في غياب الملاعب.. حكايات من دفتر بطولات لاعبي دار السلام

Photographer: مريم أشرف - بطولات لاعبي دار السلام

Written By مريم أشرف
2025-12-07 12:26:24

في صخبٍ لا ينقطع داخل استاد القاهرة الدولي، يعلو صوت سوما تيسير، 39 عامًا، وهي تنادي باسم ابنتها: "تاليا.. تاليا"، بينما تخوض الصغيرة منافسات بطولة كأس مصر للجمباز على مستوى الجمهورية، في سبتمبر الماضي، فئة تحت 10 سنوات. 

تصل هتافات الأم إلى ابنتها التي تتحرك بخفّة وثقة فوق أرض الملعب، ممثّلة محافظة القاهرة وسط منافسة لاعبات من أندية كبرى مثل الأهلي والزمالك. 

وبعد انتهاء العرض، عادت الصغيرة وهي تحمل ميدالية ذهبية جديدة تُضاف إلى سجلها، بعدما حصدت المركز الأول في البطولة للمرة الثالثة، مواصلة سلسلة تتويجاتها التي بدأت بحصد الذهبية في كأس مصر للجمباز عامي 2023 و2024.

بطولات لاعبي دار السلام

أبطال دار السلام يتحدون قلة الموارد 

هذا التتويج لم يكن مجرد لحظة نجاح، بل هو محطة ضمن رحلة بدأت قبل خمس سنوات، حين لاحظت سوما -التي تقطن في حي دار السلام- أن ابنتها تعبّر عن نفسها بالتمرين والحركة، اختارت تاليا رياضة الجمباز الإيقاعي "إيروبك"، ومن وقتها لم تتوقف رحلة الأم والابنة. 

كانت سوما تقطع الطريق من دار السلام إلى حي المعصرة ثلاث مرات أسبوعيًا، صيفًا في حرارة خانقة وشتاءً وسط أمطار تعطل المواصلات، فقط لأن الحي الذي تعيش فيه لا يوفّر مكانًا حكوميًا واحدًا لتدريب الجمباز، استمرّت على هذا الحال لعامين من أجل المشاركة في تلك البطولة.

تقول سوما إنها واجهت في البداية رفض والد تاليا لاستمرارها في الرياضة، بسبب المسافة التي تقطعها لأجل التمرين، لكنه تغيّر تمامًا بعد أن حضر تلك البطولة في استاد القاهرة، ورأى بنفسه ثقتها وسعادتها، منذ تلك اللحظة أصبحت الأسرة كلها داعمة لها.

رغم أن حي دار السلام يُعد من أكثر الأحياء افتقارًا لفرص ممارسة الرياضة، إذ لا يضم سوى مركز شباب واحد لا يشمل كل الألعاب على رأسها الجمباز ولا يوفّر مساحات كافية للتدريب، إلا إنه يزخر بأبطال وبطلات في ألعاب مختلفة، من الجمباز إلى الكاراتيه وألعاب القوى.

بطولات لاعبي دار السلام

نوران محمد.. رحلة التحدي

تُعد نوران محمد، 13 عامًا، واحدة من أبرز لاعبات دار السلام، إذ حصدت أربع ميداليات ذهبية في بطولة كأس مصر للجمباز على مستوى الجمهورية منذ عام 2021 لفئة تحت 14 عامًا. 

ورغم موهبتها، اضطرت إلى التدريب في صالة خاصة داخل الحي، لغياب أي صالة مخصّصة للجمباز داخل مركز الشباب الوحيد في دار السلام.

واجهت نوران تحديات كبيرة، أبرزها إصابتها بتمزق في الأربطة أثناء التمرين في أكتوبر الماضي. تحكي والدتها، مي حسن، 35 عامًا: "كان تحدّي نفسي كبير عليها لأنها مفتقدة التمرين، وتحدّي بدني عليّا أنا، لأني بحتاج أروح بيها جلسات علاج طبيعي كل أسبوع، وأتابع أدويتها علشان ترجع تلعب رياضتها اللي بتحس إنها بتعبر عن نفسها من خلالها".

تواصل مي رحلة العلاج التي تتطلب منها مجهودًا مضاعفًا، بينما تخوض نوران صراعًا مع الحزن والقلق مع اقتراب بطولة كأس مصر للجمباز لفئة تحت 14 عامًا لهذا العام، إذ كان آخر إنجازاتها حصولها على الميدالية الفضية في بطولة العام 2024.

وتضيف مي: "اللي مزعل بنتي إنها مش هتشارك في البطولة اللي جاية، رغم إنها في البطولات اللي فاتت كانت اللاعبة الوحيدة اللي جاية من حي شعبي، وبتقف قدام لاعبات من أندية كبيرة زي الأهلي والزمالك، وتنافسهم على نفس الملعب".

نجوم الغد من قلب الحي

يتحدث الكابتن وليد محمد، 25 عامًا، مدرب جمباز في إحدى الصالات الخاصة بالحي، عن ذلك: "تجربة التدريب في دار السلام مختلفة، نظرًا لشغف المتدربين الكبير رغم ضعف الموارد، أدرب في صالات بأحياء أخرى، لكن تدريب شباب دار السلام الأكثر حماسة ذلك هو سر حصولهم على ميداليات في بطولات كبرى رغم ضعف الإمكانيات".

من بين هؤلاء مالك أشرف، 15 عامًا، الذي ورث شغفه بكرة القدم عن والده، الذي كان مدربًا سابقًا في صالة خاصة في حي حدائق المعادي. 

بدأ أشرف ممارسة كرة القدم منذ سن السادسة في حي دار السلام مع جيرانه، قبل أن ينضم إلى مركز شباب السيدة نفيسة، حيث بدأ اللعب في دوري المدارس والدورات الرمضانية.

حقق أشرف عدة إنجازات خلال مشواره الكروي، فقد حصل على لقب أفضل لاعب ظهير أيسر (باك ايسر) في دوري مدارس إدارة السيدة زينب التعليمية عام 2024، كما توج بلقب أفضل لاعب في بطولة كأس جولدن فالكون، وهي بطولة ينظمها نادٍ خاص بحي المقطم، في أكتوبر الماضي، ممثلاً عن فريق مركز شباب السيدة نفيسة ومن بين لاعبي دار السلام المعروفين بالمهارة.

ويقول أشرف عن سبب حبه لكرة القدم: "الكورة بتساعدني أعمل حاجة بحبها جنب الدراسة، وبقدر أعبر عن نفسي ومهاراتي، وبتربطني بوالدي، اللي هو أول شخص أحببني في الكرة".

ويشير الكابتن محمد، إلى أن ما يحفزه على الاستمرار في التدريب داخل حي دار السلام هو طموح وإصرار الأجيال الجديدة: "لا يركز فقط على الجانب البدني، بل يسعى لتطوير اللاعبين ذهنيًا أيضًا، ليصبحوا أكثر ذكاءً ومرونة وثقة بأنفسهم.".

ويشرح أن التعامل مع الفئة العمرية بين 12 و15 عامًا يشكل تحديًا، لأن اللاعبين يحتاجون إلى دعم نفسي وزيادة ثقتهم بأنفسهم بجانب التمرين، وتعليمهم أن الرياضة جزء من حياتهم لاختيار أسلوب حياة صحي: "كل التعب بيتنسي مع ميدالية أو كلمة شكرًا يا كابتن".

ورغم اختلاف أعمارهم وألعابهم، يجتمع تاليا ونوران ومالك على خيط واحد يشبه ممرًا ضيقًا يخرج من قلب حي دار السلام نحو منصات البطولات، ثلاث حكايات تبدأ في شوارع لا تملك ملاعب، وتكبر على أكتاف أمهات وآباء ومدرّبين.