ما بننسى| "قضيتي" وبقالة "دار السلام".. مقاطعة اقتصادية من القاهرة إلى غزة

تصميم| محمد صلاح

Written By مريم أشرف
2025-10-07 19:30:12

في ليلة 7 أكتوبر 2023، كان يتابع حامد محمد، 40 عامًا، اندلاع الشرارة الأولى للحرب على قطاع غزة، وفي الصباح استمر في مشاهدة عمليات القصف المستمرة على المدنيين، ثم ذهب إلى محله الذي يقع في وسط شارع الجسر البراني في حي دار السلام، وهو يشعر بالعجز والذنب تجاه أهل غزة.

مع تفاقم جرائم الاحتلال واشتداد الإبادة زادت هذه المشاعر لدى حامد، لذا قرر مقاطعة المنتجات التي يبيعها التجار المرتبطة بالدعم المباشر أو غير المباشر لإسرائيل، والاكتفاء بإدخال المنتجات المصرية فقط، في محاولة لتخفيف شعوره بالذنب وممارسة شكل من أشكال التضامن الرمزي.

محل يتحول إلى رسالة تضامن

بعد فترة أصبح محله يعكس هذه الفكرة بوضوح؛ الممرات مملوءة بالمشروبات الغازية والبطاطس المقلية والمنتجات الغذائية المحلية الأخرى، فيما اختفت أي منتجات مستوردة تُعتبر داعمة للاحتلال، ورغم الخسائر التجارية على مدار عامين لازال حامد مقاطعًا: "منذ 7 أكتوبر، شعرت أن عليّ أن أفعل شيئًا، بدأت أطلب من الموزعين فقط المنتجات المصرية، وتخلصت من كل المنتجات الأخرى، حتى أصبح أكثر من نصف المحل مخصصًا للمنتجات المحلية".

مقاطعة اقتصادية

على الرغم من الخسائر التي يتكبدها أصحاب المحال التجارية في حي شعبي مثل دار السلام نتيجة تراجع الإقبال عن بعض المنتجات المحلية، فإنهم ما زالوا متمسكين بالمقاطعة، وبعد عامين على الحرب يواصل بعض أهالي الحي توجيه اختياراتهم الشرائية بما يخدم المقاطعة والتضامن مع أهل غزة، ويواجه كلاهما تحديات مختلفة.

من بينهم سلمى هاشم، 35 عامًا، من سكان حي دار السلام، التي بدأت المقاطعة خلال الأيام الأولى للحرب وما زالت مستمرة بها بعد مرور عامين: "أحاول اختيار المنتجات التي تدعم بلادي وأمتنع عن كل منتج له علاقة بالاحتلال، الموضوع بالنسبة لي ليس تجارة أو أسعار ولكنه موقف إنساني". 

يُرجع الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، تمسّك سلمى وبعض أهالي حي دار السلام بالمقاطعة، إلى أن جذور الفكرة تقوم على كونها موقفًا شعبيًا بالأساس، إذ تعكس إحساس الأفراد بعجزهم عن المشاركة المباشرة في حل القضية الفلسطينية، فيلجأون إلى المقاطعة كوسيلة للتعبير عن التضامن. 

ويوضح لـ"صوت السلام" أن هذا الموقف يرتبط أيضًا بالشعور بالذنب والعجز الذي يتضاعف لدى الأهالي بعد مشاهدة مشاهد الحرب وما تحمله من مآسٍ، ما يدفعهم للاستمرار في هذا الشكل من أشكال الدعم وهي المقاطعة.

تُعرّف حركة BDS -عربية غير حكومية- المقاطعة بأنها حملة تهدف إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، وذلك لعزلها اقتصاديًا إلى جانب المؤسسات والشركات الداعمة لها، في سبيل تحقيق العدالة في فلسطين وتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقه في تقرير المصير، ودعمًا لنضاله المستمر منذ نكبة عام 1948.

كان أول ظهور للمقاطعة عام 2005 عبر نداء من المجتمع المدني العربي، بعد عام واحد من صدور قرار محكمة العدل الدولية الذي اعتبر بناء الجدار العازل لمحاصرة غزة عملًا غير قانوني، وجاء هذا النداء انطلاقًا من واقع نظام التمييز العنصري الذي يفرضه الاحتلال في فلسطين، والذي حوّل أبناء الشعب الفلسطيني إلى لاجئين محرومين من الجنسية.

ضغوط وتحديات المقاطعة

تجدّدت علاقة سلمى بالمقاطعة بعد السابع من أكتوبر، حين بدأت بتحميل تطبيق "قضيتي" والاطلاع على الفروق بين المنتجات. 

تتذكر موقف تمسكت فيه بالمقاطعة: "في أحد أيام الصيف لم أجد مياه معدنية مصرية في محال البقالة القريبة من منزلي، واضطررت إلى قطع مسافة تقارب 15 دقيقة لشراء قارورة مياه تزن 18 لترًا من محل بعيد، وحملتها وسرت بها إلى المنزل بسبب رفضي شراء منتجات داعمة للاحتلال واعتبرته تحديًا".

"قضيتي" هو تطبيق مصري مجاني ظهر عقب حرب 7 أكتوبر يتيح للمستخدم معرفة ما إذا كان المنتج مصريًا أم داعمًا للاحتلال عبر مسح الشفرة الخاصة به، ووفق موقع "جوجل بلاي" تجاوز عدد مرات تحميل التطبيق المليون.

فيما وفر موقع "مقاطعة" غير رسمي، المتخصص في رصد المنتجات، قائمة تضم 155 منتجًا وعلامة تجارية داعمة للاحتلال، لتكون دليلًا يساعد المستهلك في أثناء عملية الشراء.

التحديات نفسها التي واجهتها سلمى في سعيها للتمسك بالمقاطعة، واجهها أيضًا هيثم خالد، 40 عامًا، صاحب متجر في شارع الفتح، إذ يجد صعوبة مؤخرًا في الحصول على منتجات محلية فقط من التجار: "في أول الحرب كانوا يتعاونون في إعطائي المنتجات المحلية ولكن مؤخرًا أصبح الرد اشتري المنتجات الداعمة لأن المقاطعة انتهت".

ومع ذلك ظلّ هيثم مُصرًا على شراء المنتجات المصرية، مما حرمه من الحصول على ثلاجة لعرض بضاعته: "التجار يشترطون لتوفير تلك التلاجة عرض مشروبات غازية تخص المقاطعة بها بموجب عقود مبرمة بين الشركات وأصحاب المحلات لكنني رفضت وازدحمت ثلاجتي الوحيدة بالمنتجات المحلية"

يواجه حامد، بائع شارع الجسر البراني، نفس الضغط منذ عام، إذ هدده أحد التجار بأن استخدامه للثلاجة لعرض منتج مصري وليس منتج الشركة، قد يتسبب في سحب الثلاجة منه وإعادتها للشركة، بينما لا يستطيع محمد توفير ثمن الثلاجة، لأن محله صغير وأرباحه بسيطة.

يقول: "تراجعت الأرباح خلال عامين الحرب لأن المنتج المصري كان أقل سعرًا من المنتج المقاطعة، مما أثر على أرباحي بنسبة 30%، لكنني سعيد لأن ثقافة المقاطعة موجودة حتى بين الأطفال الذي يطلبون البطاطس المصرية تضامنًا مع غزة".

أثر المقاطعة باقيًا

يتسق ذلك، مع قصة رقية عبد الهادي، 34 عامًا من حي دار السلام، والتي وجدت في طفلها، الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، دافعًا قويًا للاستمرار في المقاطعة، بسبب تأثره بمشاهد الحرب ليشجع والدته على الالتزام بهذا النهج، فدخلت معه في رحلة مميزة.

المقطاعة الاقتصادية في حي دار السلام

تقول: "تحولت جولاتي مع ابني إلى ما يشبه الدروس المصغّرة حول أصل كل منتج، كان يرافقني قبل الحرب ليساعدني في حمل الحقائب، لكن الآن يُصرّ على التحقق من المنتجات وتذكيري دائمًا بأهمية المقاطعة، حتى مضى عامان ونحن ما زلنا ملتزمَين بها".

وفق BDS شهدت حركة المقاطعة تناميًا ملحوظًا على أكثر من مستوى خلال النصف الأخير من عام 2023 والنصف الأول من 2024.

على الصعيد الحكومي، قطعت بعض الدول علاقاتها مع الاحتلال، حيث أعلنت بوليفيا إنهاء العلاقات التجارية والدبلوماسية، بينما خفّضت دول أخرى مثل تشيلي وكولومبيا وتشاد وهندوراس وتركيا والأردن مستوى التعامل التجاري معها.

أما على مستوى الشركات، فقد برزت مؤشرات أخرى لفاعلية المقاطعة، إذ أعربت إحدى شركات تصنيع الأسلحة الإسرائيلية عن مخاوفها من تداعيات الحملات المتصاعدة، كما أوقفت شركة رياضية عالمية متخصصة في الملابس تجديد عقدها مع الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بسبب انخفاض المبيعات.

لذا يؤكد سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع: "المقاطعة بشكل عام بتحسس الشعوب أن لديها موقف بعيدًا عن الحكومات والأنظمة، موقف له تأثير في قطاع اقتصادي، وذلك تحقق في غلق بعض فروع كارفور وتراجع مبيعات محلات الطعام الشهيرة".

على مدى عامين من الحرب في غزة، اختار جمال صقر، 35 عامًا، وصاحب محل بقالة في شارع الفتح، أن يملأ رفوف محله بمنتجات محلية دعمًا لأهالي غزة: "نحن أصحاب المحال التي تتمسك بالمقاطعة نواجه ضغوط من التجار لشراء كميات محددة من المنتجات المقاطَعة مقابل ضمان استمرار التعاقد الذي يوفر لنا ثلاجات عرض وهامش ربح جيد، ولكننا نرفض تمسكًا بالمقاطعة".

توضح مؤشرات BDS في النصف الثاني من عام 2024 أن حركة المقاطعة شهدت "نموًا غير مسبوق على صعيد الشعبية والتأثير القابل للقياس"، حيث تراجعت مبيعات "ماكدونالدز" بنسبة 1.5% في أكبر انخفاض لها منذ أربع سنوات، فيما أغلقت "كارفور" جميع فروعها في الأردن، أما في النصف الأول من 2025، فقد تكبّدت "ماكدونالدز" خسائر قُدّرت بنحو 7 مليارات دولار.

بينما يصف صقر حركة الإقبال في الحي على المقاطعة بالجيدة والتي تزيد مع تزايد الانتهاكات الإسرائيلية، مثل أزمة التجويع الأخيرة ومنع دخول المساعدات إلى غزة.

بعد مرور عامين كاملين على حرب الإبادة في غزة، يظل حي دار السلام نموذجًا لاستمرار المقاطعة، التي أصبحت للأهالي مثل سلمى ورقية موقف يومي يتمسكون بالاستمرار فيه، أما التجار مثل حامد وهيثم وجمال، فرغم ضغوط الموردين وخسائر الأرباح، ما زالوا يصرّون على ملء رفوف محلاتهم بالمنتجات المصرية.