تحت المجهر.. قانون الحد الأدنى للأجور يخذل موظفي القطاع الخاص

تصميم/ محمد صلاح

Written By مريم أشرف
2025-05-01 10:00:05

في وضح النهار يقف محمد علي، ثلاثيني، على سقالة مرتفعة، لأكثر من 9 ساعات يوميًا؛ كي يباشر عمله في إحدى شركات البناء الخاصة، يتقاضى منها 6 آلاف جنيه أي أقل من الحد الأدنى الذي حددته الحكومة. يحاول طيلة الشهر تقسيم الراتب بين إيجار منزله في منطقة دار السلام، ومصاريف مدارس أطفاله الثلاثة، والطعام، بينما بنود أخرى كالعلاج والترفيه حذفت من ميزانية الشهر.

يقول: "لا استطيع قضاء وقت طويل مع أبنائي بسبب ساعات العمل الزائدة كل يوم، ورغم ذلك راتبي زهيد وأصبحت محاولات التكييف صعبة وسط غلاء الأسعار المتزايد، وإذا مرض أحدهم في شهر ما تختل الميزانية لأنه بند ثقيل".

لا يعرف أبناء محمد شيء عن الترفيه أو ممارسة الرياضة، إذ أن راتبه يكفي الأساسيات فقط وربما يختل في بعضها: "نقتصد في عدد مرات تناول اللحوم أو الدجاج في الشهر، كي تكفي الـ6 آلاف جنيه أساسيات الأسرة فقط".

رقابة محدودة

تخالف شركات في القطاع الخاص، الحد الأدنى للأجور الذي حددته الدولة عند 7 آلاف جنيه، وتدفع أجور للعمال أقل لا تكفي لمواجهة موجات الغلاء المتصاعدة، مما يزيد من معاناة العمال والموظفين في تلك الشركات، وسط غياب رقابة وزارة التخطيط.

تختفي آلية الرقابة والتطبيق في قرار المجلس القومي للأجور رقم (15) لسنة 2025، الذي صدر مارس الماضي، بشأن زيادة الحد الأدنى للأجور للعاملين بالقطاع الخاص إلى 7 آلاف جنيه، مشددًا على منع قبول أي استثناءات من منشآت القطاع، لكن غياب الرقابة الفعلية سمح لشركات بتجاهل التطبيق، مما فاقم معاناة كثير من العاملين الذين ظلوا يتقاضون أجورًا أدنى من المقررة قانونًا.

يخالف ذلك المادة 37 من قانون العمل لعام 2003 الباب الثالث، وتنص على: "في القطاع الخاص إذ تم الإتفاق على تحقيق الأجر بالإنتاج أو بالعمولة وجب ألا يقل ما يحصل عليه العامل عن الحد الأدني للأجور المقرر من الدولة".

حتى إذا وصل راتب محمد إلى الحد الأدنى للأجور، فلن يكون كافيًا لتغطية احتياجاته، لذا تؤكد انتصار بدر، المتخصصة في قضايا الحقوق العمالية، أن الحد الأدنى لم يعد يضمن مستوى معيشي جيد لأي أسرة مصرية، لكونه لا يواكب الأسعار ومتطلبات الحياة.

توضح لـ"صوت السلام": "الأسر الآن تواجه أعباء مالية ضخمة، وتلتهم الإيجارات السكنية أكثر من  نصف دخل العامل، إلى جانب التعليم والطعام والصحة، ولا زال هناك عمال يتقاضون أقل من نصف الحد الأدنى للأجور".

من بين هؤلاء عماد علي، محاسب في شركة قطاع خاص منذ 6 سنوات، ويتقاضى 5500 جنيه -أقل من الحد الأدنى للأجور-، مقابل 8 ساعات عمل يوميًا بما يعادل 250 جنيهًا في اليوم (4 دولار)، وهو مبلغ بالكاد يكفي بند الطعام فقط لأسرته المكونة من زوجته وطفلين.

تسانده زوجته، التي تعمل مدرسة لغة عربية، في تدبير احتياجات الأسرة، حيث تضيف إلى دخلها الأساسي بعض الدروس الخصوصية بعد ساعات عملها الرسمية، مما يساهم في استكمال ميزانية شهرية متواضعة، بالكاد تفي بالضروريات، لكنها تحرمهما من قضاء أوقات إضافية مع أطفالهم.

يقول عماد: "تقول الشركة أن لديها أزمات مالية، لذا أحاول التكيف مع راتبي، وأوفر فقط الأساسيات للأطفال من الغذاء والتعليم".

التضخم يلتهم الأجور

شهدت تلك القطاعات تضخمًا ملحوظًا خلال العام الماضي؛ إذ بلغ معدل التضخم في أسعار الطعام 6.5%، بينما وصل تضخم قطاع النقل والمواصلات إلى 29.5%، وقفز التضخم في قطاع التعليم بنسبة 10.1% بينما يذهب أكثر من ثلث نفقات الأسر المصرية على الطعام والشراب، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2022.

لذا يشدد مجدي بدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، على ضرورة اتخاذ الدولة إجراءات قانونية حازمة ضد الشركات التي لا تطبق الحد الأدنى للأجور ووضع تطبيقه تحت المجهر، موضحًا أن مسؤولية الرقابة الفعلية تقع على عاتق مكاتب العمل، التي تعاني بدورها من ضعف القدرة على تغطية العدد الكبير لشركات القطاع الخاص في مصر، مما يعيق رصد انتهاكات العمل بشكل سريع وفعال وبسبب هذا القصور.

بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2020، بلغ عدد شركات القطاع الخاص في مصر 1.7 مليون منشأة، يعمل بها 12.6 مليون موظف، إذ ساهم القطاع الخاص في الاقتصاد المصري بنسبة 65% خلال السنوات الثلاث الماضية وفق بيانات وزارة التعاون الدولي.

بينما غادرت 2360 شركة القطاع الخاص المصري، بعدما نجحت بيئة العمل الجاذبة في الإمارات في استقطابها خلال النصف الأول من عام 2024، وفق تصريح سابق لـ"محمد الإتربي" رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري (أكبر بنك حكومي).

يناشد بدوي العمال الذين لا يتقاضون الحد الأدنى للأجور بالتقدم بشكاوى رسمية إلى مكاتب العمل، لضمان توثيق ورصد هذه الانتهاكات، مؤكدًا أن الاتحاد العام لعمال مصر يمكن أن يلعب دورًا داعمًا للعمال قانونيًا في مثل هذه الحالات.

لكن ياسر سعد، المحامي المتخصص في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، يؤكد لـ"صوت السلام" أن العامل غالبًا ما يخشى فقدان وظيفته نتيجة تقديم الشكوى، إذ يعتمد على راتبه المحدود لإعالة أسرته، لذا يلقي بالمسؤولية على الدولة التي يجب عليها التدخل بالرقابة وفرض عقوبات مباشرة تحمي العمال من ضغوط العمل والخوف من فقدان مصدر رزقهم وتضمن لهم أجورًا عادلة.

غياب الشفافية

بينما تصف انتصار بدر مشكلة الأجور في مصر بالمعقدة منذ سنوات، لا سيما فيما يتعلق بالرقابة على أجور القطاع الخاص، مشيرة إلى أن معظم الشركات لا تُعلن عن ميزانياتها السنوية بشفافية، مما يسهل عليها التحايل على القانون. 

وتضيف: "العديد من الشركات تقدم التماسات للحكومة في حال تم ضبطها وهي لا تدفع الحد الأدنى للأجور لعمالها، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة، لكن التضخم المستمر والأزمة الاقتصادية العامة التي تعيشها مصر منذ سنوات تزيد من تعقيد الأمور، حيث يصعب تحديد الأزمات الفعلية التي تعاني منها الشركات وربطها بمسألة الأجور بشكل دقيق".

يتسق ذلك مع الفجوة التي يعاني منها قطاع الأجور في مصر، حيث تكشف قاعدة بيانات "WID" (الثروة والدخل العالمي) في عام 2023، أن الطبقة العليا في مصر تلتهم  49.3% من الأجور، بينما لا تحصل الطبقة الدنيا سوى على 15.6%، مما يوضح مدى التفاوت الكبير في الأجور بين الطبقتين، رغم تحديد الحد الأدنى للأجور الذي يهدف إلى تنظيم الأجور في البلاد.

الحد الأدنى للأجور أداة معترف بها عالميًا لحماية أجور العمال ذوي الدخل المنخفض، ويدخل ضمن الحزم الاجتماعية لحماية العمال من الأزمات الاقتصادية.

بينما يوضح مؤشر هانكي للتضخم تسارع معدل التضخم خلال آخر أربع سنوات بنسبة 60%، مما جعله يضع مصر في المرتبة الـ18 ضمن الدول الأكثر بؤسًا للعام 2023، استنادًا على ما وصفه بالارتفاع المتسارع لمعدلات التضخم، المفارقة هنا أن رفع الحد الأدنى للأجور كان قد بدأ في نفس الفترة الزمنية.

ارتفاع دون أثر

لم يصل أثر ارتفاعات الحد الأدنى للأجور إلى سميرة محمود، ثلاثينية، تعمل سكرتيرة في شركة خاصة، مقابل 4000 جنيه فقط و9 ساعات عمل يومية، ودخلها هو المصدر الوحيد للأسرة.

تقول: "منذ عامين بدأت في تقليل الرفاهيات بسبب ضعف قدرتي على توفير احتياجاتهم الأساسية من طعام وملابس، وأشعر أن أسرتي انتقلت من الطبقة المتوسطة إلى حدود الفقر الشديد".

تعيش حوالي 12 مليون أسرة تحت خط الفقر في مصر، بينما تصل  نسبة الفقر إلى 29.7%، وفق آخر تقرير منشور من بحث الدخل والإنفاق لعام 2019/2020، مما يعكس تزايد الفقر بشكل مستمر.

تخاف سميرة يوميًا من أن يلاحظ زملاء أبنائها في المدرسة محتوى كيس "السندوتشات" الذي أصبح منذ العام الماضي يحتوي على جبنة بيضاء مصنعة.

تُحلل أسماء مراد، أخصائية علم اجتماع، هذا الخوف الذي تشعر به سميرة وغيرها، بأن مشاعر الخوف من الوصم بشأن الفقرة أصبحت شائعة، وتؤثر بشكل كبير على العلاقات داخل الأسرة، حيث تتولد مشاعر العصبية والاكتئاب نتيجة ضيق الحال.

وتضيف لـ"صوت السلام" أن هذه الضغوط تؤثر على العلاقات الاجتماعية الأوسع، مثل العائلة والجيران والمدرسة، حيث يعاني أفراد الأسر من صعوبة في التواصل مع محيطهم بسبب خوفهم من نظرة الآخرين لهم، ما يخلق عزلة اجتماعية.

تحايل تحت إطار القانون

جانب آخر للأزمة يكشفه ياسر سعد، محامي القضايا الاقتصادية، أن المجلس القومي للأجور لا يجتمع بشكل دوري لتحديث أرقام الأجور والعلاوات وآلية الرقابة على الشركات، موضحًا أن قانون العمل ينص على أن المجلس هو الجهة الحكومية الأولى المسؤولة عن تحديد الحد الأدنى للأجور ونسب العلاوات والمكافآت، إلا أن غياب الآلية يفتح الباب أمام بعض الشركات للتحايل على القوانين وعدم تطبيق قرارات المجلس المتعلقة بحقوق العمال.

وفي هذا السياق، وافق مجلس النواب خلال أبريل الجاري على مشروع قانون العمل الجديد، الذي كان قيد المناقشة خلال الأشهر الماضية، وينص المشروع على ضرورة اجتماع المجلس القومي للأجور كل ستة أشهر على الأقل، أو كلما دعت الحاجة، على أن يُعقد الاجتماع بحضور أغلبية الأعضاء، في محاولة لضمان استمرارية الرقابة وتحديث القرارات المتعلقة بالأجور.

ويؤكد سعد لـ"صوت السلام" أن الدولة يجب أن تفرض عقوبات اقتصادية رادعة بحق الشركات المخالفة قبل أن تطالب العمال بالتقدم بشكاوى، لأن العامل يعيش ظروفًا اقتصادية ومعيشية صعبة، رغم رفع الحد الأدنى للأجور.

زادت الأجور في مصر خلال الفترة من 2022 إلى 2024 نحو 7 مرات بمتوسط 920 جنيه ما يعادل 18.15 دولار، وكان أعلى زيادة للأجور العام الماضي بـ2400 جنيه.

أزمات اقتصادية

يؤدي هذا التدني في الأجور إلى أزمة اقتصادية حقيقية للأسر، وفق أحمد خطاب، الخبير الاقتصادي، الذي يؤكد أن الأزمة لا تقف عند تدني الرواتب، ولكن تمتد إلى تلاعب بعض شركات القطاع الخاص بالأوراق الرسمية للعاملين لديها حتى لا تتمكن مؤسسات الدولة من رصد التأثير الاقتصادي المباشر عليهم، مثل تدني مستويات المعيشة.

ويوضح لـ"صوت السلام" أن رصد هذا التأثير الاقتصادي في حال تم بشكل دقيق، يكشف عن جريمة قانونية واقتصادية مكتملة الأركان: "عدم تحقيق العدالة الاقتصادية ومنع هذه الأسر من الحصول على أجور عادلة، يضع حياتهم وحياة ذويهم في دائرة الخطر، نتيجة عجزهم عن تلبية احتياجاتهم الأساسية من غذاء وتعليم ومسكن، مما يفاقم من هشاشة أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية يومًا بعد يوم".

يتفق معه محمود العسقلاني، رئيس جمعية "مواطنون ضد الغلاء"، بأن الشركات التي لا تدفع الحد الأدنى للأجور ترتكب جريمة في حق العمال، مؤكدًا على ضرورة وجود رقابة، تركز على أرباح تلك الشركات مقارنة بالأجور.

يضيف لـ"صوت السلام": "هي نفس الشركات التي ترفع أسعار منتجاتها وخدماتها، مما يؤدي إلى معاناة العامل مرتين، مرة بسبب ضعف راتبه ومرة أخرى بسبب ارتفاع أسعار السوق التي تسهم فيها هذه الشركات، لذا لا بد أن يكون هناك تناسب بين أجر العامل والتضخم ووجود رقابة حقيقية".

حاولت "صوت السلام" التواصل مع رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية ورئيسة المجلس القومي للأجور، وحنان نظير، مستشارة المجلس، عبر الهاتف وتطبيق "واتساب"؛ لتوضيح دور الجهتين في الحد من تلك الممارسات غير القانونية، لكننا لم نتلق رد حتى نشر التقرير.

بين نصوص القانون وواقع تطبيقه، تتسع الفجوة في أجور عمال وموظفي القطاع الخاص في مصر، حيث يعيش محمد وسميرة وعماد، وغيرهم، محاولات مستمرة للتكيف بين دخل لا يكفي واحتياجات يومية تتزايد.