في شوارع بورسعيد، لم يكن شخصًا غريبًا، ولا نجمًا يختبئ خلف زجاجٍ داكن، كانت خطواته مألوفة، يعرفه الناس على المقاهي، يصافحونه في المواصلات واحدًا منهم لا مدرب كبير بل جارٍ قديم وابن أصيل للمدينة، إذ إنه بعد كل مباراة يعود إليهم بلا أضواء ولا دروع، فقط بقلبٍ كبير وامتنان يحملهما معه في كل خطوة.
كان ميمي عبدالرازق، مدرب نادي المصري البورسعيدي السابق، الذي وافته المنية، ليلة أمس، يعود كل مرة لتدريب النادي المصري لا بعقود ولا تفاوض، بل في اللحظات الحرجة التي يضيق فيها الأفق وتنهار الحالة الفنية للفريق، يعود دائمًا بلا شروط بلا مطالب بلا حتى وعود بالاستمرار، مجرد استدعاء من ناديه يكفي ليكون في الصف الأول، كما كان دائمًا.
ربما لم يرفع كأسًا ولم يقف على منصة تتويج، لكن البورسعيدية لم يحتاجوا إلى ذلك، في قلوبهم، كان ميمي هو البطولة التي لا تُنسى، والمدرب الذي لم تُنصفه الكاميرات، لكنه بقي نجمًا لا يغيب.
"أنا بورسعيدي، ومش عارف هرجع البلد إزاي من إسكندرية، كان نفسي أفرّح الناس وأنهي مشواري ببطولة".. بهذه الكلمات المؤثرة، خرج ميمي عبدالرازق باكيًا بحرقة على الهواء، عقب خسارة المصري نهائي كأس الرابطة أمام سيراميكا كليوباترا في يوليو 2023، بسبب حبه الشديد للفريق.
لم تكن دموع الهزيمة، بل دموع خذلان الحلم الأخير، ذلك الحلم الذي أفنى فيه سنوات عمره، أن يرى مدينته تحتفل بتتويج طال انتظاره.
وُلد ميمي في 13 يناير 1960، وبدأ مشواره لاعبًا في نادي المريخ وبورفؤاد، قبل أن تجبره الإصابة على الاعتزال المبكر، لكنه لم يغادر الملعب، إذ دخل مجال التدريب بعزيمة استثنائية، وقاد فريق بورفؤاد وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين، ليصبح أصغر مدرب في تاريخ الدوري الممتاز آنذاك.
لم يقتصر عطاؤه على الملاعب، بل امتد إلى قاعات الجامعة، حيث أشرف على أكثر من 300 رسالة دكتوراه أستاذٍ بكلية التربية الرياضية، وأسهم في تخريج أجيال من المدربين واللاعبين.

على مدار مسيرته، ترك ميمي بصمة لافتة؛ قاد المصري في الثمانينات إلى نهائي كأس مصر، حقق مع الفريق المركز الثالث في البطولة العربية بالكويت عام 1998، في تجربته مع سموحة؛ وصل لنهائي الكأس وحقق فوزًا تاريخيًا على الأهلي بثلاثية في موسم 2015.
وفي رحلته الأخيرة مع المصري، عاد دون ضجيج، وقاد الفريق لفوزين ثمينين ضمنا له مقعدًا في الكونفدرالية الإفريقية، قبل أن يُعين رئيسًا للجنة التخطيط، لم يتوقف عن العطاء حتى وإن غابت عنه الكاميرات.
أنهت أزمة قلبية مفاجئة، مساء أمس الأربعاء، 16 يوليو الجاري، رحلة الكابتن ميمي عبدالرازق، عن عمر بلغ 65 عامًا من الانتماء والعطاء، ليخرج أهالي المدينة التي أحبها وأحبّته من مسجد الكبير المتعال ببورسعيد، لتشييع جثمان الرجل الذي لم يُتوج بكأس، لكن تُوِّج بقلوبهم.