بين المالك والمستأجر.. القصة الكاملة لتعديلات قانون الإيجارات القديم

Photographer: مريم أشرف - العقارات بحي دار السلام

Written By مريم أشرف
2025-05-08 13:05:00

أشعل مشروع تعديل قانون الإيجار القديم جدلاً واسعًا، بعد ثلاثة أيام فقط من بدء مناقشته داخل مجلس النواب، حيث أحالت الحكومة مشروعي القانون المتعلقين بالإيجارات القديمة إلى لجنة مشتركة تضم لجان الإسكان والمرافق العامة والتعمير، والإدارة المحلية، والشؤون الدستورية والتشريعية، لبحث بنودهما تمهيدًا لإعداد الصيغة النهائية للتعديلات المقترحة.

جاء ذلك بعد أن أصدرت المحكمة الدستورية العليا في نوفمبر الماضي حكمًا بعدم دستورية المادتين الأولى والثانية من القانون رقم 136 لسنة 1981، واللتين كانتا تنصان على تثبيت الأجرة السنوية للوحدات السكنية بنظام الإيجار القديم، وبناءً على هذا القرار، أُحيل تعديل القانون إلى البرلمان بهدف إعادة تنظيم العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر.

حددت المادة الثانية من مشروع القانون أنه بدءًا من أول استحقاق للإيجار بعد سريان القانون، تُحتسب القيمة الإيجارية القانونية للوحدات السكنية المؤجرة بما يعادل 20 ضعفًا القيمة الإيجارية الحالية، بشرط ألا تقل عن 1000 جنيه شهريًا للوحدات الواقعة في المدن والأحياء، و500 جنيه للوحدات الواقعة في القرى، وذلك بالنسبة للوحدات الخاضعة لأحكام القانونين رقم 49 لسنة 1977 و136 لسنة 1981.

وصرحت رابطة المستأجرين بأن مشروع القانون المطروح يفتقر إلى الدراسة الكافية، وترفضه لكونه يتعارض مع أحكام المحكمة الدستورية العليا، معتبرة أنه ينحاز بشكل واضح لصالح الملاك فقط، ويتجاهل حقوق المستأجرين ومصالحهم.

في المقابل، أكد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أن الحكومة تتعامل مع ملف بالغ التعقيد عمره أكثر من 60 عامًا، مشددًا على أن الدولة لا تنحاز لطرف على حساب آخر، بل تسعى لتحقيق توازن عادل بين حقوق الملاك والمستأجرين.

وفي ظل هذا الجدل المحتدم بين الطرفين حول التعديلات المقترحة، تتباين المواقف، إذ يرى الملاك أن القانون خطوة ضرورية لتصحيح أوضاع ظالمة استمرت لعقود بسبب ضعف القيمة الإيجارية، ومستأجرين يعتبرون القانون تهديدًا لاستقرارهم وحقهم في السكن.

مستأجرون: "الإيجارات غير عادلة"

عيد أبو بكر، 60 عامًا، مستأجر في شارع الفتح بدار السلام، أوضح أنه استأجر شقته عام 1991 مقابل 18 ألف جنيه كمقدم، وإيجار شهري قدره 10 جنيهات، ارتفع لاحقًا إلى 250 جنيهًا بطلب من المالك، رغم أنه ليس لديه سوى معاش شهري يبلغ 2000 جنيه، ما يجعله عاجزًا عن تحمل أعباء إيجار جديد، يقول بقلق: "أنا لا أملك منزلًا بديلًا، وفقدان شقتي يعني التشرد".

ويطالب أبو بكر بالنظر بعين الاعتبار إلى ظروف كبار السن والأسر محدودة الدخل، مشيرًا إلى أن الزيادة المفاجئة في الإيجار قد تدفع كثيرين نحو المجهول.

ويتضمن مشروع القانون الجديد مواد أثارت جدلًا واسعًا، أبرزها المادة الرابعة التي تنص على زيادة سنوية قدرها 15% على آخر قيمة إيجارية قانونية، والمادة الخامسة التي تقضي بإنهاء عقود الإيجار بعد خمس سنوات من بدء تنفيذ القانون، ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك.

وقال وجدي وائل، مستأجر لمحل تجاري في الحي، إن والده استأجر المحل عام 1983، وحوّله إلى مشروع عائلي يعمل فيه الأبناء، واليوم، بعد تقاعد والده، يدير وجدي المحل بنفسه، ويخشى أن يفقد مصدر رزقه. 

وقال: "أنا لا أمانع رفع الإيجار، لكن أن يُنهي المالك العقد بعد خمس سنوات؟ هذا ظلم. المحل هو مصدر دخلنا الوحيد".

ووفق تصريحات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن نحو 36% من هذه وحدات الإيجار القديم تدفع إيجارات أقل من 50 جنيهًا شهريًا، بما يعادل 500 ألف وحدة تقريبًا.

أما فاطمة زكريا، أرملة وأم لثلاثة أطفال، تعيش في شقة والدها بالإيجار القديم منذ وفاة زوجها قبل خمس سنوات. 

وتدفع فاطمة إيجارًا شهريًا قدره 100 جنيه، وتقول إنها غير قادرة على دفع مبلغ 1000 جنيه كما ينص المشروع، مطالبة بزيادة تدريجية ومراعاة ظروف الأسر المُعيلة. "هذه الزيادة المفاجئة ستدمر ميزانية منزلي"، تضيف فاطمة بأسى.

أصوات الملاك

في المقابل، يرى ملاك العقارات أن القانون يمثل بداية لاسترداد حقوق ضائعة. منهم سعيد رجب، أحد مالكي العقارات في دار السلام، قال إن أغلب مستأجريه يدفعون بين 10 و20 جنيهًا شهريًا، رغم أن العقار الذي ورثه عن والده يقع في موقع مميز. 

يعتبر رجب أن المادتين الرابعة والخامسة في القانون تعطيان بصيص أمل، لا سيما في مواجهة المستأجرين الذين استغلوا العقود لعقود طويلة، ومع ذلك، يؤكد أنه لن يُخرج أي ساكن من العقار، إلا من يسيء استخدام عقد الإيجار.

أما هشام حمدي، مالك آخر لعقار مكون من عشر شقق، قال إنه لا يزال يتقاضى إيجارات شهرية لا تتجاوز 35 جنيهًا للوحدة منذ أوائل الألفينات، وهو ما يعادل حاليًا تكلفة اشتراك إنترنت، مضيفًا" "أنا لا أريد طرد أحد، لكن من غير المعقول أن أتقاضى 350 جنيهًا في الشهر من عقار يضم عشر شقق، هذا لا يتناسب مع الواقع".

ويرى المحامي محمود بدوي أن قانون الإيجار القديم واحد من أكثر الملفات تعقيدًا، قانونيًا واجتماعيًا، مشيرًا إلى أن مناقشته دون توافق مجتمعي قد يؤدي إلى اضطرابات، لأن القضية تمس حقًا دستوريًا أساسيًا، وهو الحق في السكن، كما أن حالات الورثة والملاك المتضررين بحاجة لمعالجة دقيقة ضمن التشريع الجديد.

وأضاف لـ"صوت السلام": "لابد من إطلاق حوار مجتمعي حقيقي، يشمل أطرافًا متعددة، من خبراء، ومحامين، وسكان، وملاك، لوضع تصور عادل وشامل، ولا بد أن يتم تطبيق القانون على مراحل زمنية طويلة، لضمان حماية الفئات الأضعف".

ويستند بدوي إلى المادة 78 من الدستور المصري، التي تنص على حق كل مواطن في "مسكن ملائم وآمن وصحي، يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية"، وتلزم الدولة بوضع خطة وطنية للإسكان تراعي ظروف الفئات المختلفة وتضمن عدالة التوزيع

منازل الإيجارات القديمة في دار السلام