رحلة "فاطمة" من موائد الأفراح إلى إفطار الصائمين

صورة أرشيفية لوجبات الإطعام لدى فاطمة

Written By فاطمة محمد
2026-02-24 13:19:28

في مطبخ بيتها بمنطقة نجع المحطة بأسوان، كانت فاطمة أمالي، 46 عامًا، أم لولدين وبنت، تصنع البهجة على موائد الأفراح والمناسبات بعدما تعدّ الطعام والمخبوزات وتملأ حفلات الأفراح الخاصة بالسعادة.

"إعداد طعام الأفراح عمل شاق يتطلب مجهودًا بدنيًا يوميًا"، تقول فاطمة: "بقالي سنين في المشروع دا أنا وأختي، بنقوم بكل حاجة من شراء السلع للطبخ والتغليف، لكن طول الوقت كنت بحس أن الطعام دا لازم يروح لمستحقيه".

التحول إلى الإطعام في رمضان

رحلة فاطمة لم تتوقف عند حدود مناسبات الفرح. قبل نحو سبع سنوات، دخلت عالمًا آخر يحمل قيمة إنسانية، حين شاركت في نشاط إطعام تابع لإحدى الجمعيات الخيرية. 

تجربة امتدت عامًا كاملًا، لكنها علمتها كيف يمكن للخبرة في المطبخ أن تتحول إلى رسالة عطاء. وعندما توقفت الجمعية عن العمل، وجدت نفسها أمام خيار صعب وهو التوقف أم الاستمرار بمفردها.

تقول: "لما الجمعية وقفت، حسيت إن باب خير اتفتحلي أنا، فقلت ليه أقف؟ مطبخي موجود وإيدي معايا وممكن اتجه للإطعام في رمضان بدل الأفراح".

هكذا تحول مطبخ بيتها إلى نقطة انطلاق للإطعام خلال شهر رمضان، لتستمر هذا العام أيضًا في تقديم وجبات للمحتاجين بعدما تحولت من تقديم الطعام في الأفراح إلى الإطعام في رمضان.

إفطار الصائمين

المطبخ ساحة للرزق والعطاء

رغم دخولها عالم الإطعام، لم تتخلَّ فاطمة عن عملها في تجهيز طعام الأفراح، بل أصبح هذا العالم داعمًا لقدرتها على الاستمرار. 

تقول: "كل التعب بيهون قدام دعوة صادقة أو نظرة فرحة في عين حد كان مستني الوجبة دي في رمضان". ومع كل وجبة توزعها بنفسها، تشعر أن عملها تجاوز مجرد الطبخ ليصبح جسرًا يصلها بالناس.

بالنسبة لها، الإطعام ليس نشاطًا موسميًا، وإن كان رمضان يحتل مساحة أساسية فيه. تحرص طوال العام، ولو مرة كل شهر، على إعداد وجبات وتوزيعها، حتى في أصعب الظروف.

توضح: "حتى لو الظروف مش أحسن حاجة، بطلع من اللي في البيت، وجبة أو اتنين، وأقول لحد من ولادي وهو نازل يديها لأي حد محتاج يقابله لكن شهر رمضان بيكون مختلف".

إفطار الصائمين

يوم الإطعام يبدأ قبل الفجر

في رمضان يبدأ يوم الإطعام لدى فاطمة قبل أن يشرق الفجر، لتحضير كل شيء قبل موعد إفطار الصائمين بوقت كافٍ. لا تعتمد على عدد ثابت من الوجبات؛ إذ تحدد الكمية حسب قدرتها وظروف اليوم: "أول ما بحط الخامات قدامي قبل الطبخ، ببقى عارفة دي هتطلع 40 ولا 50 وجبة، بس مفيش رقم ثابت".

تمر رحلة الإطعام لدى فاطمة بسلسلة من الخطوات المتتابعة، تبدأ بالطهي، ثم إعداد الوجبات وتغليفها، وصولًا إلى مرحلة التوزيع، وفي كل مرحلة تحظى بدعم شقيقتها التي تشاركها العمل خطوة بخطوة. وقبل يوم الإطعام، تحرص على شراء الخامات اللازمة بحسب ما يتوفر معها من مال، دون إسراف أو تحميل نفسها أعباء تفوق قدرتها.

تكون قد حددت مسبقًا الجهات المستفيدة، سواء من العمال في الشوارع أو الموظفين داخل المستشفيات، لتقدير العدد المناسب لكل فئة. 

وقبل موعد المغرب بنحو ساعة، تخرج برفقة شقيقتها، وأحيانًا يصاحبهما أبناؤها لتوزيع الوجبات على مستحقيها: "أوقات بيجي علينا المغرب وإحنا لسه بنوزع بس مينفعش نمشي من غير ما الكل يأخد، برجع مرهقة لكن دا أحب عمل ليا".

الإطعام في شهر رمضان

ومع مرور الوقت أصبح الإطعام جزءًا لا يتجزأ من حياتها، خاصة في رمضان. وإن لم تستطع إعداد وجبات كاملة، تخرج مع أبنائها قبل المغرب بكيس تمر وعصير: "لازم أوزع في رمضان حاجات حتى الحاجة البسيطة بحس إنها كبيرة عند اللي بياخدها، والمهم ثواب إفطار صائم".

العطاء الذي يغير صاحبه

أثر هذا التحول في شخصية فاطمة قبل أن يكون مجرد واجب إنساني: "أوقات كتير ببقى صارفة آخر فلوس معايا وأنا مطمئنة، وأسيبها على الله، وما يعديش يومين إلا وربنا يعوضني أضعاف اللي صرفته". كما أكسبها العطاء نظرة أعمق للآخرين.

ومن بين المواقف التي تركت أثرًا عميقًا في نفسها، تجربة في أحد المستشفيات الخاصة أثناء حجز عمها هناك. رأت عاملًا يتناول فطيرة جافة بلا أي إضافات، تقول فاطمة: "المشهد ده فضل في بالي، وقررت وقتها إن الإطعام يروح لعمال الأمن في المستشفى دي". 

هذا المفهوم حرصت فاطمة على ترسيخه داخل أسرتها، حتى تحولت أعياد ميلاد أبنائها إلى موائد إطعام بدلًا من الكعك والحلوى، معتبرة أن "البداية الأجمل لأي عام جديد هي تلك التي تبدأ بالعطاء".

من مطبخ بسيط في أسوان، بدأت فاطمة أمالي رحلتها في إعداد طعام الأفراح والمناسبات، لتجد نفسها اليوم تقود نفس المطبخ نحو مسار أعمق للخير، من خلال الإطعام في رمضان.