حامي مراكب الصيد.. "التهامي" ملاذ صيادي بحيرة ناصر (قصة مصورة)

Photographer: أمنية حسن - "التهامي" صانع مراكب الصيد بأسوان

Written By أمنية حسن
2026-01-15 12:01:08

"بلطي، ساموس، قراميط" وأنواع أخرى من أسماك بحيرة ناصر، يحملها عمر حسين، ثلاثيني، صياد من أسوان، بعد رحلة طويلة تستمر لأسابيع، عائدًا إلى ميناء بحيرة ناصر محمّلًا بما اصطاده من خيرات، ليجد أمامه من ينتظر استلام صيده، وبين رحلاته إلى البحيرة، يتردد عمر إلى ورشة التهامي لصيانة مركب الصيد الخاص به، فهي جزء لا يتجزأ من حياته وموسم عمله.

في قلب المدينة الصناعية القديمة بمنطقة العلاقي في أسوان، تقع ورشة التهامي، واحدة من ورش النجارة والخراطة والدوكو، مكان يلتقي فيه الحرف بالإتقان، لتكون حلقة مهمة في عملية الصيد، حيث يعتمد عليها الصيادون لإصلاح مراكبهم وصيانتها قبل الانطلاق إلى البحيرة، وضمان جاهزيتها لمواجهة الأمواج والصعوبات التي ترافق كل رحلة صيد.

التهامي صانع السفن بأسوان

"تقطيع جذع الخشب أصعب ما نمر به"، يقول طارق التهامي، الذي قضى أكثر من 37 عامًا في صناعة مراكب الصيد، يعمل في ورشته بصبر وحرص على أدق التفاصيل، يشاركه العمل أخوه وأحيانًا ابنه، وفي أوقات تتطلب كثافة أكبر أو خلال موسم توقف العمل بالبحيرة من مارس حتى مايو، ينضم إليهم عدد من الصنايعية لتقسيم المهام وضمان إنجاز العمل بكفاءة.

التهامي صانع السفن بأسوان

البداية كانت مع والد طارق، الذي امتهن النجارة بشكل عام قبل أن يتجه إلى صناعة وصيانة مراكب الصيد، ومع احترافية الصنايعية وازدياد الطلب على المراكب، قرر دمج هذه الصناعة ضمن أعمال الورشة. 

في سن العاشرة، انضم طارق إلى الورشة بجانب والده لتعلم فنون النجارة، ومع بلوغه العشرين أصبح قادرًا على صناعة المراكب بمفرده، توارث طارق المهنة، وبدأ مع أخيه بصنع المراكب بأحجام واستخدامات مختلفة، سواء للصيد، أو لتجميع الأسماك، أو مركب صغير يُعرف باسم "سنبك".

التهامي صانع سفن أسوان

يتحدث طارق عن مراحل صناعة المركب والدقة المطلوبة في كل خطوة، ويشرح كيف يقسم العمل بين أفراد الفريق: "نستخدم أشجار الكافور لصناعة المركب، التي نشتريها من تجار الخشب المسؤولين عن توريدها من ميناء الإسكندرية وحتى أسوان، نقطعها إلى أجزاء، ثم نبدأ بتقطيع كل جذع وتشكيله لوضع أساسات وقواعد المركب بدقة لضمان متانته واستقراره".

 يمسك طارق أجزاء الخشب ليضعها في الماكينة، متخلصًا من الطبقة الخارجية لتصبح جاهزة للتشكيل: "قديمًا كانت المراكب تُصنع من أشجار الكافور، ولا يُلصق الخشب إلا بالكتان الممزوج بالغراء، ثم يُطلّى من الخارج، وكان الصياد يعاني من تشققات المركب إذا تُرك لفترة دون استخدام، أما اليوم، فقد ظهرت ألواح الفايبر التي تغطي المركب وتحميه، فلا تتأثر بتوقف العمل وتسهّل على الصيادين صيانة مركباتهم".

التهامي صانع سفن أسوان

مع تقلب الأوضاع الاقتصادية، تأثرت تجارة صناعة المراكب بشكل مباشر، ما انعكس على نسبة المكسب النهائي للصيادين، يقول طارق: "ارتفعت أسعار المواد، من مسامير وغيرها، بشكل كبير، فوصل سعر الخشب خلال العامين الأخيرين من 4 إلى 13 ألف جنيه، بينما ارتفعت تكلفة المركب الكبير بعد اكتماله من 18 ألف جنيه إلى 60 ألف جنيه، هذا الارتفاع دفع الصيادين إلى استخدام مركباتهم لأطول فترة ممكنة قبل أن يصلوا لمرحلة التوقف والتفكير في صناعة مركب جديد".

من الممكن صناعة مركب كبيرة بطول 10 أمتار خلال ثلاثة أيام فقط إذا توفرت التكلفة المالية اللازمة للصياد، أما في حال العمل على فترات متقطعة فقد تستغرق فترة أطول. وتستمر حياة المركب لما يقرب من عشر سنوات، شريطة أن يولي الصياد اهتمامًا دائمًا بالصيانة والنظافة وفقًا لـ"طارق".

التهامي صانع سفن أسوان

بينما يصنع طارق في ورشته مراكب كبيرة ومتوسطة، بالإضافة إلى الأحجام الصغيرة المعروفة باسم "سنبوك"، ما عدا "اللانشات" نظرًا لقلة الطلب عليها من قبل الصيادين: "اللّانش كبير الحجم، يتكون من كبينة وغرف وثلاجة لتخزين السمك، لكن مع انخفاض إنتاج الأسماك، أصبح الطلب عليه محدودًا، وإذا طلبه أي صياد، نتواصل مع صانعي اللانشات من الوجه البحري القديم وحتى أسوان ليصنعوه في ورشتنا".

أما عملية نقل المركب بعد تجهيزها، فقد كانت في الماضي تعتمد على عدد من الرجال لحمل المركب ووضعه على السيارة، أما اليوم، يُستخدم الونش لحمل المركب ونقله بأمان إلى السيارة، لتبدأ بعدها رحلتها الأولى في بحيرة ناصر.

التهامي صانع سفن أسوان

ويوضح طارق أن دور الورشة يقتصر على تأمين المركب والتأكد من جاهزيتها للإبحار، بالإضافة إلى إرشاد الصياد خلال رحلته الأولى في حال واجه أي مشكلة، بينما يتولى الدور الآخر الجهات المعنية فيما يخص الإجراءات الرسمية للإبحار في البحيرة.

تبقى ورشة التهامي ملاذًا لكل صياد قبل رحلته الأولى، حيث يتأكد فيه من جاهزية مركبه وتُصان ذكرياته، بينما تظل البحيرة تنتظر مغامراته القادمة.

Photographer: أمنية حسن - "التهامي" صانع مراكب الصيد بأسوان