بائع الكتب الأخير في الحي.. عم مصطفى: "الثقافة مهجورة"

Photographer: مريم أشرف - بائع الكتب الأخير في دار السلام

Written By مريم أشرف
2025-07-10 15:18:38

في زقاق ضيق حيث تتزاحم أصوات الباعة وتعلو ضوضاء المارة، تلمح عينك فجأة مساحة صغيرة لا تتجاوز الثلاثة أمتار، لكنها تتّسع لزمنٍ بأكمله، أرفف خشبية متهالكة تفيض بكتب غطاها الغبار، لكنها لا تزال تحتفظ بقيمتها.

هنا، يقف محمود مصطفى، بائع الكتب القديمة الأخير في حي دار السلام، رجلٌ خمسيني يتقارب عمره مع مكتبته، صامد أمام الزمن، يبيع الحكايات بدلًا من السلع، ويؤمن أن بين صفحات كل كتاب حياة تنتظر من يفتحها.

تقع مكتبة عم محمود في شارع عبدالحميد مكي، داخل مساحة لا تتجاوز الثلاثة أمتار، لكنها تحتضن عوالم من المعرفة والذكريات، إذ إنه الوحيد في الحي الذي يبيع الكتب القديمة والمستعملة بأسعار رمزية تبدأ من 5 جنيهات، ولا تتجاوز في أقصاها 60 جنيهًا. 

تتنوع محتويات المكتبة بين أعمال الأدب العربي والعالمي، ومجلدات في الفلسفة والتاريخ والعلوم والدين، وكأن قطعة من "سور الأزبكية" الشهير انتقلت إلى قلب دار السلام.

 

بداية في عالم الكتب

ورث محمود مصطفى، البالغ من العمر 51 عامًا، مهنة بيع الكتب عن والده الذي أفنى عمره بين أغلفة الورق وصفحات الحكايات، ومنذ سن المراهقة، بدأ يتدرّب على هذه المهنة الشغوفة، حيث كان والده يمنحه أجرًا يوميًا بسيطًا، لا لشيء إلا لحثّه على الالتصاق بعالم الكتب، وتعليمه كيف تتحوّل يد البائع إلى عين خبيرة، تميّز الكتب النادرة من الرفوف المتكررة، وتقدّر القيمة بما تحمله الصفحات من أثر تاريخي أو إنساني، لا بما يُكتب على بطاقات الأسعار.

يقول: "أنا أول ما بشم ريحة الكتاب، بعرف هو قديم قد إيه، وعدّى على كام إيد قبلي، كأن الكتاب بيحكيلي تاريخه من غير ما أفتحه، المهنة دي مش بس شغلانة، دي بقت جزء مني، من روحي".

يحكي عن تفاصيل يومه: "كل يوم بفتح المحل الساعة 9 الصبح، وأقعد على الكرسي ومعايا فنجان القهوة الأول، زمان كنت أول ما أفتح ألاقي الطلبة والأساتذة والقراء بييجوا واحد ورا التاني، دلوقتي ممكن ميجيش زبون واحد طول اليوم، لكن أنا بفضل لحد 9 بالليل عشان لازم الناس تقرأ".

بائع الكتب الأخير 

يُعد مصطفى اليوم آخر من تبقى من باعة الكتب في حي دار السلام، ومع كل يوم جديد، تتجدد في داخله الحيرة: هل يواصل السير في دربٍ أحبّه وتوارثه عن والده؟ أم يغيّر نشاط المحل إلى تجارة أخرى تضمن له دخلًا يُعينه على نفقات الحياة؟.

صار دخله الشهري لا يتعدى مبلغًا بسيطًا بالكاد يكفي، بعد أن تقلّص عدد زبائنه إلى خمسة فقط من محبي القراءة، الذين لا يزالون أوفياء للكتب الورقية، ثلاثة من محبي القراءة من سكان الحي، وطالب وطالبة في مرحلة الدراسات العليا، رغم أن مكتبته تزخر بكتب تناسب جميع الفئات العمرية، وتلبي اهتمامات متنوعة.

يقول: "بقالنا سنة تقريبًا مدخلش علينا كتاب جديد، ولا حد بيشتري زي زمان السوق عصف بيا، رغم إني اتربيت فيه وحبيته من قلبي زي ما حبّه أبويا".

ولتغطية متطلبات أسرته، اضطر مصطفى إلى العمل في مهن حرة أخرى بجانب محل الكتب، بعد أن تحوّل بيع الكتب من مصدر رزق ثابت إلى مجرد هواية شبه مهجورة.

ويأتي هذا التدهور في ظل غياب أي مكتبة عامة داخل حي دار السلام، حيث تبعد أقرب مكتبة نحو 6 كيلومترات، ويستغرق الوصول إليها قرابة 20 دقيقة، وهو ما يصعّب على سكان الحي، خاصة الشباب والطلاب، الحصول على الكتب بسهولة. 

يشير مصطفى إلى أنه على مدار سنوات، كان يشاهد منافذ بيع الكتب في الحي تُغلق واحدًا تلو الآخر، بينما ظل هو متمسكًا بإرث والده ومهنته التي أحبّها، رغم كل التحديات. 

يقول: "لكن ما باليد حيلة، الأزمة الاقتصادية طالت كل شيء، ودفعت كثيرًا من الأسر إلى تقليص ميزانياتها، والاقتصار على شراء الاحتياجات الأساسية فقط، دون التفكير في توفير مساحة ثقافية للأطفال أو للشباب".

مخاوف من الاندثار

وسط زحام الكتب المتراصة على الأرفف الخشبية، تقف جليلة قاسم، طالبة في كلية الآداب، تتفحّص بعناية أغلفة الكتب، باحثة عن عنوان جديد لهذا الأسبوع.

اعتادت جليلة أن تقرأ كتابًا أو رواية أسبوعيًا، وتلجأ دومًا إلى مكتبة "عم مصطفى" كما تحب أن تناديه، لأن الكتب القديمة تناسب ميزانيتها المحدودة كطالبة، وتمكّنها من اقتناء عدد أكبر من الكتب ذات القيمة.

تقول جليلة: "بكون سعيدة لما أمسك كتاب طالع من الستينات أو من زمان جدًا، بحس إني بمسك حكاية عاشت قبلي، وبيهمني أحتفظ بيها وتعيش بعدي"، لكنها لا تخفي قلقها من تراجع الإقبال على محل عم مصطفى، إذ ترى أن إغلاقه لن يكون مجرد نهاية لمكان تشتري منه الكتب، بل سيكون نهاية علاقتها بالقراءة ذاتها، بعدما أصبحت أسعار الكتب الجديدة تتخطى حاجز الـ200 جنيه، وهو مبلغ لا تتحمله ميزانيتها كطالبة.

بينما لا يخفي مصطفى مخاوفه هو الآخر من أن تدفعه الأزمة الاقتصادية وضعف الإقبال عليه من تغيير نشاطه: "أنا بحب المجال ده والكتب كانت عمري، بس الحب لوحده مش بيكفي، المحل مش بيكسب، ولازم أفكر في شغل تاني يمشي الحال، لأن السنين الجاية مش هيكون فيها قراءة في الحي للأسف".

يجلس عم مصطفى في محله الصغير، يحتسي فنجان قهوته في هدوء ثقيل، لا يقطعه صوت زبون أو وقع خطوات تقترب من باب المكتبة، بينما حلمه بأن ينقل هذا الإرث الثقافي لأبنائه بات مهددًا مثل مكتبته.

Photographer: مريم أشرف - بائع الكتب الأخير في دار السلام