في مطلع يونيو الماضي، توجهت أم محمد، 68 عامًا، من مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، إلى مكتب التأمينات الاجتماعية لصرف معاش زوجها المتوفي، إلا أنها فوجئت بإيقاف بطاقتها، بدعوى تحديث البيانات، وهو إجراء يحدث سنويًا في يونيو.
وبعد مرور أيام قليلة، عادت أم محمد إلى مكتب التأمينات، آملة استعادة معاشها، الذي يبلغ 3765 جنيهًا، منذ عام 2015، لتروي: "اسمك اتمسح من السيستم.. بقيتي غير مستحقة للمعاش".. أجابها الموظف دون تفسير، قائلة: "من يوم ما جوزي مات ومعنديش أي دخل تاني، ومفيش حد بيصرف عليا دلوقتي هعيش منين؟".
تحديث البيانات
جاء قرار حذف اسم "أم محمد" من منظومة مستحقي المعاشات، متزامنًا مع إعلان وزارة التضامن الاجتماعي عن زيادة مرتقبة في المعاشات، بنسبة 15% بدءًا من أغسطس الجاري، وهي الزيادة التي خُصصت لفئات محددة من المستحقين، ومع حملة تحديث تطلقها سنويًا وزارة التضامن الاجتماعي، بزعم تنقية قواعد بيانات المعاشات والتأمين الصحي من "غير المستحقين"، لكن -وفقًا لما رصدناه في هذا التقرير- تسفر هذه الحملات عن خروج مواطنين فقراء من منظومة الدعم والمعاش دون وجه حق، يبدؤون رحلة طويلة ومرهقة بين مكاتب التأمينات لإعادة صرف معاشاتهم في غياب رقابة وزارتي الصحة والتضامن.

وبينما تؤكد المادة 27 من الدستور المصري، على تحقيق التوازن بين الحد الأدنى للأجور والمعاشات بما يضمن حياة كريمة للمواطنين، لا تزال الفجوة قائمة بين الحد الأدنى للأجور الذي ارتفع في يوليو الماضي إلى 7 آلاف جنيه، والحد الأدنى للمعاشات التي توقفت عند 1719 جنيهًا (ما يعادل نحو 35.31 دولار)، رغم الزيادة الأخيرة.
يعلق إبراهيم أبو العطا، أمين عام نقابة أصحاب المعاشات: "الحذف العشوائي للمستحقين خلال كل تحديث دوري للبيانات، تعكس غياب آلية مراجعة دقيقة، وتعرّض آلاف المواطنين للحرمان من حقوقهم دون مبرر قانوني".
ويؤكد لـ"قلم المنصورة" تلقت النقابة خلال الشهور الماضية، مئات الشكاوى من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، بعد أن فوجئوا بوقف صرف معاشاتهم أو أدويتهم، دون سابق إنذار أو إجراء أي فحص ميداني لحالتهم الصحية أو المعيشية".
ويستند مسؤولو التأمينات في قرارات وقف الصرف إلى إجازة المادة 103 من قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، لوقف صرف المعاش في حالتين: "إذا التحق المستحق بأي عمل يدر عليه دخلًا صافٍ أو مارس مهنة تجارية"، بينما تحدد المادة 105 من القانون ذاته، قطع المعاش حال "وفاة المستحق أو زواج الأرملة".
ولا تنطبق تلك الحالات على أم محمد؛ التي تقدمت بأكثر من شكوى لمكتب التأمينات دون إجابة، رغم إعلان وزارة التضامن عن فتح باب التظلمات، وتظل بطاقتها معطّلة: "أخبروني أن اسمي على السيستم ظاهر أن عندي عربية فارهة معرفش منين! دا أنا حتى مش عارفة أصرف الأدوية من يوم وقف المعاش".
ويعتمد قرابة 11 مليون مواطن على المعاش، مصدرًا للدخل، وفقًا لأحدث بيانات الهيئة العامة للاستعلامات، بإجمالي 445 مليار جنيه، بينما يبلغ عدد المؤمن عليهم صحيًا حاليًا نحو 70 مليون بنظام التأمين الصحي القديم حتى 2024.
منهم أم أنس، أرملة 62 عامًا، كانت تتقاضى معاشًا قدره 1100 جنيه تنفقه على الإيجار ودواء السكر والضغط، قبل أن يُقطع عنها قبل 4 أشهر بدعوى عدم استحقاقها وفقًا للتحديث الأخير.
حاولت تحديث بياناتها إلكترونيًا لكنها لا تجيد استخدام الإنترنت، فاستعانت بجار لها لكنه واجه تعطلًا في موقع هيئة المعاشات، ثم لجأت لتقديم تظلم رسمي وانتظرت لساعات في طوابير المكتب، وإلى الآن لم تتلق رد سوى: "تحت المراجعة".
ليست تنقية ولا "ضبط الإنفاق"
لا ترى سلمى حسين، الباحثة في العدالة الاقتصادية، أن ما يُجرى حاليًا تحت مسمى "تنقية قواعد بيانات أصحاب المعاشات"، هو إجراء فني لضبط الإنفاق العام، بل قرار يحمل تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة، موضحة أن المستهدفون هم أشخاص مصدر دخلهم هو المعاش، مثل: كبار السن وذوي الحالات الصحية، ما يجعلهم في موقع هش اقتصاديًا، ويواجهون خطر الفقر الفوري إذا انقطع هذا الدخل حتى لشهر واحد.
وتضيف لـ"قلم المنصورة" أن استبعاد هؤلاء دون إعلان مسبق أو آلية واضحة وشفافة للتظلم، يمثل انزياحًا مقلقًا من مفهوم دولة الرعاية الاجتماعية إلى ما يشبه "الفرز البارد"، حيث تُتخذ قرارات مصيرية بحق الفئات الأضعف دون اعتبار كافٍ لعدالة الإجراء، مشددة على أن مثل هذه الإجراءات، حتى وإن جاءت بدافع ضبط الموارد، ينبغي أن تُدار بمنطق العدالة الاجتماعية لا بمنطق التقشف المالي.
ويقع أكثر من 66% من المصريين تحت خط الفقر، وفق تقرير البنك الدولي في مايو 2025، وارتفعت نسبة الفقر من 29.7% في العام 2019 إلى 33.5% خلال العام 2021.
جفاف الـ "قواعد إلكترونية"
في يونيو الماضي، تلقى حسين عبداللطيف، 73 عامًا، مريض قلب، يتقاضى معاش شهري 5245 جنيهًا، صدمة حين اكتشف إلغاء بطاقة التأمين الصحي الخاصة به دون سابق إنذار، بعدما كان يصرف أدويته من مستشفى التأمين الصحي في سندوب.
يرجع مدحت منصوري، 52 عامًا، مسؤول بالهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بمحافظة الدقهلية، عمليات الاستبعاد في حق مستفيدي المعاشات والتأمين الصحي إلى أن "التنقية تتم وفق قواعد إلكترونية تلقائية، قد ينتج عنها أخطاء، مثل تضارب أسماء أو بيانات، وبناء عليها يستبعد المستفيد عبر وقف بطاقته وعليه تقديم شكوى".

لكنه يشير إلى أن الهيئة لا تتعامل مع هذه الحالات بشكل نهائي دون مراجعة. "توجد لجنة تظلمات دائمة تستقبل الشكاوى وتراجعها بشكل يومي، كما تخضع المنظومة لتحديثات مستمرة لضبط قواعد البيانات، وضمان توجيه الدعم لمستحقيه الفعليين".
يتناقض ذلك مع رواية سُمية ابنة حسين، إذ قدم والدها شكوى رسمية إلى فرع الهيئة العامة للتأمين الصحي بمحافظة الدقهلية، لكنه لم يتلق أي رد حتى الآن، رغم تقديم المستندات لإثبات تكلفة الدواء والعلاج دون مظلة التأمين، لكنها لم تكن كافية لعودته إلى المنظومة.
تقول: "المشكلة لم تعد في ارتفاع سعر الدواء فقط، بل في اختفائه تمامًا، الأدوية الضرورية لأصحاب الأمراض المزمنة لم تعد متوفرة لا في الصيدليات ولا حتى في السوق السوداء، التأمين الصحي كان الملاذ الأخير، والمستشفيات الحكومية لم تعد توفر هذه الأدوية حتى في حالات الطوارئ، فأصبح الحصول على العلاج رحلة شاقة تفوق في صعوبتها عبء تكلفته".
صوت غير مسموع
تؤكد الباحثة سلمى، أن ما حدث مع حسين، هو غياب واضح للعدالة الاقتصادية: "نؤمن أن أي إصلاح مالي لا يضع حماية الفئات الأكثر هشاشة في قلب أولوياته، هو إصلاح غير عادل من الأساس، كان الأجدى بدلًا من الاستبعاد السريع، الاستثمار في تطوير قواعد البيانات بدقة تضمن أن يُستبعد فقط من ثبت فعليًا عدم استحقاقه".
تكشف بيانات موازنة 2024/2025 أن زيادة مخصصات الصحة من 200 إلى 246 مليار جنيه (بنحو 23%) لا تعوض أثر التضخم، حيث أن نسبة الإنفاق الصحي لم تتجاوز 1.2% من الناتج المحلي البالغ 20.4 تريليون جنيه، مخالفـةً للمادة 18 من الدستور التي تُلزم بتخصيص 3% على الأقل للقطاع.
وينتقد محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، أن "تنقية الملفات" يجري دون إشراف طبي فعلي أو تواصل مباشر مع المرضى، ما يحوّلها إلى آلية إدارية جافة تُقصي المواطن دون النظر إلى أثر القرار على صحته أو حياته. "كبار السن، لا يملكون ترف الانتظار أو التكيف مع انقطاع العلاج، فالأمر لا يرتبط بجودة الحياة فقط، بل ببقائهم على قيدها".
ويقول لـ"قلم المنصورة": "الحق في الصحة لا يقتصر على وجود دواء أو سرير في مستشفى، بل يشمل التزام الدولة الدستوري بضمان استمرارية العلاج، خاصًة للفئات الأكثر هشاشة، لذا نطالب بوقف فوري لأي عمليات استبعاد دون مراجعة طبية موثقة، تفعيل آليات واضحة وسريعة للتظلم، إلى جانب ضرورة الربط الكامل بين قواعد بيانات الصحة والتأمينات والمعاشات، بما يضمن احترام كرامة المواطن وعدم معاملته كرقم في نظام إداري".
وتنص المادة 18 من الدستور المصري على أن: "لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، وتلتزم الدولة بالحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة، ودعمها، والعمل على رفع كفاءتها، وضمان توزيعها الجغرافي العادل".
الأخطاء تحدث.. وغياب الحل
ولا ينكر منصوري، وقوع بعض الأخطاء، موضحًا أنهم يعتمدون على الربط الإلكتروني مع عدد من الجهات الحكومية، من بينها مصلحة الأحوال المدنية وهيئة التأمين الصحي وهيئة الرقابة الإدارية والصحة والتضامن، ما يُسهم في كشف الحالات غير المستحقة بشكل دقيق.
بينما يقترح أبو العطا، إنشاء منظومة مراجعة ثلاثية المراحل لتفادي حالات الحذف غير الدقيقة، تبدأ بالتحقق الرقمي من البيانات، تليها مراجعة ميدانية من وحدة الشؤون الاجتماعية، ثم مقابلة شخصية مع المواطن قبل اتخاذ قرار الحذف النهائي، مع ضرورة إخطار المستفيد بالقرار قبل تنفيذه بمدة لا تقل عن 30 يومًا، ومنحه حق التظلم بشكل رسمي.
ويوضح أن النقابة تُجري حاليًا تنسيقات مع وزارة التضامن الاجتماعي وعدد من أعضاء مجلس النواب، لطرح مقترح تشريعي يمنع حذف أي مستحق دون إجراء فحص فعلي، كما طالبت النقابة بإتاحة قاعدة بيانات شفافة تُمكّن المواطن من معرفة سبب الحذف أو الإيقاف، وتوضيح آليات الطعن عليه بطريقة ميسّرة وواضحة.
حاولنا الاتصال بوزير الصحة الدكتور حسام عبدالغفار، ووزيرة التضامن الاجتماعي الدكتورة مايا مرسي، عبر الهاتف ورسائل "الواتس آب" لمعرفة جهود الوزارتين في حل مشكلة التنقية العشوائية، للمعاشات والتأمين الصحي إلا إنهما لم يردا حتى كتابة هذه السطور.
سقطت أم محمد وحسين من "سيستم" الدولة بلا سابق إنذار، رغم معاناتهما للحصول على المعاش والدواء، بينما تحاول الدولة ضبط الإنفاق عبر تحديث البيانات يُقصى الأضعف أولًا.