رحلة البحث عن كتاب.. مغامرة يومية في "دار السلام"

Photographer: مريم أشرف - رحلة سلمى للبحث عن كتاب في حي دار السلام

Written By مريم أشرف
2026-01-11 18:58:10

تخرج سلمى السيد، 19 عامًا، من منزلها بشارع العروبة في حي دار السلام، بحثًا عن كتاب "في دايرة الرحلة" للكاتب والطبيب النفسي محمد طه، اختارت يوم إجازتها من العمل لخوض هذه الرحلة، مدركةً أنها ستكون شاقة داخل شوارع الحي وقد تمتد إلى الأحياء المجاورة، أملًا في العثور على دقائق من المتعة والمعرفة بين صفحات كتاب.

استغرقت رحلة سلمى ساعات طويلة؛ إذ بدأت جولتها من شارع الفتح، من بدايته مرورًا بشوارعه الجانبية، بحثًا عن مكتبة تشتري منها الكتاب، قبل أن تنتقل إلى شارع مصر– حلوان الزراعي. 

رحلة سلمى للبحث عن كتاب في حي دار السلام

أين المكتبات العامة؟

ومع استمرار البحث، لجأت إلى موقع "جوجل" لمعرفة أقرب أماكن لبيع الكتاب، لتكتشف أن أقربها يقع في حي المعادي، تقول سلمى: "دورت على مكتبات في الجزء التاني من الحي، في شارع الفيوم وأحمد زكي، لكن عمري ما لقيت مكتبة".

يفتقر حي دار السلام بالقاهرة إلى الأنشطة الثقافية والفنية، في ظل غياب مكتبة عامة تخدم سكانه، إذ تُعد مكتبة المعادي العامة الأقرب إليه على بُعد نحو 6.2 كيلومتر، وفقًا لخرائط جوجل. 

رحلة سلمى للبحث عن كتاب في حي دار السلام

ويمثل هذا النقص أزمة حقيقية لسكان دار السلام، الذين يضطرون إلى قطع مسافات طويلة، واستخدام وسائل مواصلات متعددة، من أجل الحصول على كتاب أو خوض تجربة ثقافية.

تتعارض رحلة سلمى مع المادة  48 من الدستور التي تنص على أن: "الثقافة حق لكل مواطن، بجميع أنواعها، لمختلف فئات الشعب دون تمييز بسبب القدرة المالية أو الموقع الجغرافي أو غير ذلك، مع إيلاء اهتمام خاص بالمناطق النائية والفئات الأكثر احتياجًا".

تبرز أزمة سكان حي دار السلام الذين يبلغ عددهم نحو 572 ألفًا و498 نسمة، وفقًا لنشرة عدد السكان التقديري لعام 2025 الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مع اقتراب انعقاد الدورة 57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في الفترة 21 يناير إلى 3 فبراير 2026.

تلجأ سلمى إلى مراكز ثقافية خارج حي دار السلام، مثل بيت السناري بالسيدة زينب ودار الأوبرا المصرية بالزمالك وبيت السحيمي بشارع المعز، ما يفرض عليها قطع مسافات طويلة وتحمّل تكلفة مواصلات نحو 60 جنيهًا. 

كما تقصد مكتبة مصر العامة بالدقي ومكتبة المعادي، لكنها لا تجد فيهما دائمًا الكتب التي تبحث عنها: "تجربة شراء الكتب عبر الإنترنت تكون مرتفعة بسبب تكلفة الشحن تصل إلى 100 جنيه، وبعض شركات الشحن ترفض التوصيل لدار السلام حتى أصبحنا معزولين ثقافيًا".

- بحسب إحصاء مكتبة مصر العامة، استقبلت فروع المكتبة خلال النصف الثاني من العام 2025 قرابة 189,890 زائرًا.

- بينما وكالة بلومبرغ Bloomberg العالمية تؤكد تراجع إقبال القراء على المكتبات الحكومية في مصر بنسبة 63% خلال العام 2024.

تكاليف الثقافة خارج الحي

نفس المعاناة يعيشها طارق نبيل، 20 عامًا، الذي اعتاد التوجه إلى مكتبات خاصة في منطقة جاردن سيتي، في ظل خلو حي دار السلام، الذي يقطن فيه، من أي مكتبات عامة.

رحلة سلمى للبحث عن كتاب في حي دار السلام

ويقول طارق: "أقيم في شارع الجسر البراني بالحي، ومع ذلك لا توجد مكتبة واحدة قريبة يمكنني الاعتماد عليها، فأضطر إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى أماكن تتيح لي القراءة أو شراء الكتب، وهو ما يستنزف وقتي وتكلفة مواصلاتي، ويجعل الوصول إلى الثقافة أمرًا مرهقًا بالنسبة لشباب الحي".

يؤكد جمال عبد الناصر، ناقد فني وخبير ثقافي، أن عادات القراءة والمناقشات التي اكتسبها جاءت من المكتبات العامة وقصور الثقافة، مشيرًا إلى أن غياب مكتبة في حي دار السلام يعني اختفاء دور الفن والثقافة في حياة الأطفال والشباب، كما أن بعد مسافات المكتبات بالقاهرة، ونقص الأنشطة والكتب التي تواكب العصر يؤثر على الحياة الثقافية فيما بعد.

ويشدد لـ"صوت السلام" على ضرورة أن توفر وزارة الثقافة مكتبات داخل هذه الأحياء، أو تقديم حلول رقمية بديلة، مثل توفير محتوى الوزارة بصيغة "PDF" عبر مكتبة إلكترونية، لضمان وصول الثقافة لجميع الفئات بسهولة.

بينما يشير حمدي عرفة، خبير التنمية المحلية، إلى أن القاهرة تعاني بالفعل نقصًا كبيرًا في عدد المكتبات العامة، إذ تتركز أغلب المكتبات في الأحياء الرئيسية مثل المعادي ووسط البلد وحلوان، بينما تغيب عن باقي الأحياء. 

ويضيف لـ"صوت السلام": "الأحياء الشعبية مأخوذ عنها صورة نمطية غير صحيحة بأن سكانها لا يهتمون بالقراءة وهذا غير صحيح، بدليل أنهم يلجأون إلى مكتبات موجودة خارج النطاق السكني وبالتالي لا تستطيع استيعاب كثافة السكان من أكثر من حي، ما يؤدي إلى تدهور مستوى خدماتها".

المكتبات المتنقلة والواقع

بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، بلغ عدد المكتبات في مصر 1403 مكتبة عام 2021، منها 169 مكتبة فقط في القاهرة، وبحسبة بسيطة، يبلغ عدد سكان القاهرة 10 مليون و390 ألف 238 نسمة أي أن كل مكتبة تخدم قرابة 61 ألف نسمة في العاصمة، مما يحرم كثيرون من القراءة.

من بين هؤلاء فريد محمد، 8 سنوات، الذي تحاول والدته رهف كامل، 30 عامًا، تعليمه القراءة منذ الصغر. إلا أن رهف لم تجد أي مكتبة عامة في شارع فرج يوسف بحي دار السلام توفر قصص أطفال بأسعار مناسبة أو أنشطة تعليمية مثل المسرح أو الرسم أو جلسات قراءة مع أطفال في نفس عمر فريد، بينما وجدت هذه الأنشطة في المعادي بأسعار تصل إلى 1000 جنيه شهريًا.

تقول رهف: "أنا طول عمري ساكنة بين دار السلام وحدائق المعادي، وكنت عارفة أنه مفيش مكتبة عامة، لكن المشكلة ظهرت مع فريد، لأنه طفل لا يستطيع القيام برحلة طويلة لمكتبة مصر العامة أو الأوبرا أو مسرح العرائس، لو كانت المكتبة قريبة من البيت، كان من الأسهل استمراره في حضور الأنشطة، وحتى بعد ذلك يذهب بمفرده، لكننا نواجه صعوبتين: عدم وجود مكتبة وبُعد باقي المكتبات".

ويقترح عرفة خبير التنمية المحلية حلولًا بديلة: "مثل تأجير بعض الأماكن داخل الحي من الملاك لإنشاء مكتبة، خصوصًا في الأحياء المكتظة التي لا تتوفر فيها أراضٍ مملوكة للدولة، أو تخصيص جزء من المباني الإدارية مثل مبنى رئاسة الحي لإقامة مكتبة عامة".

وتوضح رهف أن تكاليف الأنشطة تمثل عبئًا كبيرًا على الأسرة، إذ تضطر للتضحية بتمرين السباحة أو الاشتراك في نشاط رياضي آخر، حيث تصل تكلفة كل نشاط إلى نحو 1000 جنيه شهريًا، بالإضافة إلى مواصلات بحوالي 50 جنيه في كل مرة، ووجبة متكاملة بين 100 و200 جنيه، ما يعني نحو 2500 جنيه شهريًا إذا مارس فريد نشاطًا واحدًا مرتين أسبوعيًا، وفي حال اختيار كل الأنشطة ستتضاعف الميزانية، ما يجعل ذلك غير مناسب لإمكانيات الأسرة.

العدالة الثقافية مسؤولية مَن؟

يتسق ذلك مع دراسة بعنوان "السياسات الثقافية المصرية خلال الفترة (2009-2020)" أعدها الدكتور محمد محمود أستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ونشرت العام 2022، خلصت إلى سبب نقص الأنشطة الثقافية في تلك الفترة هو أن "وزارة الثقافة تدعم الأنشطة المستقلة دون رؤية واضحة أو منهج محدد أو سياسة ثابتة ومستقرة، مع سيطرة البعد الخدمي على الثقافة بدلًا من البعد الصناعي"، مشيرةً أيضًا إلى التوزيع غير العادل للموارد الثقافية وهو ما ينطبق على حالة حي دار السلام.

بينما يلقي عرفة المسؤولية على عاتق وزارة التنمية المحلية ووزارة الثقافة، ممثلة في المحافظين ورؤساء الأحياء وهيئة قصور الثقافة، مطالبًا بالاهتمام بهذا الملف لما له من تأثير على الأطفال والشباب، ولما يحرم سكان القاهرة من القراءة والثقافة، يؤكد أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة في تصريح لـ"صوت السلام" أن التخطيط لتوفير مكتبة في حي دار السلام ليست مسؤولية الوزارة.

ويوضح أن الوزارة توفر مكتبات متنقلة في شارع أحمد زكي بالحي، بين مكتبتين إلى ثلاث مكتبات، ورغم ذلك، أكدت له معدّة التقرير خلال جولتها بالحي أنها لم تجد أي مكتبات متنقلة في المنطقة. 

وعند طلب مواعيد وأماكن هذه المكتبات، أوضح الوزير أن الوزارة لا تمتلك بيانات محددة عن مواقع أو مواعيد عمل المكتبات المتنقلة في دار السلام، وأن دورها يقتصر على وضع السياسة العامة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن جميع أحياء القاهرة تحتوي على مكتبات عامة.

رحلة سلمى للبحث عن كتاب في حي دار السلام

وسط أشجار المعادي تصل سلمى بعد رحلة طويلة من حي دار السلام إلى وجهتها حيث المكتبة العامة، بينما طارق لا يزال يقطع مسافات طويلة إلى مكتبات جاردن سيتي الخاصة، محاولًا الاستمرار في عاداته، مع محاولات والدة فريد في الموازنة بين تكاليف المعيشة وحبه للقراءة، ما يجعل الوصول إلى الثقافة تحديًا يوميًا بالنسبة لهم.

Photographer: مريم أشرف - رحلة سلمى للبحث عن كتاب في حي دار السلام