من بين ظلال النخيل وصوت النيل يبرز اسم إيهاب زكريا يس، أحد أبرز المخرجين المسرحيين في محافظة أسوان، بصوت مسرحي متفرد وتجارب لافتة تتجاوز الجغرافيا والإمكانات المحدودة.
سنوات من الاجتهاد والتمرس الفني صنعت له مكانة واضحة في المشهد المسرحي بالصعيد، حيث قدم عروضًا تحمل بصمته الخاصة وتغوص في عوالم رمزية وإنسانية عميقة.
في هذا الحوار، نفتح معه دفتر المسرح الجنوبي، ونتوقف معه عند عمله الأخير "رصد خان" الذي أثار جدلًا وتساؤلات، لنقرأ رؤيته الإخراجية، حيث قدم من خلالها معالجة درامية فانتازيا تحمل إسقاطات رمزية على مفاهيم الطمع والسلطة وتحالف الإنسان مع الشر في سبيل الكنز والخلود.

في البداية عرّفنا على المخرج إيهاب زكريا؟
أنا إيهاب زكريا يس، مخرج مسرحي تابع للهيئة العامة لقصور الثقافة ومديرية الشباب والرياضة، بدأت رحلتي الفنية منذ أيام الدراسة الجامعية، لكن انطلاقي الرسمي كمخرج معتمد كان في عام 2015، على مدار السنوات، شاركت في عدد من العروض المسرحية داخل محافظة أسوان وخارجها.
كما أعمل مدربًا للفنون في جامعة أسوان، وأتولى إدارة فرقة "مرايا" للفنون المسرحية، وأسعى دائمًا إلى تقديم تجربة مسرحية مغايرة تعبّر عن واقع الجنوب، وتطرح قضايا عميقة بأسلوب فني ورمزي.
ما أبرز الأعمال المسرحية التي أخرجتها؟
أخرجت نحو 15 إلى 16 عرضًا مسرحيًا منذ عام 2015، من بين هذه الأعمال: "المزاد، أه يا ليل يا قمر، المصحة" وهي أول تجربة لي في مسرحة المكان، حيث نفذنا العرض داخل غرفة مغلقة بدلًا من المسرح التقليدي، و"غنوة الليل والسكين"، وحصلت على أكثر من 20 جائزة من وزارة الثقافة ومؤسسات فنية أخرى، وهو ما أعدّه حافزًا مهمًا للاستمرار والتجديد.

ما الفكرة الأساسية لمسرحية "رصد خان"؟
تدور فكرة العرض في إطار فانتازي رمزي حول شخصية تُدعى "ابن غانم"، وهو رجل مهووس بجمع التحف القديمة وكتب السحر، يقوده هذا الهوس إلى نبش المقابر، ثم الدخول في رحلة محمومة للبحث عن كنز قارون، الذي دُفن في باطن الأرض بأمر إلهي، وأثناء تلك الرحلة، يقع في شرك السحر الأسود، ويرتكب مجموعة من الأفعال اللا أخلاقية مثل الزنا والقتل، ويتحالف مع قوى الشر لبناء "خان" أثري يحتوي على مقتنياته.
لكن النهاية تكون مأساوية، إذ يُستدرج من قبل الشيطان ويخسر كل شيء، وقبل موته، يترك وصية لأحفاده يُحذرهم فيها من هذا الطريق، إلا أن هذه المذكرات تقع بعد سنوات في يد حفيدته "سجايا"، التي تسعى بدورها إلى استدعاء بقية الورثة وتحريضهم على قتل بعضهم البعض، لأن الكنز، بحسب ما تُؤمن به، لا يمكن أن يظهر إلا بالتضحية بالدم.
لماذا اخترت هذا النص تحديدًا؟
لما يحمله من طابع فانتازي يكتنفه الغموض والدراما، وهو النوع الأقرب إلى ذائقتي الفنية، ويتماشى مع ما أفضّل تقديمه على خشبة المسرح، كما أن النص يتناسب تمامًا مع القدرات التمثيلية لأعضاء فرقة كوم أمبو المسرحية، وهي فرقة ذات تاريخ مميز وتضم طاقات فنية حقيقية.
شعرت أن هذا النص يمنحني فرصة لتقديم عرض بصري مكثف وثري، يدمج بين الرموز الميثولوجية والبعد النفسي للإنسان، ويتيح مساحة للتأمل في طبيعة الطمع والسلطة والخوف من المجهول.

كم استغرقت فترة التحضير ومتى تم العرض الأول؟
بدأنا التحضيرات منذ شهر نوفمبر، حيث شرعنا في قراءة النص وتشكيل الرؤية الإخراجية، ثم انطلقت البروفات بشكل متواصل حتى مايو، ولكن أول عرض رسمي قُدم في الثاني من يونيو على خشبة قصر ثقافة كوم أمبو، ثم شاركنا في المهرجان الإقليمي بمحافظة قنا في 11 يونيو الماضي، وكانت تجربة مرهقة، لكنها ممتعة ومليئة بالشغف.
ما الرسائل التي تسعى لإيصالها من خلال هذا العمل؟
الرسالة الأساسية التي أحاول إيصالها هي دعوة للتأمل في مفهوم القناعة، والتوقف عن اللهاث خلف الطمع والشهوات، الإنسان غالبًا ما يضيع بين ما يملكه وما يظن أنه يستحقه، ويدفع في هذا الصراع الداخلي أثمانًا باهظة.
المسرحية تُسلّط الضوء على العواقب الوخيمة للطمع، وتُذكّرنا بأن الرضا بما قسمه الله قد يكون الطريق الحقيقي للسلام النفسي والنجاة.

ما أبرز ملامح الرؤية الإخراجية لهذا العمل؟
اعتمدتُ في رؤيتي البصرية على بناء عالم فانتازي مليء بالرموز والدلالات، لذا صممت الديكور ليبدو كخان أثري تحيط به أعمدة منقوشة بالطلاسم، وحرصت على توظيف العرائس والأقنعة التي ترمز إلى الخطايا السبع، ليكون كل ركن في خشبة المسرح جزءًا حيًّا من السرد.
أما الموسيقى، جمعت بين المؤثرات الصوتية والترانيم ذات الطابع الشيطاني، بهدف خلق حالة دائمة من التوتر والغموض، وبشكل عام، ارتكزت رؤيتي على استخدام الرمزية والتجريب بشكل يعكس طريقتي الخاصة في تقديم المسرح كفن بصري وفكري في آن واحد.
كيف تتعامل مع بناء الشخصيات على خشبة المسرح؟
أؤمن بأن بناء الشخصية يبدأ من تحليلها على ثلاثة مستويات: الجسدي، النفسي، والاجتماعي، لذا أدرس التفاصيل الجسدية من طول ووزن وشكل، ثم أنتقل إلى الجانب النفسي من سمات داخلية وتوازن أو اضطراب، وأخيرًا أضعها في سياقها الاجتماعي من حيث الطبقة والانتماء الثقافي.
بعد تحليل النص، أضع تصورًا دقيقًا لكل شخصية، ثم أختار من أعضاء الفرقة من ينسجم مع هذا التصور، لا أؤمن بأن هناك أدوارًا ثانوية فكل شخصية، مهما كان حجمها، لها وظيفة درامية مؤثرة يجب أن تُقدَّر بالشكل الذي تستحقه.

ما أبرز الصعوبات التي تواجهك في الإنتاج المسرحي؟
أواجه صعوبات متعددة، أبرزها تأخر صرف الميزانيات، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على سير العمل. أحيانًا أضطر إلى تحمّل جزء كبير من النفقات بنفسي، خاصة في العروض التي تقدمها فرقة "مرايا" التابعة لي.
كذلك يُشكل التنقل بين أسوان وكوم أمبو أو المحافظات الأخرى عبئًا ماليًا ولوجستيًا إضافيًا، في عرض "رصد خان"، تأخرت الميزانية أكثر من ثلاثة أشهر، ما اضطرني إلى تغيير فريق العمل أكثر من مرة نتيجة لهذا التأخير.
كيف تتعامل مع الجمهور أثناء إخراجك للعروض؟
أنا أعتبر الجمهور هو الغاية الأسمى من أي عمل مسرحي، لذا أحرص دائمًا على أن يكون العرض قادرًا على الوصول إليه دون خطابية أو مباشرة، أفضّل أن يستنتج المتفرج الرسائل والمعاني من خلال الأحداث، لا أن أفرضها عليه، المسرح الجماهيري في رأيي يجب أن يكون بسيطًا، مشوقًا، وقادرًا على الجمع بين المتعة والتوعية في آنٍ واحد.

ما نوع النصوص المسرحية الأقرب إليك فنيًا؟
أميل كثيرًا إلى نصوص السايكودراما والدراما النفسية، لأنها الأقرب إلى تخصصي الأكاديمي، ولأنني أجد نفسي فيها، هذا النوع من النصوص يتيح لي الغوص في عمق النفس البشرية، وهو ما أحب أن أقدمه للجمهور بأسلوب صادق ومعبر.
هل يحظى المسرح باهتمام من الجمهور المحلي؟
للأسف لا، والسبب الرئيس في ذلك هو غياب التسويق والدعاية الكافية، كثيرًا ما يُحذف بند الإعلان من ميزانية العرض، مما يؤدي إلى عدم معرفة الناس بوجود المسرحية من الأساس، وهذا أمر محبط للغاية، ويجب على وزارة الثقافة أن تلعب دورًا أكثر فاعلية في الترويج للأعمال المسرحية، إلى جانب العمل على تثقيف الجمهور وإعادة ربطه بالفن المسرحي.
ما الفرق بين واقع المسرح في أسوان وواقع المسرح في القاهرة؟
هناك فارق كبير، في القاهرة، توجد بنية تحتية مسرحية متكاملة، مثل المسرح الجامعي والمدرسي، ما يعني توفر كوادر شابة تمتلك تدريبًا وتأهيلاً جيدًا، أما في أسوان، نبدأ في كل مرة من الصفر مع الفرق، وهو أمر مرهق جدًا بالنسبة لنا كمخرجين، إضافة إلى ذلك، المسرح في القاهرة يحظى بدعم مادي أكبر بكثير مقارنة بما نحصل عليه هنا في الجنوب، وهو ما ينعكس على مستوى الإنتاج والقدرة على الاستمرار.
كيف ترى تطور المشهد المسرحي في الجنوب؟
المشهد المسرحي في جنوب الصعيد يعاني من غياب الدعم الحقيقي، نحن نعتمد بشكل كامل على مجهوداتنا الشخصية، سواء في حضور الورش أو تطوير أنفسنا ذاتيًا، أتمنى أن تُعيد وزارة الثقافة النظر في هذا الأمر، وأن تُنظم ورشًا تدريبية داخل الإقليم نفسه بدلًا من الاعتماد فقط على العاصمة.
كما أطالب بتكثيف التعاون بين الوزارة ووزارة التربية والتعليم لتفعيل المسرح المدرسي، حتى نُنشئ جيلًا مهيأً فنيًا منذ الصغر.

ما أثر البيئة الأسوانية على خيالك كمخرج مسرحي؟
أسوان بيئة تتمتع بالهدوء، والوقت فيها يمر ببطء، وهذا يمنحني مساحة أكبر للتأمل والتفكير، أعتقد أن هذا الهدوء يفتح خيالًا أوسع مقارنة بالمناطق المزدحمة التي تسرق التركيز، المشهد الطبيعي والنيل والجغرافيا المحيطة، كلها عناصر تلعب دورًا في تشكيل رؤيتي الإخراجية.
هل يعكس المسرح في أسوان قضايا الجنوب؟
ليس دائمًا، أحيانًا تُقدم عروض لا تتماشى مع ثقافة الجمهور المحلي، وتُقابل بالرفض أو عدم الفهم، على سبيل المثال، قدمت يومًا مسرحية لـ"شكسبير"، ولم يتفاعل معها الجمهور بالشكل المتوقع، من هنا تعلمت ضرورة أن يتماشى النص مع بيئة المتفرج وثقافته، حتى يكون التواصل أصدق.