟ وما حدود الإزعاج الممكن قبوله كجزء من البناء الدرامي؟" ورغم الجدل، تبقى المغامرة في حد ذاتها خطوة شجاعة تُحسب لصُنّاع الفيلم.
قوة العمل الحقيقية تكمن في بناء الحبكات الأربع، إذ أن الشخصيات تدفع الأحداث بقوة، حتى تصل كل قصة إلى ذروة مشحونة بالتوتر، ما حافظ على يقظة المشاهد رغم طبيعة الفيلم غير التقليدية.
اختارت المؤلفة حبكات محكمة وإيقاعًا سريعًا، منع الإحساس بالتكرار أو الملل، بينما دعمت الأغاني المرتبطة بالربيع والحب هذا الإيقاع بلمسة وجدانية.
تجري أحداث الفيلم داخل أماكن قريبة من عالم النساء الحقيقي: "كوافير، بلكونة في المعادي، مطعم صغير، وغرفة تجهيز عروس"، وهي اختيارات صادقة للبيئة، لكنها لم تكن مريحة بصريًا دائمًا.
وضيق الأماكن قلّل من تنوّع الكادرات، كما أن الاهتزاز المقصود للكاميرا طوال الفيلم زاد من صعوبة التجربة البصرية، رغم أنه يخدم الحالة العامة للفيلم.
يُختتم الفيلم بإهداء: "إلى وردة وشادية وسعاد حسني"، وهو إهداء يلخص جوهر العمل؛ عبر فيلم يغوص بشجاعة في عالم النساء الحقيقي، لا في العالم الوردي المزيّف الذي تُصوَّر به تجمعاتهن، ويكسر قواعد الصناعة دعمًا لحوار أكثر حرية، ولعالم تملؤه الروح، والسجائر، والروج، والشَعر الكيرلي.