عامان من الانتظار.. مستشفيات جامعية حكومية تُخرّج أطباء امتياز دون تدريب

Photographer: سلمى الهواري - تدريب أطباء الامتياز في مستشفيات جامعة المنصورة

Written By سلمي الهواري
2025-09-16 12:09:58

"نحن لا نطلب رفاهية، بل الحد الأدنى من التدريب الذي يؤهلنا لتقديم خدمة صحية آمنة للمريض، نتخرج دون أن نتعلم مهارات الفحص السريري الأساسية"، يعبر، محمد رفعت، 23 عامًا، طبيب امتياز بشري في مستشفى المنصورة الجامعي، عن واقع يعيشه هو وزملاؤه في المستشفيات الجامعية.

درس رفعت الطب في جامعة 6 أكتوبر الخاصة خلال العام 2019، لكنه قرر قضاء عامي الامتياز 2024 و2025، في مستشفى المنصورة الجامعي مقابل دفع رسوم السنة الدراسية المرتفعة التي تصل إلى 70 ألف جنيه، إضافةً إلى مبالغ شهرية تتراوح بين 4 و7 آلاف جنيه بدعوى الدراسة في الجامعة.

يؤكد: "يزداد  كل عام عدد أطباء الامتياز المتدربين من الجامعات الخاصة إلى الحكومي الجامعي، مما يقلل من فرص التعلم العملي للأطباء، نتخرج من عام الامتياز دون أن نتعلم الأساسيات لأي طبيب مثل الفحص السريري، فقط نذهب ونسجل حضور وانصراف من دون محاضرات".

تدريب على ورق

تجربة رفعت ليست استثناءً، بل تعكس واقعًا يعيشه أطباء امتياز في كليات الطب البشري الخاصة، حيث يفتقر العامان الأخيران من الدراسة، المخصصان للتدريب الإكلينيكي، إلى الإشراف والتأهيل المهني، وبدلًا من اكتساب المهارات الأساسية للطبيب، يجد هؤلاء أنفسهم وسط تكدس المتدربين في المستشفيات الجامعية الحكومية وضيق فرص التدريب العملي.

تدريب أطباء الامتياز

يؤكد الدكتور أسامة حمدي، أستاذ سابق في كلية الطب بمستشفى المنصورة الجامعي، أن المستشفى يضم بالفعل أعداد هائلة من طلاب كليات الطب - الامتياز من مختلف الجامعات الحكومية في الدقهلية والقاهرة-، ما يفوق حاجة المستشفى حتى في ساعات ذروة الطوارئ، ويعيق العملية التعليمية.

ويضيف لـ"قلم المنصورة": "عامي الامتياز هما الأهم للطبيب لكن بهذا التكدس يحرم من فرصته الحقيقية في التدريب خلال أول سنتين بعد الدراسة الأكاديمية، ويتخرج غير قادر على إدارة وحدة صحية بمفرده كطبيب مقيم، بل يمكن أن يرتكب أخطاء طبية في المرضى".

ولا ينكر الدكتور علي توفيق، نقيب أطباء الدقهلية، في حديثه لـ"قلم المنصور" أن معاناة أطباء الامتياز في مصر تجاوزت حدود الخلل الإداري، لتصبح ظلمًا صريحًا يستدعي المواجهة، موضحًا أن سنة الامتياز التي يفترض أن تكون فترة تدريب وصقل للمهارات، تحولت في كثير من المستشفيات إلى عام من الاستنزاف البدني والنفسي للطبيب الشاب، دون فائدة مهنية ملموسة.

الانتداب هو آلية لتوزيع أطباء الامتياز على مستشفيات أو أقسام خارج المستشفى التعليمي التابع لكلية الطب، وفقًا لقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، ويستمر طبيب الامتياز في التدريب لمدة 12 شهرًا قبل الحصول على ترخيص مزاولة المهنة، ثم ينتدب إلى مستشفيات الصحة أو التأمين الصحي أو جامعات أخرى.

ويشمل التدريب في عامي الامتياز تطوير مهارات الفحص الإكلينيكي واتخاذ القرارات الطبية والتعامل مع الطوارئ وكتابة الملفات والتقارير والعمل الجماعي والتواصل مع المرضى، إلى جانب تدريب عملي في تخصصات مختلفة؛ مثل: الجراحة العامة والباطنة والنساء والتوليد والأطفال والطوارئ وطب الأسرة.

لكن لم يخضع أحمد أيمن، 23 عامًا، طبيب امتياز بمستشفى طب المنصورة الجامعي، لتلك التدريبات خلال فترة امتيازه بها العام 2024، حيث درس الطب في قسم "مانشيستر" الخاص التابع لمستشفى المنصورة الحكومي، إذ يواجه معاناة يومية بسبب التكدس الكبير في أعداد الأطباء تحت التدريب، وندرة عدد النواب -وهم المسؤولون عن التدريب- مقارنةً بأطباء الامتياز، ما جعله يحضر يوميًا من أجل إمضاء الحضور والانصراف.

يقول: "حاولت الاستفادة قدر الإمكان استعدادًا لاجتياز امتحان مزاولة المهنة الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الخبرة الإكلينيكية، لكن قلة التدريب الميداني والعملي أثرت على امتحاناتي في العام الأول".

الامتياز.. ترحيل وليس تدريب

ويرى الدكتور أحمد صادق، أستاذ التعليم الطبي بجامعة المنصورة، في حديثه لـ"قلم المنصورة" أن الأزمة لا تتعلق فقط بعدم وجود تدريب، بل بانهيار كامل في فلسفة إعداد الطبيب: "نحن أمام حالة من الانفصال التام بين التعليم الجامعي وسوق العمل، أُنشِئت كليات طب بلا مستشفيات ولا طواقم تدريب، ومع زيادة الأعداد سنويًا دون خطة قومية، أصبح الامتياز مرحلة ترحيل وليست تدريبًا".

-يبلغ عدد كليات الطب البشري في مصر حاليًا نحو 46 كلية موزعة بين الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية، ويُلتحق بها سنويًا قرابة 12 ألف طالب وطالبة، مع خطة لزيادة العدد إلى 15 ألفًا سنويًا لسد العجز في أعداد الأطباء. 

-ويتراوح عدد خريجي هذه الكليات الذين يبدأون سنة الامتياز بين 10 و12 ألف طبيب سنويًا، موزعين على مستشفيات التعليم العالي والصحة والتأمين الصحي، ضمن برنامج تدريبي يشمل مختلف التخصصات الإكلينيكية.

يحكي الدكتور عبد الحي واقعة حدثت معه خلال العام 2025،  حين التقى بإحدى طبيبات الامتياز من خريجي جامعة خاصة، وأخبرته أن كليتها، التي تفتقر إلى مستشفى جامعي، تعاقدت مع جامعة القاهرة لتدريب 350 خريجًا، لينضموا إلى آلاف الأطباء الذين يتدربون بالفعل في القصر العيني، ما جعل فرص التدريب العملي شبه معدومة. 

تدريب أطباء الامتياز

ويقتصر الأمر على توقيع الحضور والانصراف، بينما يلجأ بعضهم إلى دفع 4 آلاف جنيه لمن يوقّع عنهم يوميًا، بينما تفرض الكلية رسومًا شهرية تصل إلى 7 آلاف جنيه، مقابل هذا "التدريب الشكلي"، وفق روايته.

يتسق ذلك مع الواقعة التي أثيرت أبريل الماضي، بإيقاف 8 أطباء امتياز في مستشفيات جامعة القاهرة دفعة 193 عن العمل، بسبب اعتراضهم على غياب أي برنامج تدريبي فعلي، حيث لا يُسمح لهم بمرافقة الأطباء ذوي الخبرة في الطوارئ، سواء للمشاهدة أو المشاركة، ما يحرمهم من فرصة اكتساب خبرة ميدانية مهمة، وتقتصر المهام على أعمال تمريضية بحتة، دون وجود أي فرص تعليمية حقيقية.

وأكدت عدة جهات حقوقية منها لجنة العدالة، جمعية حقوقية في سويسرا، أن العقاب على مجرد الشكوى يكرس بيئة طاردة للأطباء في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من عجز حاد، مطالبةً بإلغاء القرار وفتح حوار جاد لتحسين أوضاعهم بدلًا من معاقبتهم على كشف واقع يعيشه عشرات الآلاف منهم يوميًا.

ويتحدث الدكتور عمرو عبدالقادر، استشاري الجراحة العامة وعضو مجلس الزمالة المصرية سابقًا، عن خطورة ذلك، مرجعًا السبب إلى أن سنة الامتياز تعد تدريبًا عمليًا أساسيًا، ولا يمكن للطبيب دخول الزمالة أو التخصص دون المرور بها. 

ويوضح لـ"قلم المنصورة" أن التدريب في هذه السنة يحدد مدى صلاحية الطبيب لأي تخصص، سواء كان جراحة أو باطنة، لكن الوضع الحالي يسمح بتخرج الطالب ودخوله الزمالة دون أن يكون جاهزًا حتى للتعامل داخل غرفة العمليات. 

بيئة طاردة

-في عام 2022، بلغ عدد الأطباء المسجَّلين في النقابة العامة 380 ألف طبيب، منهم 125 ألفًا يعملون في القطاع الحكومي، وبحسب بيانات النقابة لعام 2023، يعمل نحو 120 ألف طبيب مصري بالخارج، أي ما يعادل 67% من إجمالي الأطباء. 

تدريب أطباء الامتياز

ونتيجة لذلك، انخفضت  النسبة المحلية للأطباء إلى 8.6 طبيب لكل 10 آلاف مواطن، مقابل المعدل الموصى به من منظمة الصحة العالمية البالغ 23 طبيبًا، ما أدى إلى زيادة ساعات عمل الأطباء لتصل إلى نحو 96 ساعة أسبوعيًا.

تدريب أطباء الامتياز

اضطرت منة الله أبو الفتوح، طبيبة امتياز حاليًا في جامعة الدلتا الخاصة بالمنصورة، إلى قضاء سنة الامتياز العام 2025 في مستشفى جامعة المنصورة الحكومية مقابل رسوم إضافية لعدم امتلاك جامعتها الخاصة مستشفى جامعي، رغم أن رسومها الدراسية تصل إلى 80 ألف جنيه في العام.

تقول: "خلال العام الأول لم نخضع لأي تدريبات عملية، ولم نكتسب المهارات اللازمة، ولا يوجد أي برنامج تدريبي واضح، جميعًا سنتخرج بدون المهارات الأساسية".

ومع ذلك، لا يرى الدكتور أحمد منصور، عميد كلية الطب البشري بجامعة الدلتا، أي حل للأزمة سوى استمرار الجامعات الخاصة في التعاقد على سنة الامتياز مع المستشفيات الجامعية لتدريب الأطباء، مرجعًا السبب إلى تضخم أعداد الخريجين وضعف عدد الجامعات في المحافظة، إلى جانب انخفاض الحدود الدنيا للقبول في الجامعات الخاصة والأهلية. 

ويضيف لـ"قلم المنصورة": "نحاول إعداد كوادر طبية قوية لكن الإمكانيات في الواقع قليلة، ونحن بصدد إنشاء مستشفى جامعي خاص خلال الأعوام المقبلة".

ويعلق الدكتور أحمد صادق، أستاذ التعليم الطبي بجامعة المنصورة، على ذلك بتأكيده: "في بعض الدول، لا يُمنح اعتماد أكاديمي لأي كلية طب دون مستشفى جامعي نشط، أما في مصر تُمنح التراخيص بشروط شكلية، وتتحمل العبء المستشفيات الحكومية وأطباء الامتياز بها".

لذا يطرح الدكتور أسامة حمدي، أستاذ سابق في كلية الطب بمستشفى المنصورة الجامعي، حلولًا لإعادة سنة الامتياز كما كانت، منها: "وقف إنشاء كليات طب جديدة بلا مستشفى جامعي مجهز، إعداد برنامج تدريبي وطني موحد يخضع للتقييم الدوري، منع التعاقد بين الجامعات بعد عامين لإلزام الكليات ببناء مستشفياتها، تحديد نسبة الأسرة المجانية المطلوبة لكل عدد من الطلاب، وضم سنة الامتياز لبداية برنامج الزمالة على غرار النظام الأمريكي".

حاولت معدة التقرير التواصل مع الدكتور محمد أيمن عاشور وزير التعليم العالي، عبر الاتصال الهاتفي وتطبيق "الواتس آب" للرد على عدم تلقي أطباء الامتياز التدريب المهني في المستشفيات الحكومية، إلا أنه لم يستجب حتى نشر هذا التقرير.

سيتخرج كل من أيمن ومنة ورفعت، ليُضخَّ إلى القطاع الطبي المصري مزيد من الأطباء غير المؤهلين، نتيجة عدم تلقيهم تدريب الامتياز، مما يؤدي إلى اتساع فجوة الكفاءة في المستشفيات، وتفاقم المخاطر التي تهدد المرضى.