نقص المكتبات العامة بأسوان.. توزيع "غير عادل" يحرم سكان من الثقافة

Photographer: أمنية حسن - إحدى المكتبات العامة بأسوان

Written By أمنية حسن
2026-01-21 11:54:41

اعتادت شيماء محمد، موظفة بإحدى المؤسسات الحكومية، أن تصطحب طفلاها حين كانوا في المرحلة الابتدائية إلى المكتبة الملحقة بمركز الشباب في قرية غرب سهيل بأسوان منذ سنوات للمطالعة والقراءة، غير أن تلك المكتبة أصبحت اليوم مجرد ذكرى نظرًا لتوقف أنشطتها كما تقول شيماء لـ"العين الأسواني".

أصبح طفلا شيماء اليوم في عُمر 15 و17 عامًا، ورغم افتتاح مكتبة مصر العامة في منطقة مقبرة عباس العقاد -الأقرب جغرافيًا لهم- عام 2024، لم يفكرا في زيارتها ولو لمرة واحدة، لأن رحلة الوصول إليها تقدر تستغرق ساعة كاملة باستخدام وسيلتي مواصلات.

رحلة طويلة للمعرفة

تقع قرية سهيل غرب نهر النيل بأسوان، ويسكن بها قرابة 15 ألف نسمة بينما مكتبة مصر العامة تقع شرق المحافظة. تقول شيماء: "دي أقرب مكتبة لينا بس عشان يروحوا هيأخدوا تروسيكل لحد كوبري أسوان الملجم، ومنه ميكروباص للمكتبة، وبكده بتوصل تكلفة الرحلة لـ120 جنيه ذهاب وعودة ودي تكلفة منقدرش عليها".

نقص المكتبات العامة بأسوان

تضم محافظة أسوان 11 مكتبة عامة موزعة على المراكز الخمسة، منها 5 مكتبات تقع في مركز أسوان الذي يضم نحو 490,2 نسمة، أي أن كل مكتبة تخدم حوالي 98 ألف نسمة، بينما يقتصر مركز كوم أمبو على مكتبة واحدة تخدم 433 ألف نسمة.

هذا التوزيع غير المتوازن يحرم أبناء شيماء وغيرهم من السكان من فرص القراءة، إذ لا يتناسب عدد المكتبات مع الكثافة السكانية، ما يخلق فجوة واضحة في إتاحة المعرفة ويحد من قدرة أعداد كبيرة من السكان على الوصول إلى الخدمات الثقافية بشكل عادل ومتساوٍ.

يأتي ذلك، مع انعقاد الدورة 57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب في الفترة بين 21 يناير و3 فبراير 2026، في مركز مصر للمعارض والمؤتمرات في التجمع الخامس بالقاهرة، والذي يُحرم منه أبناء المحافظات نظرًا لبعد المسافة ولا تعوضهم المكتبات العامة في الوقت نفسه.

تشير دراسة بعنوان "دور المكتبات العامة بجنوب صعيد مصر في تنمية المجتمع: مكتبات محافظة قنا نموذجًا"، صدرت عن المجلة الدولية للمعلوماتية والإعلام وتكنولوجيا الاتصال التابعة لجامعة بني سويف عام 2022 للباحثة أمل صلاح، إلى أن نشر الكتب يتصدر الأنشطة التي تقدمها المكتبات العامة داخل المجتمع بنسبة 76.5%. 

ويظهر هذا النشاط بشكل أوضح في المكتبات التابعة لقصور وبيوت الثقافة، بالإضافة إلى المكتبات الملحقة بمراكز الشباب وفق الدراسة.

تراجع أعداد الزوار

إلا أن هذا النشاط لم يصل إلى محمد جعفر، 18 عامًا، الذي كان منذ صغره يرغب في التردد على المكتبات العامة في مدينة كوم أمبو، حيث يقطن في قرية سلوا، التي تبعد عن مكتبة "الشطب" العامة الوحيدة بالمركز حوالي ساعة وربع. 

نقص المكتبات العامة بأسوان

وبسبب خوف والدته من أن يذهب بمفرده لمسافة طويلة، عاش محمد طفولته بدون فرصة حقيقية للقراءة: "كما أن مكتبة المدرسة خلال المرحلة الابتدائية لم تكن متاحة طوال الوقت، لعدم تخصيص حصة للمكتبة".

الآن، أصبح محمد يعتمد على قراءة الكتب الإلكترونية، نظرًا لبُعد المسافة عن المكتبة، ولأنها توفر له الوصول إلى أحدث الإصدارات مع تنوع في الخيارات، وهو ما لم يكن يجد له نظيرًا في المكتبات العامة.

تراجع محمد عن زيارة المكتبات العامة لا يقتصر على مركز كوم أمبو فقط، إذ تشير بيانات نشرة إحصاءات الثقافة للفترة بين 2021 و2023، وهي أحدث البيانات المتاحة، إلى انخفاض عدد زوار المكتبات بمحافظة أسوان من 8 آلاف إلى 5 آلاف زائر سنويًا.

بينما يتضح الأثر في بيانات الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار التابعة لوزارة التربية والتعليم، التي تشير إلى أن نسبة الأمية في مركز كوم أمبو بلغت حتى سبتمبر 2025 نحو 18% من إجمالي السكان الذين تبلغ أعمارهم 10 سنوات فأكثر، من إجمالي عدد السكان البالغ 311 ألف نسمة بذات السن، حتى يناير 2025، وهي النسبة الأعلى بين مراكز أسوان الخمسة. 

نقص المكتبات العامة بأسوان

وتشير بيانات وزارة الثقافة إلى أن مركز كوم أمبو يضم مكتبة واحدة فقط، وهي مكتبة الشطب العامة، إلى جانب قصر ثقافة كوم أمبو، اللذين يفصل بينهما نحو كيلومتر واحد فقط.

غلق مكتبات عامة

ورغم الحاجة الماسة لتحسين الواقع الثقافي، قرر الدكتور أحمد هنو، وزير الثقافة، في مايو 2025، غلق 120 وحدة ثقافية على مستوى الجمهورية، مبررًا ذلك بأن هذه الوحدات لم تعد تؤدي رسالتها الثقافية ولا تحقق أي تأثير فعلي. 

وكان لهذا القرار أثر واضح في محافظة أسوان، حيث شمل بيت ثقافة إدفو، الواقع في أكثر المراكز ازدحامًا بالسكان وهو مركز إدفو الذي يضم 517,5 ألف نسمة. 

وتكشف المقارنة بين مركزي إدفو وأسوان عن فجوة واضحة في توزيع المكتبات العامة، إذ تضم إدفو ثلاثة مكتبات فقط وتخدم المكتبة الواحدة نحو 172.5 ألف شخص، مقابل 98 ألف فقط في أسوان، ما يعني أن العبء السكاني على المكتبات في إدفو يزيد بنحو 76٪ مقارنة بأسوان.

نقص المكتبات العامة بأسوان

- تنص المادة 48 من الدستور: "لكل مواطن الحق في الثقافة وتلتزم بدعمها مع اهتمام خاص بالمناطق النائية والفئات الأكثر احتياجًا".

وترى وزارة الثقافة أن مشروع المكتبات المتنقلة، التابع لمبادرة مكتبات مصر العامة، يمثل حلًا مثاليًا لنشر الثقافة والمعرفة في التجمعات السكانية، وتؤكد ذلك، نهلة الأنصاري، مديرة مكتبة مصر العامة بأسوان، لـ"عين الأسواني" أن المكتبة المتنقلة تقدم خدماتها عبر توفير كتب للكبار والصغار، إلى جانب أنشطة متنوعة وشاشات عرض للأفلام، مع مجموعة مصغرة من الكتب الموجودة في المكتبة لتلبية زيارات المدارس ومراكز الشباب.

نقص المكتبات العامة بأسوان

وانطلقت المكتبة المتنقلة في محافظة أسوان ضمن المرحلة الثالثة من المشروع في نوفمبر 2024، لتصل إلى مناطق عدة وتوفر خدمات ثقافية وتعليمية متنوعة للسكان.

بينما يرى الكاتب والروائي أحمد أبو خنيجر، في تصريح لـ"عين أسواني"، أن فكرة وجود المكتبات المتنقلة محدودة الفاعلية، لأنها توفر المعرفة لساعات قليلة فقط، وإذا زارت المكتبة مكانًا قد لا يتكرر فيه الزيارة إلا بعد سنوات، فإن المعرفة التي تقدمها ستظل متقطعة ولن تكون حلًا فعّالًا.

ورغم تشابه محافظتي أسوان والأقصر من حيث النشاط السياحي، إلا أن توزيع المكتبات العامة فيهما يختلف بشكل كبير. تضم الأقصر 16 مكتبة عامة بينما يبلغ عدد السكان 1.4 مليون نسمة، أي أن كل مكتبة عامة تخدم حوالي 90 ألف نسمة.

أما أسوان التي يبلغ عدد سكانها 1.7 مليون نسمة تخدم كل مكتبة حوالي 155 ألف شخص، أي أن الضغط على المكتبات في أسوان أعلى بحوالي 72٪ مقارنة بالأقصر حتى عام 2025، مما يوضح وجود فجوة كبيرة في إتاحة المعرفة والخدمات الثقافية للمواطنين.

رغبة المعرفة تتحول لتحديات يومية

يبقى الخيار الثاني أمام محبي القراءة بعد المكتبات العامة، هي مكتبة المدرسة التي شكلت الخطوة الأولى لحب القراءة لدى أروى فوزي، 18 عامًا، طالبة جامعية تعيش في قرية توشكى التهجير في مركز نصر النوبة، الذي يضم مكتبة "أدندان العامة" فقط وتبعد عن أروى قرابة ساعة.

نقص المكتبات العامة بأسوان

تحدي آخر تواجهه أروى غير بعد المسافة، وهو أن المكتبة لا تضم إصدارات شاملة أو حديثة، مما يدفعها للاعتماد على الشراء "أون لاين": "الإصدارات لا تلبي كل الاهتمامات والميول".

لذا يؤكد أحمد أبو خنيجر على أهمية وجود مكتبة عامة في كل مدرسة ومركز شباب، بحيث يتوفر فيها محتوى يناسب الفئة العمرية واحتياجات المكان: "حتى المكتبات الحالية وجودها مثل عدمه، لأنها تعاني من نقص المحتويات مثل مكتبة أبو الريش الشهيرة في أسوان".

بينما تشير دراسة تحليلية بعنوان "دور المكتبات العامة في محو الأمية الرقمية وتهيئة روادها لمجتمع المعرفة" صدرت عن مجلة الآداب والعلوم الإنسانية للباحث محمد طه بجامعة المنيا عام 2024، إلى أن المكتبات تلعب دورًا مهمًا في نشر ثقافة محو الأمية الرقمية داخل المجتمع، إلا أن هذا الدور يواجه تحديات أبرزها نقص الموارد المادية والبشرية المتخصصة في التقنية الرقمية، وقلة الشراكات مع الجهات الحكومية.

حاولت "عين أسواني" التواصل مع اللواء خالد اللبان، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، والمركز الإعلامي لوزارة الثقافة، للاستفسار عن خطط الوزارة في ظل غلق مكتبات عامة وعدم العدالة في توزيعها، وطلب إرسال الأسئلة لكن لم يرد حتى موعد نشر التقرير.

تحولت رغبة شيماء ومحمد وأروى في المعرفة إلى تحديات يومية، نتيجة أن المكتبات العامة في أسوان، رغم أهميتها، لا تحقق العدالة الثقافية