محمد بدري: حماية التراث تفتقد الدعم والاستراتيجية الحكومية

محمد بدري خلال حواره مع عين الأسواني

Written By يارا سليمان - إسراء عبد المنعم
2025-05-05 15:47:44

بين سطور الرمال الذهبية وصفحة النيل السمراء، تنبض أرض أسوان بتراث لا ينضب، يحكي قصص الشعوب التي عاشت هناك منذ آلاف السنين، لتترك تراثًا ثريًا.

 حول هذا التراث العريق، وجهود صونه للأجيال القادمة، وفي يوم التراث العالمي الأفريقي كان لـ"عين الأسواني" هذا الحوار مع الباحث المصري النوبي "محمد بدرى"، أحد أبناء أسوان المهتمين بتوثيق الفنون الشعبية، والذي حدثنا عن فيلمه الذي تناول لعبة "شد أمبيب"، آلة السمسمية، وألعاب الكف، وعادات الرماحة، كاشفًا عن التحديات التي تواجه حفظ هذا التراث في العصر الحديث.

يعمل "بدري"، رئيسًا لمكتب التموين الجديد، بقرية عدوة بكوم أمبو، وهو متخصص في توثيق التراث الشعبي والفنون التقليدية في أسوان، لا يقتصر نشاطه على التوثيق فقط، بل يمتد إلى إحياء وحفظ الفنون المنسية مثل الموسيقى والآلات الموسيقية القديمة كالسمسمية والطنبور، وكذلك الألعاب الشعبية مثل لعبة الكف ولعبة شد امبيب، وعادات الرماحة، ساعيًا إلى إعادة دمجها بالحياة الثقافية المعاصرة، يتولى مهمة جمعه و يسعى من خلال مشروعاته إلى توثيق هذا التراث، وزيادة الوعي بقيمته لضمان انتقاله للأجيال القادمة، مؤكدًا أن حماية التراث ليست رفاهية بل ضرورة للحفاظ على هوية المجتمع النوبي.

في  البداية متى وكيف بدأت رحلتك مع توثيق التراث؟

لا أستطيع تحديد لحظة بعينها، لكن البداية الحقيقية جاءت حين عشت فترة في القاهرة، وشاهدت تجمعات النوبيين هناك، الذين كانوا يحاولون إعادة إحياء طقوسهم وعاداتهم بعيدًا عن الوطن، تراكمت هذه الملاحظات في ذهني، ومنذ منتصف التسعينات حوالي 1996، بدأت أنظر إلى التراث ليس فقط بعين ابن البلد، لكن كأحد يريد توثيقه علميًا ويحافظ عليه للأجيال القادمة، كان لدي إحساس قوي إن هذا التراث معرض للضياع لو لم يوثق بالشكل السليم. 

هل خضت تجربة أكاديمية لدراسة التراث؟

نعم، عندما شعرت بمدى أهمية التراث، التحقت بأكاديمية الفنون قسم الفنون الشعبية عام 2000، رغبةً في دراسة التراث بشكل علمي ومنهجي، ولكن لم أتمكن من الاستمرار بسبب ظروف التعيين والانتقال للعمل في أسوان رغم ذلك، لم ينقطع اهتمامي، بل استمريت في التعلم الذاتي والتطوير الميداني، وعملت بعدها مع مؤسسات أكاديمية لدعم مجهودي الشخصي، وايضا تطور لاحقًا عبر التعاون مع شخصيات أكاديمية بارزة، حيث ساعدني هذا التعاون على العمل بشكل أكثر تنظيماً في توثيق التراث المحلي.

 

كيف تطور اهتمامك بالتراث مع مرور الوقت؟

تطور اهتمامي أكثر بعدما تعرفت على الدكتور رضوان عبد الراضي، وكيل كلية الآثار بجامعة أسوان، الذي أسس "مركز حضارة وتراث أسوان بـ جامعة أسوان"  من خلاله، استطعت الانخراط أكثر في مشاريع توثيق التراث بشكل علمي ومنظم، بدأنا نحصر العادات، الألعاب، والموروثات الثقافية الخاصة بأسوان،ليس فقط عبر الحكي، لكن أيضا بالتسجيل المصور والدراسات الميدانية وهذا ساعدني بأن أوسع مجال رؤيتي للتراث ككيان ليس فقط ماضي يختفي.

 

حدثنا عن  لعبة "شد امبيب"؟

لعبة "شد امبيب" واحدة من أقدم الألعاب الشعبية النوبية، وهي لعبة جماعية تنافسية تلعب بين فريقين، كل فريق يتكون عادةً من 5 أو 6 لاعبين المهم ان يكون متساوي تعتمد اللعبة على القوة البدنية، والذكاء الجماعي، وروح الفريق في منتصف الساحة، يحاول "العرسة" -وهو اللاعب المحوري- لمس هدف ما (مثل حائط أو عمود) مستخدمًا يدًا ورجلًا واحدة فقط، بينما يدافع إحدي الفريقان عنه و الآخر يحاول تعطيله. وإذا نجح بتعطيل العرسة ، يخسر فريقه نقاطاً. 

"العرسة" في لعبة شد امبيب هو اللاعب الذي يحظى بحماية خاصة من فريقه للوصول للهدف، وهو لا يعتمد علي القوة البدنية بل يعتمد على سرعة البديهة والمهارة في التنقل دون فقدان السيطرة . يجب على الفريق أن يحمي العرسة طوال مدة اللعب، وفي حال فقد السيطرة أو تم إسقاطه، يخسر الفريق، العرسة هو رمز الذكاء والخفة في اللعبة، مقابل القوة العضلية المباشرة لبقية الفريق.

يمكن تشبيه شد امبيب  بكرة القدم الأمريكية من حيث التشابك والقوة البدنية، لكن بدون كرة وأقل عنفا وبطابع نوبي أصيل. 

 

هل لتلك اللعبة  طرق مختلفة للعب؟

نعم، يوجد أكثر من طريقة للعب "شد امبيب"الطريقة الأولى: وجود "العرسة" كلاعب رئيسي، يحاول الوصول للهدف،الطريقة الثانية بدون "عرسة"، مجرد شد وجذب جماعي بين الفريقين، الطريقة الثالثة مصارعة مباشرة بين اللاعبين حتى يظل آخر لاعب صامد.

الطريقة الرابعة (ابتكاري الشخصي): أضفت كرة للعبة، بحيث يكون التحدي ليس فقط في الشد، ولكن أيضاً في التنقل بالكرة والوصول للهدف، بهدف جذب انتباه الأجيال الجديدة وزيادة التشويق مع الحفاظ على جوهر اللعبة الأصلي.

 

لماذا طورت اللعبة بالكرة؟

لأن التراث يجب أن يواكب الزمن ويتطور بدون فقدان جوهره.

أضفت عنصر الكرة لأجل خلق حماس أكثر عند الشباب، وتناسب روح العصر الذي أصبح معظمه يهتم بالألعاب الرياضية التي فيها حركة وتحدي واضح.

التغيير كان محسوب، بهدف الإبقاء على التراث حي وقادر على الانتشار ليس فقط داخل أسوان ولكن في محافظات أخرى أيضا.

 

 هل انتشرت اللعبة؟

للأسف، اللعبة منتشرة بشكل محدود جدًا داخل بعض قرى أسوان مثل العدوة كوم أمبو وبعض القرى النوبية لكن مع تطور التكنولوجيا وانشغال الأجيال الجديدة بالألعاب الإلكترونية، بقيت اللعبة مهددة بالاندثار.

الذي نحاول عمله الآن هو إعادة تقديمها بطريقة تناسب العصر، سواء عبر تصويرها في أفلام أو تنظيم فعاليات رياضية خاصة بها.

 

غير الألعاب، هل اهتممت بتوثيق أشياء أخرى من التراث؟

بالطبع، اهتممت أيضا بتوثيق الغناء الجعفري المرتبط بالمناسبات الدينية،أغاني السيدات الخاصة بالافراح والمناسبات الاجتماعية، المأكولات الشعبية الخاصة بأهل أسوان والنوبة، العادات والتقاليد المرتبطة بالأفراح، السبوع، والمناسبات القبلية،العروض الصوفية وزفة العرسان التقليدية.

وهدفي ليس فقط توثيق الظاهر، لكن أيضا تفسير المعاني والرموز التي وراء كل عادة أو أغنية. 

 

حدثنا عن الفيلم الذي شاركت به في مهرجان أسوان الدولى لأفلام المرأة؟

الفيلم وثائقي بعنوان "شد امبيب"، وهو أول عمل توثيقي من نوعه يجمع بين البساطة الميدانية والأسلوب السينمائي الحديث.

صورنا الفيلم خلال يوم واحد بقرية العدوة بكوم امبو، والذي ساعدنا اننا جهزنا الشباب قبلها بتدريبات عملية خلال ملتقى التراث العربي بأسوان في شهر فبراير الماضي.

الفيلم قدم مشاهد حية للعبة شد امبيب، وبعض الأغاني المصاحبة للعبة، وشرح بصري مبسط لقواعد اللعبة وتاريخها وسيعرض فى مهرجان أسوان الدولى لأفلام المرأة خلال فترة 2 إلى 7 مايو .

 

من هم أبطال الفيلم؟

شارك في الفيلم مجموعة مميزة من أبناء القرية، منهم مكة عبد اللاه الرائدة الريفية  التى كرمها الرئيس عبد الفتاح السيسي سنة 2022، الدكتور رضوان عبد الراضى (أحد الداعمين لمشروع التوثيق)

وعدد من الأطفال والشباب اللي تم تدريبهم خصيصًا لعرض اللعبة بالشكل التقليدي كان هدفنا تقديم أجيال مختلفة، كبار وصغار، لإظهار استمرارية التراث عبر الزمن.

 

ما هي الرسالة التي تريد توصيلها من الفيلم؟

رسالتي كانت ولازالت توثيق لعبة "شد امبيب" وحمايتها من الاندثار، إعادة إحياء الألعاب الشعبية كجزء من الهوية الثقافية الأسوانية والنوبية.

الحلم الأكبر تأسيس اتحاد رياضي خاص بلعبة شد امبيب، وتنظيم بطولات محلية وإقليمية لها، حتى تصل للعالمية مثل كثير من الرياضات  الكونغ فو ، وكرة القدم وغيرها.

نريد من التراث ليس فقط العيش، لكن أيضا التطور والمنافسة وحجز له مكان في وجدان كل الأجيال الجديدة.

 

ماذا عن مشاركته في مهرجان أفلام المرأة؟

كانت تجربة فارقة، مهرجان أفلام المرأة هو أحد الفرص القليلة التي تتيح للباحثين عرض أعمالهم التراثية في منصة محترمة وجاذبة عبر فيلم "شد امبيب" استطعت إيصال رسالة واضحة أن التراث الأسواني حيّ ويستحق أن يُحتفى به ويدعم هذه المشاركة كانت وسيلة لإبراز ثقافتنا بشكل عالمي، في ظل غياب الاهتمام المحلي الكافي

ما هى الصعوبات التى واجهتك أثناء تصوير فيلم شد امبيب؟

 أبرز التحديات التي واجهتني كانت تجميع المشاركين في وقت واحد يناسب كل ظروفهم المختلفة.

تنظيم الأداء أمام الكاميرا خصوصًا إن المشاركين ليسوا محترفين، وهذا يحتاج تدريب خاص على التحرك الطبيعي امام التصوير.

بالإضافة تدريب الفتيات على الغناء الشعبي بدون إحساس بالإحراج، خاصةً إن الثقافة التقليدية أحيانًا تحكم على غناء البنات بشكل حساس ،الإمكانيات التقنية المحدودة، حيث اعتمدنا على معدات بسيطة وإضاءة طبيعية رغم هذا كله، النتيجة كانت مشرفة جدًا مقارنة بالإمكانيات المتاحة.

 

حدثنا عن آلة السمسمية وأصلها؟

السمسمية هي تطور مباشر لـ آلة الطنبور النوبية القديمة. في الأصل كانت آلة الطنبور خماسية الأوتار، مستخدمة في أسوان وشمال السودان عند حفر قناة السويس(خصوصًا عند قبائل الدناقلة)، أخذ النوبيون الطنبور معهم إلى مدن القناة وهناك، اندمجت الآلة مع الثقافات المحلية وتطورت لتصبح السمسمية كما نعرفها اليوم، مع زيادة عدد الأوتار وتعديل الصوت.

تصنع السمسمية من خشب محلي (عادةً من شجر التمر الهندي)، وتثبت عليها أوتار معدنية أو أمعاء حيوانية مشدودة بإحكام لإنتاج صوتها المميز. رغم انتشارها في مدن القناة، تحتفظ السمسمية بجذورها النوبية الأصيلة، تصنع عادةً من أخشاب محلية، وتتميز بصوتها الدافئ، معبرة عن الحنين والغربة في آن واحد.

 

ماذا عن فن "الكف"؟

فن "الكف" هي نموذج حي للفلكلور الشفهي النوبي. يعتمد الفن على تحديات غنائية وشعرية مباشرة بين الأشخاص، حيث يتبارى فيها الأشخاص عبر إطلاق مقاطع غنائية مرتجلة بنفس الوزن والقافية، ويحاولون الرد بنفس الوزن والقافية دون تحضير مسبق. لا يستخدم ذلك الفن أدوات موسيقية، بل تعتمد على الإيقاع الناتج من التصفيق والأداء الصوتي. يعتبر فن الكف وسيلة لتنمية الذكاء اللغوي والارتجال الفني، كما أنها تعزز الروابط الاجتماعية داخل المجتمع النوبي.

 

 ما هي الصعوبات التي تواجهها في توثيق التراث الأسواني؟

 يعاني المشهد التراثي الأسواني من نقص الدعم المؤسسي، وغياب الاستراتيجيات الحكومية الفاعلة. تعتمد معظم مشاريع التوثيق على جهود فردية أو مبادرات صغيرة تكافح للبقاء، وقصور الثقافة في أسوان تفتقر إلى الإمكانيات الحقيقية لدعم التراث الشعبي. أغلب المبادرات التي نراها تأتي من أفراد متطوعين أو مشاريع صغيرة لا تجد دعمًا رسميًا. قدمنا مطالبات بإنشاء بيوت للتراث النوبي، لكن لم تجد قبولًا حتى الآن، السينما والمهرجانات الثقافية تساعد، لكنها وحدها لا تكفي. نحتاج إلى تدخل حكومي ومنظمات غير ربحية لدعم هذه المشاريع بشكل ممنهج ومستدام.

ما أهمية السينما في حفظ وتوثيق التراث؟

السينما ليست مجرد وسيلة ترفيه، السينما هي ذاكرة بصرية للأجيال، حين نوثق لعبة، مهرجان، أو طقس معين، فإننا نخلق جسرًا بين الماضي والمستقبل، السينما لا تحفظ المشهد فقط، بل تحفظ الروح، الصوت، والإحساس بالمكان والزمن، من خلال الأفلام الوثائقية، نستطيع أن نعيد إحياء الفلكلور وغرس الوعي الثقافي في عقول الأجيال الجديدة، بصورة مشوقة وحيوية تتجاوز الأساليب التقليدية في التعليم والتوثيق. 

 

حدثنا عن الألعاب التراثية التي قاربت على الاندثار؟

للأسف، كثير من الألعاب التراثية اندثرت أو على وشك الاختفاء، مثل "بجارة هوش"، "المسألة"، و"السرية". كانت هذه الألعاب أدوات اجتماعية لنقل القيم والتقاليد، ووسيلة تواصل اجتماعي وتعليم غير رسمي للأجيال، لكنها اليوم تتلاشى مع غياب التوثيق والاهتمام المجتمعي، وابتعاد الجيل الجديد عن الموروث الشعبي. 

 

ما هي الفعاليات الدورية لإحياء التراث؟

رغم التحديات، لا تزال بعض الفعاليات مستمرة، مثل الرماحة، الذكر الصوفي، ولعبة العصاية التي تنتقل بين القرى شهرياً. كذلك تُقام فعاليات رياضية ثقافية مثل صباحيات السباق، التي تمزج بين الرياضة والتراث، وتحافظ على نبض الثقافة الأسوانية حياً في القرى والمجتمعات المحلية.

التراث الأسواني بحر واسع، لكنه للأسف يحتاج إلى مزيد من التوثيق والدعم المؤسسي ليبقى حيًا.

 

ما هي رسالتك حول أهمية الحفاظ على التراث؟

التراث ليس مجرد ماضي يُحكى، بل هو جزء حي منا التخلي عنه يعني التخلي عن الجذور التي تحدد وجودنا، التراث هو هويتنا وذاكرتنا. إذا فقدنا تراثنا، فقدنا جزءًا كبيرًا من أنفسنا. يجب أن نتطور مع العصر، ولكن دون أن نتخلى عن جذورنا. المحافظة على التراث ليست ترفًا، بل ضرورة لضمان استمرارية وجودنا الثقافي. والأمل موجود طالما أن هناك أناسًا يحبون تراثهم ومستعدين للتضحية من أجله.