تتعانق رائحة البخور مع الدخان المتصاعد من مواقد الطعام، حيث تقودك تلك الرائحة إلى مقام السيدة زينب بطريق السادات في أسوان خلال احتفالات ذكرى المولد النبوي الشريف، هناك تتدافع الحشود ويفتح المقام أبوابه ليستقبل الزائرين من كل مكان.
وفي خضم هذه الأجواء الصاخبة، يبرز حضور هادئ لمجموعة من المتطوعين الذين آثروا أن يجعلوا من أيام المولد مساحة للعطاء والخدمة، لا سعيًا وراء مقابل ولا بحثًا عن تصفيق، بل لأنهم يجدون في فعل الخير جوهر الإنسانية.
لا يحمل هؤلاء المتطوعون شعارات ولا يسعون إلى الأضواء، جاءوا من محافظات ومناطق بعيدة، منذ أمس وهم مستمرون حتى تحل ذكرى المولد الشريف غدًا الخميس 4 سبتمبر، منهم من ينشغل بالطبخ، وآخرون بالتوزيع، وغيرهم بتقديم يد العون في تفاصيل صغيرة قد لا يلتفت إليها أحد لكنها تترك أثرًا في قلوب المستفيدين.

وجوه مختلفة للعطاء
نفيسة أحمد، سيدة من قنا تبلغ من العمر خمسة وستين عامًا، تُعد من أقدم المتطوعات في الموالد، منذ شبابها اعتادت أن تشارك في خدمة الزوار في مختلف الاحتفالات الدينية بأنحاء الجمهورية، وخلال السنوات الخمس الأخيرة ارتبط اسمها بمولد النبي داخل مقام السيدة زينب بأسوان، حيث تصر على أن يكون لها مكان ثابت بين المتطوعين.
ورغم إصابة في ساقها تمنعها من الوقوف طويلًا أو السير بلا عكاز، فإنها لم تتخل عن هذه العادة: "لم أعد أتحرك كما كنت من قبل، لكنني أساعد في تقطيع الخضار وفرزه في المطبخ، وهذا يكفيني لأشعر أنني أشارك بما أقدر عليه كما أشرف بشكل كبير على الإعداد".
بالنسبة لها، ليست الخدمة مرتبطة بالقوة الجسدية بقدر ما ترتبط بالإرادة: "يكفيني أنني ما زلت جزءًا من الفريق، أواصل العمل بصبر رغم الألم، وأنا مؤمنة أن العطاء لا يقاس بحجم الجهد، بل بصدق النية ورغبة الإنسان في أن يكون حاضرًا في الخير".
أما انشراح حنفي، فهي في الثانية والأربعين من عمرها، من منطقة الخطارة في أسوان، تحمل في جعبتها أحد عشر عامًا من التطوع، وبينما تتابع توزيع وجبة الغداء تقول بهدوء: "بدأت الخدمة هنا في مولد السيدة زينب، الذي يقام عادة في السابع والعشرين من رجب ويستمر ليوم أو يومين، لكن منذ خمس سنوات بدأنا نقيم احتفال المولد النبوي نفسه لثلاثة أيام كاملة".
تضيف: "خلال هذه الأيام الثلاثة، نقدم ثلاث وجبات يوميًا، ولا نرد أحدًا مهما كان، هناك من يأتي ليستمتع بأجواء المولد، وهناك من يأتي لأنه لا يجد قوت يومه، ونحن هنا نستقبل الجميع".
دور انشراح لا يقتصر على الطبخ أو توزيع الطعام، بل يمتد ليشمل مساعدة كبار السن، وتقديم الشاي، وتلبية الاحتياجات البسيطة للزائرين، ويقف بجوارها خمسة متطوعين آخرين، يتقاسمون الأدوار وكأنهم عائلة صغيرة جمعها الحب والمودة على مائدة واحدة.

رحلة المتطوعين بين الخدمة والرضا
من بين هؤلاء المتطوعين يبرز اسم خالد عبداللطيف، 52 عامًا، ابن منطقة السيل في أسوان، الذي اعتاد العمل طباخًا في الأفراح والمناسبات، ولكن قبل ست سنوات تلقى دعوة هو وصديقه القديم عبدالخالق محمد، من منطقة السيل أيضًا؛ للمشاركة في إعداد الطعام خلال مولد النبي، وعلى الفور لبّيا الدعوة دون مقابل، بدافع الفضول والتجربة.
لم يكن خالد يدرك أن تلك اللحظة ستصبح نقطة تحول في حياته: "حين أعددت الطعام ورأيت إعجاب الناس به، شعرت براحة لم أعهدها من قبل، ومنذ ذلك الحين صارت مشاركتي في المولد عادة سنوية لا أتخلى عنها".

أما عبد الخالق محمد، 52 عامًا، صديقه وجاره منذ الطفولة، يكمل القصة: "تحولت الخدمة بالنسبة لي إلى متعة خاصة، نعد الطعام ونوزعه كما لو كنا نتقاضى أجرًا كبيرًا، لكنه أجر معنوي نعتبره ثوابًا يملأ قلوبنا بالرضا، الوقوف إلى جوار الناس وتلبية احتياجاتهم كافٍ وحده ليجعلنا نستمر عامًا بعد عام".
في نهاية اليوم، يعود كل متطوع إلى بيته محملًا برضا داخلي وذكرى لا تنسى، حيث تصر نفيسة على المشاركة رغم إصابتها، وانشراح ترى في الخدمة حضنًا للرحمة، بينما يحول خالد وعبدالخالق مهارتهما في الطبخ إلى مائدة مجانية للزوار.