الميكروباص الأخير

تصميم| محمد صلاح

Written By زياد الجندي
2025-08-15 10:00:05

كان يوم عماد طويلًا وشاقًا، فالعمل في المصنع لم يكن سهلًا أبدًا، خاصة مع ضغط المواعيد وتسارع الآلات الصاخب من حوله، كما اعتاد على التأخر دومًا في المغادرة. وفي تلك الليلة تحديدًا، نهش الإرهاق جسده وروحه، شعر كأن قدميه تسحبانه بالكاد نحو الطريق الرئيسي. شارد العقل بين هموم العمل المتراكمة وقلقه الدائم على والدته المسنة التي تنتظره مستيقظة، تقلق عليه في كل ليلة يتأخر فيها، وتتمنى أن يعود سالمًا. وقف عماد على جانب الطريق المضاء بضوء خافت، ينتظر أي ميكروباص يعيده إلى منزله المتواضع، بينما بدا الليل ساكنًا بشكل غريب، لا يُسمع سوى صوت خطواته المتعبة وصدى أنفاسه الثقيلة.

بعد دقائق بدت كأنها دهر، توقفت أمامه سيارة ميكروباص قديمة مهترئة، أضوائها الأمامية الخافتة بالكاد تخترق الظلام الدامس. يجلس داخلها أربعة ركاب صامتين تمامًا، وجوههم شاحبة بالكاد تُرى تحت ضوء النيون الباهت المتذبذب داخل السيارة. لاحظ عماد أنهم لا يتحركون ولا ينظرون إليه، وكأنهم تماثيل شمعية. أما السائق، بدا منتصبًا ينظر إلى الأمام بثبات غريب، لكن عندما التفت للحظة قصيرة نحو عماد، شعر الأخير بنظرة باردة و ثاقبة تخترق جلده.

تردد عماد للحظة وهو يتأمل السيارة وساكنيها، شعور مبهم بالانزعاج تملك منه، لكن التعب الشديد ورغبته الجامحة في العودة إلى فراشه الدافئ غلبا حذره المنطقي، فصعد وجلس في المقعد القريب من الباب. انطلق الميكروباص ببطء شديد، وكأن قوّة خفية تدفعه، والصمت يسيطر على الأجواء بشكل خانق، حتى صوت المحرك القديم بدا خافتًا ومكتومًا بشكل غريب، كأنه همس بالكاد يُسمع. نظر عماد من النافذة المثقلة بالغبار، ولاحظ ببطء أن الطريق ليس الطريق المعتاد الذي يسلكه كل ليلة، والإضاءة بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى بات الظلام الكثيف يحيط بهم من كل جانب، وكأنهم ابتلعوا في فم الليل. قلبه بدأ ينبض بسرعة متزايدة، وتيقن بأن شيئًا ما ليس على ما يرام. كانت هناك رائحة خفيفة وغريبة في الهواء، مزيج من الرطوبة والصدأ، زادت من شعوره بعدم الارتياح.

حاول أن يهدئ نفسه، وتذكر كلمات والدته المطمئنة قبل خروجه للعمل، لكنه لم يستطع تجاهل القلق المتصاعد الذي بدأ يتسلل إلى أوصاله مثل سم بطيء المفعول. تنفس بعمق عدة مرات، ثم سأل السائق بصوت هادئ لكنه متوتر يكاد يقطعه الخوف:

"إحنا رايحين فين؟ الطريق ده مش طريقي."

لم يجبه أحد. حتى الركاب ظلوا جالسين في أماكنهم، بلا حركة أو رد فعل، وكأنهم في غيبوبة عميقة. التفت عماد إلى أحدهم، شاب نحيل يجلس في المقعد المقابل، محاولًا استراق نظرة إلى وجهه الشاحب في الضوء الخافت، لكن الظلال أخفت ملامحه تمامًا. تصبب العرق البارد من جبينه، وشعر بأن المكان يضيق من حوله، وأن الهواء يختنق في رئتيه. بدأ عقله يصرخ بأنه يجب أن يفعل شيئًا، أن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث، وقرر النزول عند أول فرصة تتاح له. نظر إلى السائق عبر المرآة الأمامية المهتزة، فتجمّد في مكانه وشعر ببرودة تسري في عروقه… كان السائق يحدّق به مباشرة، عيناه واسعتان جامدتان بشكل مخيف، ولم يرمش ولو لمرة واحدة، وفي عينيه نظرة ثابتة فارغة تبعث على الرعب.

فجأة، انحرف الميكروباص بسرعة وبشكل مفاجئ إلى طريق جانبي ترابي مظلم موحش، مليء بالحفر والأشجار المتشابكة التي بدت كأشباح في الظلام. ارتجف قلب عماد بعنف في صدره، وشعر بأن عليه الهروب من هذا الكابوس فورًا قبل فوات الأوان. تحرك ببطء وحذر نحو الباب، يده ترتجف بشدة وهي تلمس المقبض البارد. وقبل أن يدرك تمامًا ما يفعله، وبدافع غريزي للنجاة، فتح الباب بسرعة وقفز إلى الظلام الدامس. تدحرج على الأرض بقوة، وشعر بألم حاد في ذراعه وركبته، لكنه لم يتوقف ولم يلتفت. نهض بسرعة وهو يلهث، والتفت خلفه بنظرة مذعورة.

كان الطريق الترابي خلفه فارغة تمامًا.

لا ميكروباص.

لا ركاب صامتون.

لا أثر لـ أضواء خافتة أو صوت محرك مكتوم.

فقط الظلام الدامس يبتلعه والصمت الرهيب يطبق على المكان… كأن ما حدث في تلك الدقائق القليلة لم يكن حقيقيًا أبدًا، وكأنه استيقظ من حلم كابوسي ليجد نفسه وحيدًا في قلب الليل الموحش. وقف عماد للحظات يتنفس بصعوبة، يحاول استيعاب ما حدث، ثم بدأ يمشي بخطوات متسارعة في اتجاه الطريق الرئيسي، والخوف لا يزال يعتصر قلبه.