أبلغ من العمر 10 سنوات، أعيش بمنطقة العيسوية بحي دار السلام. هذا الشارع هو عالمي الصغير، ممتلئ بالمحلات الملونة وضحكات البائعين، أحبه لأنه مسقط رأسي وملعب كرة القدم الترابي الذي ألعب فيه مع أصدقائي. لكن هناك وجه مظلم لهذا الشارع، وجه يظهر عندما تعلو أصوات الشجار وتلمع الأسلحة البيضاء في أيدي الغاصبين.
في أحد الأيام المشمسة، بينما عدت من رحلة شراء الحلوى، تجمدت قدماي في مكانهما، رأيت مجموعة من الشباب الغاضبين يحيطون برجل واحد، ينهالون عليه ضرباً بأدوات حادة وأعمدة حديدية، والدماء تسيل على الأسفلت الرمادي.
كان المشهد بشعاً ومخيفاً، لم أستطع أن أفهم لماذا يفعلون ذلك؟. تأثرت بهذا الموقف القاسي، زرع في قلبي الصغير بذرة خوف لم أعرفها من قبل، صرت أخاف كثيراً من أن أمشي وحدي في الشارع الذي كنت أحبه.
عندما عدت إلى البيت، تحدثت مع أبي، وحكيت له بصوت مرتعش عن الموقف وكيف تطور أمام عيني؟. استمع إليّ أبي بجدية وقلق. في اليوم التالي، ذهبت إلى صديقي المقرب، علي، لأعرف منه سبب تلك الوحشية. حكى لي علي بصوت خفيض أن الأمر يعود إلى خلاف قديم.
فمنذ سنة تقريباً، كانت واحدة من أكبر عائلات المنطقة وأكثرها نفوذاً، ومعروفة بـ"الفهد" عائلة قد تنمرت على شخص من عائلة أخرى، معروفة ببأسها وهي عائلة "النمر".
عندما علمت عائلة النمر بالإهانة التي لحقت بأحد أفرادها، ذهبوا إلى عائلة الفهد واشتكوا بأدب واحترام، محاولين الوصول لحل سلمي للأمر.
لكن أبناء "الفهد"ردت بتعالٍ وغطرسة، وبدأت المشاكل تتفاقم من هنا، وتحول الخلاف إلى ما يشبه الثأر والانتقام المتبادل.
رجعت إلى والدي وأنا أشعر بقلبي الصغير ينقبض خوفاً. قلت له بصوت مهموم: "أنا أخاف الآن يا أبي جداً أن أمشي وحدي في الشارع، أخاف أن أرى المزيد من هذا العنف".
وضع أبي يده الحانية على رأسي وقال لي بنبرة مطمئنة: "لا تخف يا بني. إذا لم تفعل شيئاً سيئاً للناس، فلن يؤذيك أحد." سألته بعينين قلقهما: "متأكد يا أبي؟" أجابني بحزم: "أجل يا بني، كن طيباً وخيراً، والله يحفظك." قلت له بتردد: "حسناً يا أبي." ثم ذهبت إلى النوم، لكن صور المشهد لم تفارق مخيلتي الصغيرة.
مرت الأيام والليالي، وكبرت وأنا أحمل في داخلي ذكرى ذلك المشهد المؤلم. وصلت إلى عمر العشرين، وأصبحت شاباً أعمل على دراجة نارية لتوصيل طلبات الطعام للمنازل في أنحاء الحي. كنت أنهي عملي في وقت متأخر من الليل.
وفي إحدى الليالي، حوالي الساعة الثامنة مساءً، ذهبت للقاء أصدقائي في مقهى الحي، بينما كنا نتحدث، فوجئنا بمجموعة من الشباب يقتربون منا على دراجاتهم النارية، كانوا يحملون في أيديهم أدوات حادة وسيوفاً لامعة. لم نفهم ما يريدون، لكن سرعان ما تبين أنهم كانوا يبحثون عن مشاجرة. وفي لحظة الفوضى، تمكنت وأصدقائي من الاستيلاء على دراجاتهم النارية وهربنا.
في إحدى الليالي الأخرى، بينما كنت أسير بدراجتي النارية في شارع جانبي مظلم، رأيت مجموعة من هؤلاء الشباب أنفسهم يجلسون على قارعة الطريق يشربون المخدرات علانية، رائحة الدخان الكريه تملأ الأجواء. لمحوني، وبدأوا يلاحقونني بدراجاتهم النارية بسرعة جنونية. شعرت بالخطر يحيط بي، فأخرجت هاتفي بسرعة واتصلت بصديقي. لحسن الحظ، وصل صديقي مسرعاً على دراجته، وفي تلك اللحظة، وصلت سيارة الشرطة التي استدعاها أحد المارة.
تم القبض على الشباب الذين كانوا يحملون الأسلحة، لكنني شعرت بمرارة في حلقي. هكذا تتكرر مثل هذه المشكلات يومياً في منطقتنا، قصص عنف ومخدرات تسرق شبابنا وأمننا.
تمنيت بعد كل ما رأيته وعشته، أن يتكاتف شباب المناطق الشعبية لتوعية بعضهم البعض بمخاطر المشاجرات وما ينتج عنها من تدمير للمستقبل، وضياع للأرواح، وتعميق للعداوات. أنا شخصياً، ورغم أنني شاب، ما زلت أخاف السير بمفردي في بعض شوارع الحي، وأخاف على أختي التي تعيش بمفردها. أتمنى بصدق أن يكون هناك رقابة أمنية حقيقية ومنع حازم لهذه المشاجرات التي تحول شوارعنا إلى ساحات حرب تهدد سلامة الجميع، أتمنى أن يعود شارع العيسوية كما كان في طفولتي، مكاناً آمناً للعب والضحك، لا للخوف والعنف.