تقلّص مستمر.. الاستثمار يزيح الغلابة من شاطئ بورسعيد

تصوير: مؤمن مسعد - صورة للمصطافين بشاطئ بورسعيد

كتب/ت مؤمن مسعد
2025-09-18 16:00:24

تسترجع رحمة منصور، 45 عامًا، ربة منزل من سكان حي الزهور في بورسعيد، ذكريات صيفها القديم على شاطئ المدينة حين كانت طفلة صغيرة والبحر المتنفس الوحيد لها ولأسرتها، تجتمع العائلة كل جمعة على الشاطئ، ويشكل ذلك طقسًا ثابتًا في حياتهم.

كانت رحمة تساعد والدتها في تجهيز الطعام، ومع أذان الفجر يحمل كل فرد كرسيه الخشبي، ويقضون اليوم كله على الشاطئ مجانًا، مستمتعين بالبحر والهواء دون أي مصاريف.

الاستثمار شاطئ بورسعيد

لكن اليوم، لم تعد رحمة تجد مساحات واسعة أو خالية في الشاطئ العام كما كانت تفعل: "حاليًا الوضع مختلف أنا أم لثلاثة أطفال وعشان فرحة أولادي بكون مضطرة أنزل مرة كل أسبوعين أو حتى تلاتة، عشان التكاليف ضخمة، الشمسية والكرسيين يعدوا 150 جنيه ده غير المشروبات أو أي طلبات من الكافيهات اللي واخدة الشاطئ".

على مدى عقود طويلة، ظل شاطئ بورسعيد متاحًا للجميع بلا حواجز، لا يميّز بين عام أو خاص، وكان البحر متنفسًا طبيعيًا لكل الأهالي بحرية تامة دون أي تكاليف أو عوائق.

لكن المساحة المتاحة للرفاهية المجانية على الشاطئ بدأت تتقلص تدريجيًا منذ عام 2020، مع توسع القرى السياحية والكافيهات الخاصة التي أخذت تسيطر على امتداد الشاطئ، هذا التقلص ضيّق فرص العامة في الاستمتاع بالبحر بحرية، وانتقص من مساحات الترفيه المخصصة للفئات البسيطة.

في فبراير 2020 أعلن اللواء عادل الغضبان، محافظ بورسعيد آنذاك، عبر الصفحة الرسمية للمحافظة، عن إنشاء أربعة منشآت سياحية خاصة مطلة على شاطئي بورسعيد وبورفؤاد، من بينها منتجع فاخر استحوذ على 90 فدانًا من الشاطئ، وقرية سياحية على مساحة 95 ألف متر مربع، إضافة إلى فندق وقريتين أخريين، مما أسهم في تقليص المساحات المتاحة للعامة للاستمتاع بالشاطئ بحرية.

بين الماضي والحاضر.. تقلص المساحة

يمتد شاطئ بورسعيد على طول ساحل البحر المتوسط لمسافة تقارب 7.3 كيلومترات، بحسب قياسات أجرَتها "البورسعيدية" في جولة ميدانية إلى جانب استخدام برنامج "خرائط جوجل"، يتفاوت عرض الشاطئ نفسه بين 30 و120 مترًا، بدءًا من غرب قناة السويس ومرورًا بأحياء "الشرق، العرب، المناخ، والزهور".

ووفقًا للجولة الميدانية، تبين أن المساحة المجانية المتاحة على الشاطئ لا تتعدى 200 متر في الجهة اليمنى، نتيجة التغيرات التي شهدها شاطئ بورسعيد خلال السنوات الأخيرة، حيث أن المساحات المتبقية يسيطر عليها عدد من الكافيهات والمنتجعات السياحية الخاصة، فيما يظل الاستثناء الوحيد متمثلًا في شريط محدود لا يتجاوز كيلومترًا ونصف الكيلومتر حسب بيانات "خرائط جوجل".

الاستثمار شاطئ بورسعيد

ويجاور الشاطئ كورنيش مخصص للمشاة وركوب الدراجات، يتراوح عرضه بين 6 و25 مترًا فقط، تليه مباشرة سلسلة من المباني السكنية والسياحية المطلة على البحر، هذه المساحة المحدودة تبدو ضئيلة إذا ما قورنت بعدد سكان بورسعيد، البالغ نحو 798 ألفًا و402 نسمة حتى يناير 2025.

في هذه المنطقة المحدودة، يُسمح للجمهور باستخدام الكراسي الخشبية والمظلات الخاصة بهم بحرية، بعيدًا عن الرسوم الإلزامية، ولكنها تظل منطقة تفتقر إلى أي نوع من الخدمات أو المرافق المساندة، مما يقلص تجربة الاستمتاع بالشاطئ مقارنةً بالماضي.

أما في الشواطئ التابعة للقرى السياحية، يبلغ سعر تذكرة الدخول وحدها نحو 250 جنيه للفرد، تضاف إليها رسوم على المشروبات والطعام، أما في الجزء العام المتبقي من الشاطئ، فلا تُفرض تذكرة دخول، غير أن الجلوس مشروط باستئجار المظلات والكراسي من الكافيهات المنتشرة هناك، بأسعار تتراوح بين 30 و100 جنيه للكرسي والمظلة.

ملكًا لمن يدفع أكثر

إزاء ذلك، تتقلص خيارات إسلام عوض، 35 عامًا، موظف حكومي من بورسعيد، إذ يرى أن الشاطئ في وضعه الحالي أصبح ملكًا لمؤجري الشماسي والكافيهات من جهة، والشواطئ مرتفعة الثمن التابعة للقرى السياحية من جهة أخرى، حيث تُقصر هذه الأخيرة خدماتها على زبائنها فقط وترفض جلوس أي أسرة أو السماح بوضع مظلات في نطاق الأراضي المؤجرة لها. 

يحكي إسلام عن أحد المواقف التي غيّرت نظرته للبحر: "في مطلع يوليو الماضي قررت آخد أسرتي المكونة من مراتي وبناتي الاتنين أعمارهم عشر سنين، وندخل شاطئ تابع لإحدى القرى السياحية، تفاجأت إن سعر التذكرة 200 جنيه للفرد، وحتى البنات كانوا محسوبين أفراد كاملة، والتذكرة دي مجرد دخول، من غير أكل أو شرب، ومع منع كامل إننا نجيب أكل أو عصير معانا، وقتها اضطريت أسيب المكان، لأن التكلفة كانت خيالية بالنسبة لأسرة عايزة تقضي يوم عادي على البحر".

ويضيف عوض: "من يومها بقى عندي نفور من نزول بحر، بعكس زمان، لما كان البحر متاح للجميع من غير قيود ولا أسعار مبالغ فيها".

ما يحدث مع إسلام ورحمة، يخالف نص المادة 32 من الدستور المصري لسنة 2014: "الموارد الطبيعية ملك للشعب، وتلتزم الدولة بالحفاظ عليها وحسن استغلالها بما يراعي حقوق الأجيال القادمة".

يؤكد ذلك، الدكتور الحسين حسان، خبير التنمية المحلية: "الشاطئ في الأساس يُصنف كملكية عامة، والقوانين المصرية تُلزم بالموازنة بين حق المستثمر في إدارة الشاطئ وتطويره، وحق المواطن في الوصول إليه بما يتناسب مع مستوى دخله".

ويضيف لـ"البورسعيدية": "عندما نتحدث عن بورسعيد، أول ما يتبادر إلى الذهن هو البحر، فهو متنفس لأبناء المدينة، وحرمانهم من هذا الحق يُعد شكلًا من أشكال التمييز الاجتماعي بين القادر وغير القادر".

فيما يشير حرمان البعض من هذا الحق إلى وجود فجوة طبقية واضحة في إمكانية الاستمتاع بالبحر، وفقًا للدكتورة هدى كريم، الخبيرة الاجتماعية، التي توضح لـ"البورسعيدية" أن الدخول أصبح مقتصرًا على من يستطيع دفع تكاليف مرتفعة، بينما يجد الكثيرون أنفسهم محرومين من الوصول إلى مساحة كانوا يعتبرونها ملكًا عامًا. 

وبهذا التحول، لم يعد الشاطئ رمزًا للمساواة والانفتاح، بل أصبح يعكس الامتيازات الطبقية، بعد أن كان في الماضي ساحة اجتماعية جامعة تُذيب الفوارق بين الأسر والأطفال والشباب، وفقًا لها.

من متعة إلى رفاهية مشروطة

يتسق هذا الطرح، مع تقرير أصدرته مؤسسة الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية والاجتماعية (غير حكومية)، في مارس 2024، كشف  أن 43.9% من طول الشاطئ -بما يعادل أكثر من 2.2 كيلومتر- يشكّل حجبًا مباشرًا لرؤية البحر، بينما لا تتجاوز المساحات المفتوحة 56.1%. 

الاستثمار شاطئ بورسعيد

وأظهر المسح أن الكافيهات وحدها تستحوذ على 75.2% من الامتداد الحاجب، في مقابل 8% لقاعات الحفلات، و4.6% للمنشآت الرياضية، إلى جانب نسب أقل لمناطق لا تزال تحت الإنشاء أو غير محدد استخدامها.

الاستثمار شاطئ بورسعيد

كما أوضح التقرير أن 80.6% من طول الشاطئ يقع تحت سيطرة مشروعات خاصة مؤجرة بنظام حق الانتفاع، مقابل 18.7% فقط متاح للعامة.

الاستثمار شاطئ بورسعيد

تنعكس هذه المساحة المحدودة على أسرة سمر كامل، 38 عامًا، أم لطفلتين من حي العرب: "أنا بحب أروح البحر عشان خاطر بناتي، لكن عندي مشكلة كبيرة مع أصحاب الكافيهات بسبب جشعهم؛ الرسوم ارتفعت بشكل كبير، وفي المقابل الخدمات سيئة، بقايا الأكل مرمية في كل مكان، والمساحة المتاحة لينا صغيرة".

تضيف: "أنا وجوزي بنأجر شمسية وكراسي، ولما بنيجي آخر اليوم نغير هدومنا في حمام الكافية يرفضوا، ويطلبوا فلوس زيادة، رغم إن ده أبسط حقوقنا لأنه شاطئ عام، المسؤولين مبيفكروش في الغلابة اللي زينا، كل تفكيرهم في رواد القرى السياحية وإحنا نتحرم من الشاطئ".

حرمان سمر ورحمة وغيرهم من الشواطئ العامة، يفضي إلى حالة من الاحتقان الاجتماعي، وفق الدكتورة هدى: "ينعكس ذلك على الشباب والعلاقات الاجتماعية، فكلما قلت مساحات الترفيه زادت السلوكيات السلبية مثل الاتجاه للمقاهي أو ضعف الإحساس بالانتماء للمدينة".

تظهر آخر مؤشرات بحث الدخل والإنفاق لعام 2020 أن الأسر المصرية تخصص نحو 2.3% فقط من متوسط إنفاقها السنوي للثقافة والترفيه، وبما أن متوسط الإنفاق السنوي للأسرة يقارب 63 ألف جنيه (1285 دولارًا)، فإن ما يُنفق على الترفيه لا يتجاوز في المتوسط 30 دولارًا سنويًا للأسرة، وفق مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار.

في المقابل، يتجاوز متوسط إنفاق الأسر في المملكة العربية السعودية على الثقافة والترفيه 1300 دولار، أي ما يقارب 43 ضعف ما تنفقه الأسر المصرية، بحسب تقرير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط.

الاستثمار شاطئ بورسعيد

وهنا يشدد حسان على ضرورة وجود تخطيط عادل لإدارة الشواطئ يضمن حق الأفراد في الترفيه والوصول إلى المساحات العامة، مستشهدًا بتجارب دولية يمكن الاستفادة منها: "في تركيا تُلزم الدولة الفنادق والمنتجعات المطلة على البحر بترك مساحات وصول مجانية للجمهور، وهو نموذج يمكن تطبيقه في مصر لضمان عدالة الاستفادة".

بينما تؤكد الدكتورة هدى، الخبيرة الاجتماعية، أن الأمر لا يتطلب وقف الاستثمارات، بل وضع قواعد ملزمة تحقق التوازن، مثل فرض رقابة على أسعار الخدمات، والتوسع في تجهيز مساحات عامة لائقة، مع إشراك المجتمع المحلي في خطط التطوير بدلًا من تهميشه.

تواصلنا مع الدكتور خالد قاسم، المتحدث باسم وزارة التنمية المحلية، للرد على تراجع المساحات العامة على شاطئ بورسعيد لصالح المستثمر، لكنه أفاد بأن الأمر يندرج ضمن اختصاص محافظة بورسعيد بصفتها الجهة التنفيذية المباشرة، بينما اللواء محب حبشي، محافظ بورسعيد رفض التعليق.

تظل خيارات سمر ورحمة وإسلام في الترفيه والاستمتاع بمساحة الشاطئ تتقلص أمام تمدد المستثمرين، ليجد كل منهم نفسه محاصرًا بقيود الأسعار وضيق المساحة وغياب البدائل.