بـ380 مليون جنيه.. مستشفى هرمل بين انتفاع المستثمرين ومعاناة المرضى

مستشفى هرمل

Written By مريم أشرف
2025-04-29 14:11:23

 

شهد مستشفى دار السلام "هرمل" خلال الفترة الماضية سلسلة من الأزمات المتصاعدة، تمثلت في تكدس المرضى داخل أروقة المستشفى، بسبب نقص أدوية علاج الأورام وتأخر تلقي الجلسات العلاجية، ما دفع العشرات من المرضى للانتظار لساعات طويلة في ظروف مرهقة. 

جاءت هذه الأزمة بعد قرار إدارة المستشفى بتحويل تلقي العلاج الكيميائي من قسم الأورام المخصص لذلك إلى العيادات الخارجية مع باقي المرضى، الأمر الذي فاقم من معاناة المرضى، وطرح تساؤلات حول مصير خدمات الرعاية الصحية المقدمة لهم.

وسبق تلك الأزمة المتصاعدة، نفي الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بشأن بيع مستشفى هرمل إلى مستثمرين أجانب، موضحًا أنه عقد اتفاق يخص إدارة وتشغيل وتطوير مركز الأورام فقط وليس البيع.

اتفاقيات للمستثمرين الأجانب

ورغم ذلك، كانت الحكومة المصرية ممثلة في مجلس الوزراء، وافقت في مارس 2024 مبدئيًا على منح الترخيص للمعهد الفرنسي "جوستاف روسيه" للانتفاع واستغلال وتشغيل مركز أورام دار السلام (هرمل)، ليصبح أول فرع للمعهد خارج فرنسا تحت اسم "جوستاف روسيه إنترناشونال مصر".

تلاه في فبراير الماضي، توقيع الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، عقد شراكة بين الوزارة والشريك الحصري للمعهد في مصر، بهدف إدارة وتشغيل وتطوير مستشفى دار السلام "هرمل" وتحويلها إلى مستشفى "جوستاف روسيه" الدولي - مصر.

ويُعد مركز الأورام بمستشفى دار السلام من أبرز مراكز علاج الأورام في القاهرة، إذ يخدم أكثر من 229,347 مريضًا سنويًا منذ افتتاحه عام 2014 على يد رئيس الوزراء الأسبق المهندس إبراهيم محلب.

وتبلغ مساحته 32,560 مترًا مربعًا، ويخدم سكان حي دار السلام من خلال 19 سريرًا داخليًا، و24 سريرًا للعلاج الكيميائي، و18 سريرًا في العناية المركزة للأورام، إضافة إلى قسم لجراحة الأورام وآخر لزراعة النخاع.

لكن هرمل ليس الوحيد، فقبل صدور القرار، شرعت الحكومة في طرح فرصة إدارة ستة مستشفيات حكومية أمام المستثمرين، عبر موقع الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، وهي: "مستشفى أبو تيج بأسيوط، حميات البحر الأحمر، كوم حمادة بالبحيرة، العجوزة التخصصي بالجيزة، وهليوبوليس والقاهرة الجديدة".

قانون تأجير المستشفيات

تأتي اتفاقيات الحكومة مع المعهد الفرنسي تطبيقًا لقانون منح التزام المرافق العامة لإنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية، المعروف باسم قانون تأجير المستشفيات الحكومية، رقم 87 لسنة 2024 الذي صدر في مايو الماضي.

ينظم القانون منح التزام المرافق العامة بإنشاء وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية. يتضمن القانون خمس مواد، تتيح للمستثمرين المصريين أو الأجانب سواء كانوا أفرادًا أو شركات إنشاء وتشغيل هذه المنشآت أو تطويرها، على ألا تقل مدة الالتزام عن ثلاث سنوات ولا تزيد عن خمس عشرة سنة.

ينص القانون على التزامات محددة للمستثمرين، تشمل الحفاظ على الأجهزة والمنشآت الطبية، والالتزام بقوانين تقديم الخدمات الطبية، وتوافر الخبرة اللازمة لتشغيل المنشآت. 

ووفقًا لعقد وزارة الصحة مع معهد "جوستاف روسيه"، تبلغ مدة تشغيل واستغلال مركز أورام دار السلام 15 عامًا، على أن يتحول إلى "جوستاف روسيه الدولي - مصر".

لكن القانون واجه اعتراضًا واسعًا، لكونه لا يتضمن أي آليات تُلزم المستثمرين بتقديم خدمات صحية بجودة أعلى دون رفع التكلفة، لكون الاستثمار هدفه الأولي هو الربح. 

وأصدرت نقابة الأطباء، وقتها بيانًا يناشد الرئيس عبدالفتاح السيسي بعدم التصديق على القانون، معتبرةً أنه يهدد استقرار المنظومة الصحية ويؤثر على سلامة المواطن، دون وجود ضمانات لاستمرار تقديم الخدمة للفئات غير القادرة بعد منح الإدارة إلى مستثمرين.

كما حذرت النقابة من التأثير المحتمل على 75% من العاملين بالقطاع الصحي، حيث ينص القانون على التزام المستثمرين بنسبة تشغيل لا تقل عن 25% فقط من العاملين بالمؤسسة، ما قد يفتح الباب أمام الاستغناء عن الباقين.

وفي هذا السياق، رصدت تقارير سابقة أجراها "صوت السلام" بشأن تغييرات في الطاقم الطبي والإداري بالمستشفى خلال الشهر الجاري، وتغيير نظام تلقي المرضى للعلاج وتأخر جلسات الكيماوي، مما أدى إلى تكدسهم وزيادة قلقهم.

فشل التجارب السابقة 

ما يبرر قلق المرضى، هو فشل تجارب سابقة لمعهد "جوستاف روسيه"، ففي عام 2017، حصل المعهد الفرنسي على ترخيص للعمل في الكويت، لكنه انسحب في عام 2022 بعد فشل المشروع وعدم قدرة المستثمرين على تنفيذه على مدار خمس سنوات، وألغت وزارة التجارة والصناعة الكويتية الترخيص الاستثماري بناءً على طلب المعهد.

وبعد انسحاب المعهد من الكويت، حصل على موافقة مجلس الوزراء المصري في مارس 2024 لإنشاء أول فرع له خارج فرنسا في مركز أورام دار السلام.

وفي 7 أبريل الماضي، نشر المعهد بيانًا على موقعه الرسمي عن توقيع الاتفاق مع وزارة الصحة والسكان المصرية، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر، موضحًا البيان أن الخطة المستقبلية تتضمن بناء مبنيين إضافيين بجوار المستشفى الحالي، ورفع عدد الأسرة المخصصة لعلاج الأورام من 24 إلى 300 سرير، مع التأكيد على أن 70% من المستفيدين سيكونون من العاملين بالقطاع العام.

من هو "جوستاف روسيه"؟

يُعد معهد "جوستاف روسيه" واحدًا من أبرز مراكز علاج الأورام في أوروبا، ويحتل المركز الرابع عالميًا في تصنيف أفضل مستشفيات الأورام بحسب مجلة "نيوزويك". ويقدم المعهد خدماته لجميع الأعمار، ويتميز بخبرته في علاج الأورام النادرة والمعقدة.

أُسس المعهد عام 1925 على يد الطبيب الفرنسي السويسري الأصل "جوستاف روسيه"، وسُمي باسمه، وعلى مدار 99 عامًا، عالج المركز نحو 700 مليون مريض من مختلف الجنسيات، ويضم جميع أنواع العلاجات المتخصصة في الأورام.

ولكن لا تقتصر الاستثمارات في هرمل على جوستاف فقط، ولكن بحسب بيان المعهد فإن الاتفاق يجري بالتعاون مع شركة "إيليفيت بي آي"، وهي شركة استثمار مباشر إفريقية تأسست عام 2022، دخلت في الاتفاق بقيمة استثمارية بلغت 380 مليون جنيه.

تعمل "إيليفيت" في الوقت الراهن كشريك حصري للحكومة المصرية في مشروع "جوستاف روسيه الدولي - مصر"، وتشرف على إدارة مركز أورام مستشفى هرمل. 

وصرّح طارق محرم، المدير التنفيذي للشركة، في حوار سابق له، بأن الشركة تسعى لتطوير الخدمة الطبية من خلال الاستحواذ على المستشفيات القائمة، دون أن يشير صراحة إلى تقديم الخدمة لمحدودي الدخل.

تولى "البروفيسور فابريس بارليزي" إدارة المشروع في مصر، وهو رئيس مجلس إدارة وعضو منتدب لمعهد "جوستاف روسيه"، ووفقًا لحسابه المهني على "لينكد إن"، بدأ عمله بالمعهد في 2020 كمسؤول عن فريق الأطباء، ثم أصبح المدير التنفيذي للمعهد حتى 2025، والآن يشغل منصب العضو المنتدب لمشروع "جوستاف روسيه الدولي - مصر".

وجاء اعتراض نقيب الأطباء متسقًا مع تخوفات المرضى، إذ أكد وقتها: "إن الهدف الرئيسي للمستثمر هو الربح، الذي فكت الحكومة قيوده في مشروع القانون، ليقدم الخدمة الصحية للمواطن، بدون حد أقصى لسعرها”.

تظل تخوفات المرضى قائمة ومنطقية من أسعار الخدمات الطبية التي ستقدم من تلك المؤسسات بعد إدارتها من قبل مستثمرين، في وقت يعتمد فيه المواطنون بشكل أساسي على القطاع الطبي العام، إذ تردد نحو 48 مليون مواطن على العيادات التابعة للمستشفيات الحكومية، مقابل 4.7 مليون فقط ترددوا على مستشفيات القطاع الخاص.

وبحسب النشرة الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2021، فإن قرابة 80% من المنشآت الطبية التابعة لوزارة الصحة، تقدم خدماتها مجاناً أو بأسعار رمزية.