الفن في مواجهة الحرب.. مبدعات احتضنهم مشروع "الفنانات السودانيات"

مشروع الفنانات السودانيات

Written By أمنية حسن
2025-12-09 11:00:04

كانت سامية إسماعيل، أربعينية، تستيقظ كل صباح على روتين تعرفه جيدًا؛ تتوجه إلى عملها في مطار الخرطوم بالسودان، ثم تعود لتتابع شؤون بيتها وأطفالها الثلاثة، إلى أن جاء يوم 14 أبريل 2023 ليضع نهاية مفاجئة لتلك الحياة المستقرة.

مع اشتداد حرب السودان لم يعد البقاء ممكنًا وفقًا لـ"سامية"، لذا في مايو من العام نفسه، غادرت هي وأطفالها ووالدتها: "كان الوصول إلى أسوان بداية فصل جديد، كنت بحاجة إلى مصدر دخل، ومع نهاية عام 2023 سنحت لي فرصة الالتحاق ببرنامج تدريبي تابع لليونسكو لتعلّم حرفة الجلود، استمر التدريب لمدة خمسة عشر يومًا فقط، وبعد انتهائه عملت في ورشة مع مدربة البرنامج لمدة عام، ثم بدأت إنتاج أعمالي الخاصة من الجلود في المنزل".

الفن كملاذ في مواجهة الحرب

في آواخر أكتوبر الماضي، انضمت سامية للمشاركة في مشروع إقامة الفنانات السودانيات، الذي نظمه مكتب معهد جوته السودان بالتعاون مع مركز سارة ومركز كروما الثقافي، والذي استهدف دعم وتمكين الفنانات السودانيات في تطوير ممارساتهن الفنية، وجمع المشروع 16 فنانة مقيمة في أسوان والقاهرة والإسكندرية.

تمكين الفنانات السودانيات

- ووفقًا لبيانات منظمة الهجرة الدولية، عبر نحو 169 ألف سوداني إلى مصر خلال الشهر الأول من اندلاع الحرب، هربًا من القتال وتدهور الأوضاع في البلاد.

ورغم أن سامية بدأت تعلّم حرفة الجلود بوصفها مصدرًا للدخل، فإن نظرتها إليها تغيّرت مع الوقت: "في البداية كان هدفي أن أوفّر احتياجات أسرتي فقط، لكنني اكتشفت لاحقًا أن العمل بالجلود يمنحني مساحة للتخفّف من الضغط، أصبح بالنسبة لي شكلًا من أشكال التعبير لا مجرد حرفة".

ومشاركتها في مشروع إقامة السودانيات عزّزت هذا الشعور، إذ وجدت نفسها تعمل إلى جانب فنانات يشاركنها الاهتمام ذاته: "العمل داخل المجموعة منحني رؤية مختلفة لفني، وبدأت أفكّر في تطوير أسلوبي ليكون له طابعه الخاص".

تمكين الفنانات السودانيات

تواجه سامية الآن صعوبات تتعلق بتوفير الخامات اللازمة للعمل، إذ إن الجلود عالية الجودة والألوان المتنوعة ليست متاحة في أسوان بالقدر الكافي، الأمر الذي يضطرها إلى جلبها من القاهرة، ما يزيد من تكلفة الإنتاج ويُثقل على مشروعها المنزلي الناشئ: "ورغم ذلك أنا مستمرة في عملي الذي أحبه، الحرب لم تتح لنا اختيارات أخرى".

من الغربة إلى الإبداع: رحلة نهال في أسوان

تشارك نهال حسام -أربعينية وإحدى مشاركات برنامج إقامة السودانيات- تجربة سامية في التحدي والإصرار، فقد كانت رحلة قدومها من السودان إلى أسوان مليئة بالمصاعب، إذ غادرت عام 2023 مع اشتداد القتال عقب اندلاع الحرب، وقطعت الطريق مرورًا بولايتَي القضارف وبورسودان، في رحلة شاقة وصعبة.

تمكين الفنانات السودانيات

قبل ذلك، كانت نهال معلمة تربية فنية في إحدى مدارس أمدرمان، لكنها وصلت إلى أسوان برفقة والدتها وخالتها وابن خالتها، بينما بقي إخوتها الرجال في السودان لصعوبة العبور في البداية بحسب قولها.

بعد الوصول إلى أسوان، فكرت نهال في البحث عن عمل لتأمين معيشتها، وكانت محظوظة بالحصول على وظيفة معلمة تربية فنية في مدرسة سودانية: "شعرت وقتها أن هوايتي في الرسم تندثر تحت وطأة الظروف والحرب، رغم أنني كنت أدرس للأطفال الفن التراثي الأفريقي والسوداني، مستخدمة صورًا ومواد ملموسة لتعريفهم بتفاصيل التراث القديم والحفاظ على هويتهم الثقافية بعد الحرب وترك الوطن".

لم تسمح نهال للتدريس أن يطغى على حبها للرسم والفن الأفريقي خصوصًا النقوش والوجوه الأفريقية، حيث تسعى لتوظيفه في تصميم المنسوجات، ومع مشاركتها في ورشة عمل مشروع إقامة الفنانات السودانيات، تعلمت كيفية توظيف فنها بشكل أعمق. 

تمكين الفنانات السودانيات

تضيف: "رغم أنني لم أطلق مشروعي الخاص بعد، أطمح لأن يكون برنامج إقامة الفنانات السودانيات نقطة انطلاقي، أخطط لاستخدام خامة "الدمور"، وهي نوع من الأقمشة المتوفرة في أسوان، لصنع حقائب قماشية ومعلقات نسيجية، وآمل أن تصل أعمالي إلى المعارض الفنية والفولكلورية، لأرى فيها جسر تواصل بين المصريين والسودانيين، فالفن في رأيي لغة العالم".

ورغم الصعوبات التي فرضتها الحرب والاغتراب، استطاعت سامية ونهال أن تحوّلا التحديات إلى فرصة للإبداع والتعبير عن الذات من خلال الفن، لم تكتفيا بتأمين مصدر للعيش، بل وجدتا فيه ملاذًا للتخفيف من الضغوط وإعادة بناء هويتهما بعد الغربة.