"الكريتلية".. من مقهى إلى بيت الفن والتراث بالمنصورة

Photographer: سلمى الهواري - بيت الكريتلية بالمنصورة

Written By سلمي الهواري
2025-10-19 14:19:46

يلمع الجرامافون العتيق في ركنٍ من مقهى بيت الكريتلية، وتستعد إبرةٌ فضية للهبوط على أسطوانة قديمة تحمل صوت أم كلثوم لتملأ المكان، بينما يقف محمد عطية، خمسيني، يتأمل أسطوانته وكأنه يعيد وصلًا مقطوعًا بين الماضي والحاضر، حوله تنتشر الأثريات واللوحات القديمة، وجدران تؤكد أن المقهى لا يقدم القهوة فقط لزواره ولكن فرصة للجلوس في قلب الحكاية.

بيت الكريتلية المنصورة

حوّل عطية المقهى الموجود في شارع أحمد ماهر بالمنصورة إلى ما يشبه المتحف، حيث يضم أسطوانات أغاني الزمن الجميل، ويشهد جلسات فنية متنوعة بين الغناء والعزف لمن لديه الموهبة، فضلًا عن شرائط الكاسيت القديمة، وأدوات موسيقية مختلفة مثل العود والجيتار.

 مقهى يحكي بالتحف

كانت البداية مجرد فكرة عابرة، ثم تحولت مع الوقت إلى مشروع حياة، إذ يقول عطية وهو يتأمل أركان المقهى: "منذ ثلاث سنوات بدأت تراودني فكرة أن أحوّل المقهى إلى ما يشبه بيت الكريتلية في حي السيدة زينب بالقاهرة، لم أرد أن يكون مجرد مكان لشرب القهوة، بل بيتًا للفن يربط الماضي بالحاضر ويترك بابًا مفتوحًا لفنون المستقبل".

بيت الكريتلية بالمنصورة

محمد، الذي وقع في حب التحف منذ زمن بعيد، لم يكتفِ بجمع الأنتيكات من الأسواق المستعملة أو البلدان المختلفة، بل جعلها جزءًا من حكاية أكبر: "كل قطعة هنا لها قصة ليست مجرد أثر جامد، ولكن وراء كل قطعة رحلة أو معركة صغيرة حين خطفتها من يد صاحبها السابق لتصبح جزءًا من عالمي الجديد".

يشرح فكرة المقهى: "حولته من خلال كل تلك الأشياء إلى مكان يُعزَف فيه على الآلات العتيقة كالعود والناي والبيانو، ويُقام فيه لقاء شبه يومي، يجلس فيه الجمهور ليستمع إلى موسيقى تمزج بين القديم والجديد، ويمكن لأي موهوب أو مُحب أن يسمع الموسيقى، ويغني، ويعزف بنفسه، فهو بيت الفن في المنصورة".

امتداد الكريتلية القديم 

كان غرض محمد عطية من "الكريتلية الجديدة" أبعد من مجرد مقهى يزيَّن بالتحف، ولكن أن يصبح فكرة مستوحاة من البيت القديم في القاهرة، لإحياء التراث وجمع ثقافات مختلفة تحت سقف واحد وكامتداد له بالمحافظة. 

يقول: "الكريتلية الجديد يربطنا بالكريتلية القديم في القاهرة، أي بالماضي والتراث، وبالعصر الذي نعيشه اليوم، هنا، ستشعر وكأنك عدت بالزمن إلى قرون سابقة".

بيت الكريتلية بالمنصورة

يشرح هذا الارتباط التاريخي: "الكريتلية هو الاسم الشائع لمتحف جاير أندرسون في القاهرة، نسبةً إلى الطبيب الإنجليزي والضابط العسكري الذي عاش فيه في ثلاثينيات القرن الماضي بعد أن قام بترميمه، وزيّنه بمقتنياته النادرة من تحف ولوحات وأثاث جمعه من مصر وبلاد الشرق".

ويوضح: "فهو بيت أثري يتكوّن من منزلين متلاصقين من العصر العثماني في القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ أحدهما بُني سنة 1540 وينسب إلى محمد بن سالم الجزار، والآخر شُيّد سنة 1631 وينسب إلى عبد القادر الحداد."

بيت الكريتلية بالمنصورة

يضيف: "ومع مرور السنوات أصبح بيت الكريتلية القديم واحدًا من أهم معالم القاهرة، وقد ذاع صيته منذ قرون، ولكن سبب تسميته ببيت الكريتلية يعود إلى سيدة من جزيرة كريت سكنت هذا المكان، ومنذ ذلك الحين صار الناس يطلقون عليه هذا الاسم".

ساعة أفلاطون.. وعشق التحف

يصف عطية حبه للأزمنة القديمة والأنتيكات بـ"الهوس" ومن أشهر التحف التي يحبها "ساعة أفلاطون المائية" التي لديه واحدة مماثلة لها: "هي ساعة مائية تقوم على مبدأ بسيط؛ إذ يمتلئ إناء تدريجيًا بالماء، وعندما يصل إلى مستوى معيّن يُطلق صفيرًا قويًا بواسطة صفارة، كان أفلاطون يستخدمها لإيقاظه في مواعيد دروسه مع طلابه حيث وجد طريقة لقياس الزمن بالماء مما يدل على عبقريته".

بيت الكريتلية بالمنصورة

ويستطرد موضحًا امتداد الفكرة عبر التاريخ: "لاحقًا، وفي الحضارة الإسلامية ما بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلادي، طوّر العلماء المسلمون، مثل الجزري، هذه الساعات المائية إلى مستوى أكثر تقدّمًا، وأضافوا إليها أنظمة دقيقة للتنبيه بالجرس والحركة".

لا يتوقف حلم عطية عند حدود الماضي فقط، بل يحاول أن يمد جسورًا بين الأزمنة: "غرضي من الكريتلية هو أن يكون ملتقى ثقافيًا، نجلس معًا نستمع لحكايات من عصور مختلفة، ونروي قصصًا تعلمناها من القراءة أو من شغفنا بالفن، أسعى أن أخلق بيئة فنية تجمع فنانين الدقهلية ومحبي الفنون التشكيلية والشعبية، لنلتقي هنا نستمع لموسيقى قديمة، ونحتسي القهوة أو الشاي كما لو كنا في العصور الوسطى".