فيلم "ضيّ".. دراما الغناء والخوف

تصميم| محمد صلاح

Written By مريم أشرف
2025-10-23 11:36:57

"علموني عينيكي أسافر.. علموني أفضل مهاجر"، ليست مجرد كلمات يرددها محمد منير في أغنيته الشهيرة، بل تتحول إلى بوصلة ترافقنا منذ اللحظة الأولى لفيلم "ضيّ". 

الأغنية هنا بصوت البطل الصغير، تفتح باب الرحلة التي تبدأ من حصة موسيقى في مدرسة إعدادية بأسوان، حيث يُكتشف صوته للمرة الأولى، ثم تنطلق بنا نحو الحلم الكبير في القاهرة، من ضفاف النيل الجنوبي وحتى كورنيش المعادي.

الفيلم من تأليف هيثم دبور وإخراج كريم الشناوي، بطولة بدر محمد في دور "ضيّ"، المراهق الذي لا يتجاوز الثالثة عشرة، والذي تتحول موهبته إلى محور السرد، تشاركه الرحلة والدته "زينب" (إسلام مبارك)، وأخته "ليل" (حنين سعيد)، فيما تقودهم المدرسة "صابرين" (أسيل عمران)، رمز التمرد والحلم، التي تُشعل شرارة الانطلاق منذ البداية.

داخل الحكاية يتجلى خط آخر أكثر عمقًا، إذ يعرض الفيلم علاقة النوبيين بالمصابين بالمهق، وهو اضطراب وراثي نادر يمنع الجسم من إنتاج الميلانين، يعيش ضيّ بهذا الاضطراب محاطًا بنظرات الخوف والتمييز، لكنه يجد انتماءه في الغناء وفي ارتباطه بالقمر الذي غرسَتْه فيه أمه، إذ لم تكف عن مناداته "ضيّ القمر"، لتجعله يرى في الليل حضنًا، وفي الشمس خوفًا يطارده.

ورغم أن الفيلم ليس عملًا غنائيًا، فإن شريط الصوت بدا بطلًا آخر، إذ تحوّل صوت ضيّ إلى المنقذ، يعيد تشكيل المشاهد ويذوب داخل الحبكة بسلاسة، فلا ابتزاز عاطفي هنا ولا بكاء مُفتعل، بل بناء درامي قوي تدعمه الأغاني، ويعززه حضور موسيقى هاني شنودة وذكريات منير في الثمانينات. 

كل ذلك يفتح خطًا خاصًا بشخصية منير، الذي ظهر في مشهد شرفي قصير لكنه مؤثر، دون إقحام أو افتعال، بل كامتداد طبيعي لمسار الحكاية.

في المقابل، تمثل "زينب" الأم وجهًا آخر من صراع الفيلم، فهي الحماية المفرطة والخوف المستمر، التي جعلت الشمس رمزًا لتهديد ابنها، ومع ذلك، يكشف السرد تحوّل شخصيتها ببطء، إذ تجد نفسها مضطرة لمواجهة كل ما تخشاه في طريقها إلى القاهرة، حتى تتحرر من خوفها تدريجيًا، وتترك لابنها المساحة ليواجه العالم بالغناء، وهي لحظة انكسارها أمام قوة صوته، وبكاؤها فخرًا به، تبقى من أجمل لحظات الفيلم.

"ضيّ" ليس مجرد فيلم عن التمييز ضد المصابين بالمهق، بل عن الأمل نفسه، عن التمسك بالحلم رغم ثقل الخوف، وتدور الأحداث في 48 ساعة مشحونة بالضحك والدموع، يتأرجح فيها المتفرج بين الطرافة والوجع، ليخرج بعدها محمّلًا بحالة ممتدة، تعيش لساعات بعد انتهاء العرض. 

بين صوت يلامس الأذن، وصور تنقلنا من الجنوب الملون بالنيل والجلباب الأبيض، إلى شوارع العاصمة، يصبح الفيلم دعوة للاستماع مجددًا لألبوم شبابيك، وبالأخص "علموني عينيكي"، التي تختصر علاقة "زينب" و"ضيّ" في جملة واحدة: "ده إنتِ نبع الحب صافي".