كانت أمواج النيل تتراقص خلف الباخرة المغادرة، بينما العيون تلاحق مشهد الوداع الأخير لقُرى ستغمرها المياه إلى الأبد. فوق سطح تلك السفينة العابرة، كان مصطفى البسري، الفتى ذو السادسة عشرة من عمره، يثبّت نظره إلى الخلف، يحاول أن يحفر تفاصيل قريته في ذاكرته قبل أن تختفي تحت فيضان التعلية الثانية لخزان أسوان، ثم لاحقًا مع بناء السد العالي.
يحكي مصطفى، ابن قرية نجع الطيباب وعضو الاتحاد النوبي بأسوان، بشجن: "يا حمام الوادي، بقينا مثلك، تركنا أوطاننا وسرنا في طريقنا".. هكذا كانوا ينشدون على ظهر السفينة، يشبهون حالهم بالطيور المهاجرة التي أجبرت على هجر أعشاشها.

وفي اليوم العالمي للرقص، التقى عين الأسواني بـ"مصطفى بسري"، أحد النوبيين المهجرين من مدينة حلفا العام 1932، الذي تحدث عن ارتباط الرقص بالثقافة النوبية، في زمن كانت فيه الأرض والنيل والأنغام والرقص نسيج حياة متكامل.

كيف كان ارتباط الرقص بالثقافة النوبية قديمًا؟
كان الرقص في النوبة نوعًا من التعبير الأصيل عن المشاعر، سواء في الفرح أو الحزن، في مناسبات الفرح، كالأعراس والحج والمولد النبوي، كان الرقص والغناء حاضرَين بقوة، أما في أوقات الحزن، مثل الجنازات، فكنا نودع أحبابنا بإلقاء الشعر وذكر محاسنهم مع تمايل خفيف جهة اليمين واليسار.
ومع التهجير وتفرق أبناء العائلة الواحدة بين القرى والمدن المختلفة بسبب الفيضانات، خفّت بعض هذه العادات، خاصة مع ابتعادنا عن النيل الذي كان يمثل بالنسبة لنا روح هذه التقاليد، ومع ذلك، لا يزال البعض متمسكًا بها رغم تراجع مدة الاحتفالات؛ بينما كانت الأعراس تستمر خمسة عشر يومًا قديمًا، أصبحت اليوم تقتصر على أربعة أيام أو أسبوع على الأكثر.

ما المناسبات التي كانت تقام فيها الرقصات النوبية؟
كانت حفلات الزفاف آنذاك مناسبات كبرى تمتد لخمسة عشر يومًا ولها شكل مختلف، تبدأ بـ"يوم الكاسكاتي"، حيث يتم قلي البيض لعشاء الشباب الحاضرين، ثم يوم "الحمام"، حينما يذهب العريس والعروس إلى النيل ويلقيان فيه الحمام واللبن إيمانًا بأن ملائكة النيل تتناوله، ويأخذان وعاءً من ماء النيل لرشه حول المنزل تبركًا، ثم يوم الحنة ويوم نقل جهاز العروس إلى بيت الزوجية، وأخيرًا يوم الزفة حيث يقوم العروسان بزيارة أضرحة الشيوخ المشهورين بالقرى مثل الشيخ الرشيدي وسيد إبراهيم والشيخ عمران والشيخ عمان، وإشعال الشموع والبخور.
وأثناء السير كانت الطبول والإنشاد ترافق الجميع، وعند المرور أمام منازل أعمام أو أخوال العروس، يتوقف الموكب للغناء والرقص تحيةً لهم، إلى جانب هذه المناسبات، كانت هناك احتفالات بالسبوع، ومواسم الحصاد، والمناسبات الدينية كالمولد النبوي الشريف، وكذلك احتفالات الخطوبة.

ما الآلات الموسيقية التي كنتم تستخدمونها في المناسبات؟
كنا نعزف ألحانًا خماسية على آلة الطنبورة، ونستخدم الطبول والدفوف وآلة الطنبورة، وجميعها تُصنع يدويًا من جلود الحيوانات كالماعز، الناس يشاركون بعضهم البعض دون مقابل مادي، أما اليوم، دخلت الأجهزة الحديثة وانتشرت الفرق الغنائية مقابل أجر.
ما هي أسماء الرقصات النوبية القديمة وكيف كانت تؤدى؟
هناك رقصة "الأراجيد" من الرقصات التي ما زالت مستمرة حتى اليوم، حيث يصطف الرجال والنساء في صفين متقابلين على شكل نصف دائرة، ويتحركون بتناغم يمينًا ويسارًا، ممسكين بأذرع بعضهم.
ورقصة "الوسطانية أو الشيلة"، كانت تؤديها النساء عند نقل جهاز العروس، حيث يصطففن في نصف دائرة ويتحركن للأمام والخلف وهن ممسكات بأيدي بعضهن، أما رقصة الكف، كانت مخصصة للرجال، حيث يشكلون حلقة دائرية بينما يقف العازف حاملًا سيفًا أو حربة.
ورقصة "فرى"، تتكون من صفين، أحدهما للرجال والآخر للنساء، مع فتاتين ترقصان في الوسط، ورقصة "النجرشاد"، يصطف فيها الشباب نصف دائرة وتكون الفتيات في المنتصف، مع غناء المواويل والتصفيق، ورقصتا "البلاجة والدلوعة"، وكانت تؤدى بين فترة الخطوبة والزفاف، بإيقاع أبطأ، وبصفين منفصلين للرجال والنساء، وأخيرًا رقصة "الكاربج"، وكانت تؤديها الفتيات خلال موسم حصاد المحاصيل.

وهل لا تزال هذه الرقصات موجودة حتى اليوم؟
للأسف مع التهجير، تبدلت حياة النوبيين كثيرًا واختفت العديد من العادات، حتى اقتصرت بعض الرقصات على حفلات الزفاف، التي تقلص عدد أيامها مقارنة بالماضي.