"كنت متوقع أبيع الأردب بـ2500 جنيه، لكن بعد توقف التوريد الحكومي سعر السوق بقى حوالي 2000 جنيه"، يقول خالد أحمد، مزارع من قرية نجع الماسخ بمركز المراغة، بعدما وجد نفسه أمام فجوة كبيرة بين تكلفة زراعة فدان القمح والعائد الذي يمكن أن يحصل عليه من بيع المحصول هذا العام، في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج وانخفاض سعر القمح بعد انتهاء موسم التوريد الحكومي.
وانتهى موسم توريد القمح المحلي في محافظة سوهاج في 15 أغسطس 2026، بإجمالي كميات موردة بلغت نحو 190 ألف طن، وصرف مستحقات للمزارعين بقيمة 3.1 مليار جنيه، وفقًا لبيانات المحافظة. ومع انتهاء التوريد الحكومي، ينتقل جزء من التعامل على المحصول إلى السوق، حيث يتحدد السعر وفقًا لحركة العرض والطلب، ما ينعكس مباشرة على الإيراد الذي يحصل عليه المزارع.

خسائر الموسم
يزرع خالد فدانًا كاملًا من القمح، ويقدر تكلفة إنتاجه خلال الموسم الحالي بنحو 87 ألف جنيه، تشمل التقاوي والأسمدة والري والعمالة والآلات والحصاد والنقل وإيجار الأرض وغيرها من مستلزمات الزراعة، وفي المقابل، ينتج الفدان نحو 10 أرادب من القمح، إلى جانب نحو 14 حملًا من التبن.
وباحتساب سعر الأردب الحالي بنحو 2000 جنيه، ويبلغ وزن الأردب 150 كيلوجرامًا، تصل قيمة محصول القمح إلى نحو 20 ألف جنيه، بينما يقدر خالد قيمة التبن بنحو 28 ألف جنيه، ليصل إجمالي إيراد الفدان إلى نحو 48 ألف جنيه.

وبذلك، لا تغطي عائدات الفدان سوى نحو 55% من تكلفة إنتاجه المقدرة بـ87 ألف جنيه، ليسجل خالد خسارة تقديرية تبلغ نحو 39 ألف جنيه، في وقت كان يعوّل فيه على سعر أعلى للأردب لتعويض جزء من ارتفاع تكاليف الزراعة.
يعاني مزارعو القمح في سوهاج من ارتفاع تكاليف الزراعة مقابل انخفاض العائد من بيع المحصول هذا العام، بسبب انتهاء موسم التوريد الحكومي والانتقال إلى البيع في السوق. وتدفع هذه الفجوة بعض المزارعين إلى تحمل خسائر تهدد قدرتهم على الاستمرار في زراعة المحصول.
ويوضح محمود بكر، تاجر قمح بمركز المراغة، أن عدم توريد المزارعين كامل إنتاجهم للحكومة يرجع إلى عدة أسباب، من بينها تأخر حصاد بعض الكميات، أو عدم قدرة بعض المزارعين على نقل المحصول في المواعيد المحددة، إلى جانب اشتراط مطابقة القمح لمواصفات معينة لقبوله ضمن منظومة التوريد الحكومي.
ويشير إلى أن صعوبة النقل تمثل عاملًا مؤثرًا بالنسبة لبعض صغار المزارعين، في ظل تكاليف النقل والتحميل والتفريغ، وهو ما قد يجعل البيع للتاجر خيارًا أكثر سهولة، خاصة عندما يتولى التاجر نقل المحصول من مكانه.
وبحسب بيانات الإحصاءات الزراعية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت المساحة المزروعة بالقمح في محافظة سوهاج نحو 183 ألفًا و518 فدانًا خلال موسم 2023/2024، بإنتاج بلغ نحو 574 ألفًا و260 طنًا، إلى جانب نحو 3.49 مليون حمل من تبن القمح خلال الموسم نفسه.

ما بعد التوريد
ويربط الدكتور خالد عياد، أستاذ بمركز البحوث الزراعية، انخفاض السعر الذي يحصل عليه بعض المزارعين بعد انتهاء فترة التوريد الحكومي بزيادة المعروض من القمح مقارنة بالطلب، بعد استكمال الصوامع احتياجاتها خلال فترة التوريد بالسعر المحدد.

ويوضح عياد أن المزارعين الذين وردوا محاصيلهم خلال الفترة المحددة حصلوا على السعر المقرر، بينما واجه من تأخروا في التوريد سوقًا مختلفة بعد اكتمال احتياجات الصوامع، ما أدى إلى زيادة الكميات المعروضة وانخفاض السعر المتداول.
ويشير إلى أن زيادة المعروض مقارنة بالطلب تدفع الأسعار إلى الانخفاض، وهو ما يفسر تراجع السعر بعد توقف التوريد الحكومي، موضحًا أن ذلك لا يعني بالضرورة عزوف المزارعين عن زراعة القمح في الموسم المقبل، إذ يمكن للمزارع الاستفادة من السعر المقرر عند الالتزام بالتوريد في الموعد المحدد.
وفي المقابل، تكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن حجم النشاط الزراعي في المحافظة، إذ بلغت مساحة المحاصيل الحقلية في سوهاج نحو 621 ألفًا و498 فدانًا خلال موسم 2023/2024، بإنتاج بلغ نحو 5.87 مليون طن.
لكن خالد يشير إلى أن استمرار الفجوة بين تكلفة الإنتاج والعائد قد يدفعه إلى تقليص المساحة المخصصة لزراعة القمح أو استبدالها بمحصول آخر يحقق عائدًا أفضل.
وتتكرر الفجوة نفسها في مساحة أصغر، إذ يوضح هشام محمد، مزارع من قرية الجزازرة بمركز المراغة، أن تكلفة زراعة 10 قراريط من القمح تصل إلى نحو 36 ألف جنيه، مقابل إنتاج يقدر بـ4 أرادب من القمح ونحو 6 أحمال من التبن.
وتوقع هشام بيع الأردب بنحو 2500 جنيه، إلا أن انخفاض السعر إلى نحو 2000 جنيه خفض قيمة محصول القمح إلى نحو 8 آلاف جنيه، بينما يحقق التبن نحو 12 ألف جنيه، ليصل إجمالي الإيراد إلى نحو 20 ألف جنيه.
تكلفة مرتفعة
وبمقارنة الإيرادات بتكلفة الإنتاج، يسجل هشام خسارة تقارب 16 ألف جنيه، أي نحو 45% من إجمالي تكلفة زراعة المساحة: "إذا استمرت تكاليف الإنتاج في الارتفاع دون تحسن في سعر التوريد سأتجه إلى زراعة محصول آخر".
وتأتي زراعة القمح ضمن نشاط زراعي أوسع في محافظة سوهاج، إذ بلغت المساحة الإجمالية للخضر والمحاصيل الشتوية نحو 325 ألفًا و726 فدانًا، فيما بلغ إجمالي المساحة المحصولية بالمحافظة نحو 619 ألفًا و286 فدانًا خلال موسم 2023/2024، وفقًا لبيانات الإحصاءات الزراعية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
نفس الأزمة لدى يونس علي، مزارع من قرية الشيخ شبل بمركز المراغة، الذي يوضح حجم الفجوة بين تكلفة إنتاج القمح والعائد من بيعه، إذ يزرع 5 قراريط بلغت تكلفة زراعتها نحو 18 ألفًا و70 جنيهًا.
وتتوزع تكلفة زراعة المساحة، بحسب يونس، بين 1800 جنيه للآلات الزراعية، و1200 جنيه للري، و400 جنيه للمبيدات، و8 آلاف جنيه للإيجار، و3570 جنيهًا للأسمدة، و1000 جنيه للعمالة، و1200 جنيه للسماد العضوي، و900 جنيه للتقاوي.
وأنتجت المساحة نحو أردبين من القمح و3 أحمال من التبن، وكان يونس يتوقع بيع الأردب بنحو 2500 جنيه، إلا أن السعر انخفض إلى نحو 2000 جنيه، لتبلغ قيمة محصول القمح نحو 4 آلاف جنيه، فيما يحقق التبن نحو 6 آلاف جنيه، بإجمالي إيرادات يصل إلى 10 آلاف جنيه فقط.
وبمقارنة الإيرادات بتكلفة الإنتاج، يسجل يونس خسارة تقدر بنحو 8070 جنيهًا، أي ما يقارب 45% من إجمالي تكلفة الزراعة، كما أدى انخفاض سعر الأردب بمقدار 500 جنيه إلى تراجع إيراده من محصول القمح بنحو 1000 جنيه في المساحة التي يزرعها.
ومع استمرار هذه الفجوة، يعيد يونس حساباته للموسم المقبل، موضحًا أن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج دون تحسن في سعر القمح قد يدفعه إلى تقليص المساحة المزروعة أو الاتجاه إلى محاصيل بديلة.
هل يستمر المزارعون؟
وعن مصير القمح بعد انتهاء موسم التوريد الحكومي، يوضح بكر تاجر القمح، أن جزءًا من المحصول ينتقل إلى السوق الحرة، حيث يمكن للمزارع بيعه للتجار أو المطاحن وفقًا للكمية والجودة والسعر المتاح، بينما يعيد التاجر بيع الكميات للمطاحن أو لتجار آخرين.
ويؤكد أن انتهاء التوريد الحكومي لا يعني توقف تداول القمح، وإنما انتقال جزء من التعامل إلى السوق الحرة، التي يتحدد فيها السعر وفقًا لمستويات العرض والطلب وجودة المحصول وتكاليف النقل والتخزين والفرز.
وبحسب تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية، التي أوردتها الصفحة الرسمية لرئاسة مجلس الوزراء، يُتوقع ارتفاع إنتاج القمح في مصر خلال موسم 2026/2027 إلى نحو 9.8 مليون طن، بزيادة قدرها 6.5% عن الموسم السابق، مدفوعًا بزيادة المساحات المزروعة إلى نحو 3.6 مليون فدان، إلى جانب تحفيز المزارعين من خلال أسعار توريد أعلى.
وتواصلت معدة التقرير مع علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، للحصول على تعليق بشأن آلية تسويق القمح بعد انتهاء فترة التوريد وتأثيرها على أسعار المزارعين، إلا أنها لم تتلقَّ ردًا.
كما تواصلت معدة التقرير مع مديرية الزراعة وإدارة الإرشاد الزراعي للحصول على تعليق بشأن آلية تسويق القمح بعد انتهاء فترة التوريد وتأثيرها على أسعار المزارعين، إلا أنها لم تتلقَّ ردًا.
تتكرر الفجوة نفسها بين تكلفة زراعة القمح والعائد من بيعه بعد انتهاء التوريد الحكومي، فيما يجد المزارعون أنفسهم أمام خسائر متفاوتة تهدد استمرارهم في زراعة المحصول.