ثمن الترشيد.. نساء يواجهن التحرش في الظلام: الشوارع لم تعد آمنة

تصميم| محمد صلاح

Written By سلمي الهواري
2026-04-23 17:10:01

كان الشارع مختلفًا عن صورته المعتادة؛ مع اقتراب الساعة التاسعة مساءً في أوائل أبريل الجاري، بدأت أضواء المحال تنطفئ تباعًا، لتغرق أجزاء واسعة من الطريق في عتمة مفاجئة، كانت أمل شادي، 23 عامًا، طالبة بكلية طب جامعة المنصورة، تسير عائدة من تدريبها في مستشفى المنصورة العام، تحاول الإسراع بخطواتها قبل أن يختفي ما تبقى من حركة المارة. 

تقول: "في إحدى المرات، وفي أثناء عودتي من المستشفى، اضطررت للمرور في شارع أحمد ماهر وهو شارع جانبي منعدم الإضاءة، فوجدت شابين يوجهان لي عبارات مزعجة خادشة للحياء، أسرعت في طريقي وبقى الشابان يتبعانني حتى خرجت إلى شارع أكثر إضاءة، يومها شعرت بخوف شديد لم أشعر به من قبل".

التحرش في الظلام

ظلام الشوارع يضاعف مخاوف النساء 

لا تُعد تجربة أمل حالة فردية، إذ تزايدت شكاوى نساء وفتيات في المنصورة من الشعور بانعدام الأمان خلال الفترات المسائية منذ بدء تطبيق خطة ترشيد استهلاك الكهرباء، إذ وفق شهادتهن أصبحت الشوارع أكثر ظلمة، وهو ما خلق بيئة مواتية لوقائع التحرش اللفظي والمضايقات، خاصة في الطرق الجانبية.

تقول أمل: "شعرت لأول مرة في حياتي أنني في خطر، كنت أمشي بخطوات سريعة، والتفت خلفي من وقت لآخر فأجدهما ما زالا يسيران خلفي، كنت أزيد من سرعتي دون أن أركض، وظللت أمشي لأكثر من 20 دقيقة وهما يلاحقانني بعبارات لفظية مزعجة، ومع دخولي شارعًا جانبيًا، اقتربا أكثر حتى أصبحا يسيران بجانبي في منتصف الطريق، فالتزمت الصمت تمامًا، بينما كانا يحاولان لمسي بطرق مختلفة إلا أنني أسرعت نحو طريق رئيسي فابتعدا عني".

التحرش في الظلام

في مطلع أبريل الجاري، أعلنت رئاسة مجلس الوزراء تطبيق قرارات تنظيمية في إطار ترشيد استهلاك الكهرباء، تشمل غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً، إلى جانب تقليل إنارة الشوارع والميادين في عدد من المناطق، وانعكست هذه الإجراءات بشكل مباشر على شكل الحياة المسائية، خاصة لدى نساء يعتمدن على وجود المارة والإضاءة كعوامل أساسية للشعور بالأمان.

تشير نتائج مسح التكلفة الاقتصادية للعنف ضد المرأة، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن نحو 9.6% من النساء في مصر تعرضن للتحرش في الشوارع خلال آخر 12 شهرًا، فيما أفادت 6.6% منهن بتعرضهن للتحرش في وسائل المواصلات العامة. وجاءت هذه البيانات ضمن مسح وطني حول العنف ضد المرأة، أُجري بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان.

الخوف أصبح جزءًا من الطريق

في ظل هذا الواقع، تحكي فاطمة بهاء، 26 عامًا، مندوبة بإحدى شركات الأدوية في المنصورة: "في أحد الأيام تأخرت قليلًا بسبب ضغط العمل، وعندما خرجت وجدت شارع منتصر بالمنصورة شبه خالٍ، المحلات مغلقة والإضاءة ضعيفة. بعد نزولي من حافلة المواصلات، لاحظت مجموعة من الشبان يقفون على جانب الطريق، وبدأوا في إطلاق تعليقات بصوت مرتفع، وكلما اقتربت ازدادوا في الكلام والضحك. حاولت تجاهلهم، لكن شعوري بالخوف كان يتزايد مع كل خطوة".

وتضيف: "أسرعت في السير وأنا أشعر أنهم يتبعونني، ولم أهدأ إلا عندما وصلت إلى المنزل. عدت في حالة توتر شديد، ولم أتمكن من النوم بسهولة بسبب التفكير فيما حدث. منذ ذلك اليوم، أصبحت أنظم يومي بحيث لا أتأخر، حتى لو كان ذلك على حساب عملي أو إنتاجيتي".

نفس شعور عدم الأمان لدى أمل انتاب فاطمة في ذلك اليوم: "أشعر أن اضطراري لتغيير مساري المهني وقراراتي اليومية بدافع الخوف من الشارع أمر قاسٍ للغاية. لم يعد الأمان حقًا بديهيًا، بل شيئًا أبحث عنه بنفسي كل يوم".

- وتشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن 82.6% من النساء في مصر لا يشعرن بالأمان في الشوارع، فيما أفادت 86.5% منهن بعدم شعورهن بالأمان في وسائل المواصلات العامة.

لذا تؤكد انتصار السعيد، المحامية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أن قرارات غلق المحال وتقليل إنارة الشوارع، رغم أهدافها الاقتصادية، كان ينبغي دراستها من زاوية أوسع تأخذ في الاعتبار سلامة النساء في الفضاء العام.

وتضيف لـ"قلم المنصورة": "الشارع المظلم بطبيعته يخلق بيئة أكثر هشاشة، ليس فقط بسبب ضعف الرؤية، وإنما أيضًا نتيجة غياب الرقابة المجتمعية التي توفرها الحركة المستمرة ووجود المارة والمحلات المفتوحة. ومع هذا الغياب، يشعر بعض المتحرشين بقدر أكبر من الجرأة، بينما تجد الفتاة نفسها أقل قدرة على طلب المساعدة أو حتى لفت الانتباه إلى ما تتعرض له".

تحرش ومضايقات في شوارع أقل إضاءة

- في 30 مارس الماضي، تقدم الدكتور ياسر الهضيبي، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري التنمية المحلية والكهرباء والطاقة المتجددة، بشأن ما وصفه بتزايد مخاطر الظلام الدامس في الشوارع، وكونه بيئة قد تُسهم في زيادة معدلات الجريمة وتعريض سلامة المواطنين للخطر في آن واحد.

ذلك ما حدث مع ميادة عمرو، 24 عامًا، طالبة دراسات عليا في جامعة المنصورة، التي روت تجربتها مع المواصلات ليلًا، قائلة: "لم أكن أفضّل العودة متأخرة، لكن طبيعة دراستي كانت تفرض عليّ ذلك أحيانًا، فكنت أضطر لاستخدام الميكروباص كوسيلة أسرع للوصول إلى المنزل. في البداية كنت أعتقد أن وجود ركاب آخرين قد يمنحني قدرًا من الأمان، لكن ما حدث غيّر هذه الفكرة تمامًا".

تقول: "في إحدى الليالي استقليت ميكروباصًا من منطقة الاستاد بالمنصورة بعد الساعة التاسعة، وكان عدد الركاب قليلًا. جلست في المقعد الخلفي، وبعد دقائق شعرت بأن أحد الجالسين بجواري يتعمد الاقتراب بشكل غير مريح. حاولت أن أتحرك لتفاديه، لكن المساحة كانت ضيقة، ومع قلة الركاب شعرت أنني محاصرة داخل مكان مغلق دون أي وسيلة للهروب".

وتضيف: "تطور الأمر إلى محاولات متكررة للمس، وكأنه يستغل الظلام وقلة الانتباه.ظللت متجمدة في مكاني، وعندما نزلت شعرت وكأنني نجوت من موقف صعب، لكن أثره لم ينتهِ. بقي معي إحساس دائم بعدم الأمان، وأصبحت أتجنب ركوب الميكروباص مساءً قدر الإمكان، حتى لو اضطررت للانتظار أو دفع تكلفة أكبر".

- تشير دراسة صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن نحو 99.3% من النساء في مصر تعرضن لشكل من أشكال التحرش الجنسي، ما يعكس اتساع نطاق الظاهرة وارتباطها بتجارب يومية تواجهها النساء في الفضاءات العامة المختلفة.

توضح السعيد، أن معالجة هذه المشكلة لا تقتصر على العقوبات فقط، بل تتطلب إجراءات وقائية واضحة، قائلة: "من الضروري إعادة تقييم مستويات الإضاءة في الشوارع الحيوية، والإبقاء على حد أدنى من الأنشطة التجارية أو الخدمية المفتوحة ليلًا، مع زيادة التواجد الأمني في أوقات الغلق، إلى جانب توفير وسائل نقل آمنة ومراقبة بالكاميرات".

وتضيف: "توفير الأمان للنساء يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي قرار يتعلق بتنظيم الحياة اليومية، لا نتيجة لاحقة له. كما أن إشراك النساء في صنع القرار أمر مهم، إلى جانب فتح قنوات سهلة وسريعة للإبلاغ عن وقائع التحرش، مع ضمان التعامل الجاد مع البلاغات".

وأفاد بيان لمبادرة "سوبر وومان" أن إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء قد تنعكس سلبًا على مستوى أمان النساء في الفضاء العام، مؤكدةً ضرورة أن تترافق أي إجراءات لترشيد الطاقة مع بدائل تضمن سلامة النساء، مثل تعزيز التواجد الأمني، واستخدام حلول إضاءة موفرة للطاقة بدلًا من الإطفاء الكامل.

تتقاطع شهادات أمل وفاطمة وميادة عند شعور واحد يتكرر بأشكال مختلفة: الخوف في الفضاء العام ليلًا، وتحوّل الطريق من مساحة عبور عادية إلى تجربة يختلط فيها القلق بانعدام الأمان منذ تطبيق خطة ترشيد استهلاك الكهرباء.

جميع الأسماء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهم\هن وحفاظًا على هويتهم\هن.