ارتفاع تكاليف النقل البري تقود موجة غلاء قريبة على موائد المصريين

Photographer: عبدالرحمن خليفة - عربات النقل البري

Written By عبدالرحمن خليفة
2025-05-13 10:00:05

على الطريق الزراعي المتجه من المنيا إلى القاهرة، تنطلق شاحنة ضخمة محمّلة بالخضروات، يقودها منتصر سعيد، تاجر جملة بالمنيا، اعتاد توريد كميات كبيرة من الخضار إلى أسواق العاصمة. 

لكن هذه المرة، لم تكن الأسعار كالمعتاد، عقب زيادة تكلفة الوقود الأخيرة، ارتفع تسعير تجار الجملة في المنيا للخضروات بنسبة تراوحت بين 20% إلى 30%، وفق منصور، وهو ما يعكس عبئًا جديدًا على سلاسل الإمداد ينعكس أثره على المستهلكين في القاهرة.

يقول منتصر: "طعام المصريين هو أول ما يتأثر بتحريك أسعار البنزين، تكاليف النقل ارتفعت علينا نحن تجار الجملة، ولا يمكننا تحمّلها وحدنا، لذلك زادت الأسعار على البائعين في المحافظات، والذين بدورهم ينقلون الزيادة إلى المستهلكين، المشكلة ليست في الخضروات نفسها، بل في تكلفة نقلها، وكل ما يسافر من المنيا إلى باقي المحافظات بات أغلى بفعل البنزين".

في 11 أبريل الماضي، رفعت الحكومة المصرية أسعار البنزين، ما أدى إلى زيادة مباشرة في تكلفة النقل البري، خاصة شاحنات نقل السلع الأساسية مثل الخضروات والفواكه، التي تُنقل من مناطق زراعية مثل المنيا والفيوم إلى أسواق المدن الكبرى في القاهرة والجيزة.

حجم الزيادة

هذه الزيادة في أسعار الوقود أدت إلى ارتفاع تكلفة شحن الطن الواحد من الخضار أو الفاكهة بمتوسط 25%، ما دفع التجار إلى تحميل هذه الزيادة على أسعار السلع نفسها، وتتضخم الزيادة تدريجيًا لتصل إلى المستهلك، ما يُصعّب من قدرة المواطنين على شراء احتياجاتهم اليومية.

ارتفعت أسعار النقل البري إلى محافظة المنيا بشكل ملحوظ، إذ بلغت تكلفة نقل الحاوية 20 قدم نحو 16 ألف جنيه، بينما وصلت تكلفة الحاوية 40 قدم إلى نحو 22.7 ألف جنيه، في حين بلغت تكلفة نقل حاويتين سعة 20 قدم معًا نحو 29.9 ألف جنيه، أما نقل الحاوية المبردة (الثلاجة) فقد سجل نحو 25.3 ألف جنيه، وفق بيان رابطة أصحاب الشاحنات ومكاتب النقل.

قبل زيادة البنزين كان سوق الخضار مستقرًا وارتفاعاته قليلة، بحسب منتصر حتى زاد سعر البنزين ليرفع تكلفة النقل للطن الواحد بين 15 إلى 25% بعدما رفع المزارعين سعر الطن للجملة من 5 إلى 15%: "نحدد ذلك على حسب موقع الشحنة والمسافة التي تقطعها والكمية على السيارة إذ أن الربع نقل تحمل 2 طن خضروات، بينما النص نقل إلى حد 10 أطنان، أما النقل الثقيل يصل إلى 40 طن".

تُعد محافظة المنيا من أبرز المحافظات الزراعية في مصر، حيث تحتل المرتبة الثالثة من حيث المساحات المزروعة، والتي بلغت نحو 674 ألف فدان في عام 2022، مقارنة بـ524.82 ألف فدان في عام 2020/2021، وهو ما يعكس توسعًا ملحوظًا في النشاط الزراعي، وفق بيانات وزارة الزراعة.

ويعمل نحو 58٪ من القوى العاملة بالمحافظة في قطاع الزراعة، ما يجعلها شريانًا حيويًا لإنتاج الغذاء، خاصة في محاصيل استراتيجية مثل القمح، الذي تُزرع منه 249.4 ألف فدان، إلى جانب 15 ألف فدان من الطماطم، ومع إنتاج مصر لنحو 35 مليون طن من الخضروات والفاكهة سنويًا، تُمثل المنيا ركيزة مهمة في سلسلة الإمداد الغذائي.

ارتفاع قريب في الخضروات

لذا يتوقع حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية، أن تشهد الأسواق في القاهرة ارتفاعًا في أسعار الخضروات والفاكهة خلال مايو الجاري، مبينًا أن بعض السلع ستكون الأكثر تأثرًا بتحريك أسعار الوقود نظرًا لعدم قابليتها للتخزين لفترات طويلة.

ويحدد المنوفي لـ"المنياوية" نسبة الزيادة المحتملة في الأسعار بين 5% إلى 15%، إلا أن بعض الشركات قد تُفضل امتصاص هذه الزيادة حفاظًا على حصتها السوقية، بسبب ارتفاع تكلفة النقل إلى جانب عدة عوامل إنتاجية وتسويقية أخرى.

يتفق معه عبدالسلام مختار، أمين صندوق اللجنة النقابية للنقل البري، بإن تكلفة نقل البضائع ارتفعت بنحو 15% بعد الزيادة الأخيرة في أسعار البنزين، مقارنةً بما كانت عليه سابقًا، موضحًا أن المنيا تُعد من المحافظات الرئيسية في تصدير الغلال إلى باقي أنحاء الجمهورية، ما يجعلها من أكثر السلع تأثرًا بهذه الزيادة في تكاليف النقل.

ترزع المنيا أنواعًا مختلفة من الخضروات منها الطماطم، والبطاطس، والثوم، والبصل، والباذنجان، ويكون البيع عادة في محافظات القاهرة والجيزة، بحسب منتصر: "جميع التجار بمختلف بضائعهم تأثروا بتحريك أسعار الوقود وارتفاع تكلفة النقل مما اضطرهم إلى زيادة أسعار السلع".

منهم محمود بدير، تاجر عطارة من محافظة المنيا، يؤكد أن أسعار العطار الموردة إلى القاهرة هذا الشهر شهدت ارتفاعًا مباشرًا عقب زيادة أسعار البنزين، بنسبة 10% لكل كيلو من كل صنف، موضحًا أن هذه المنتجات تُطلب بانتظام من مصانع تقع في مدينة 6 أكتوبر، ما يجعل تكلفة النقل عاملًا رئيسيًا في تحديد أسعارها. 

ويشير إلى أثر الزيادة سيظهر عقب نفاد المخزون لديهم وشراء دفعات جديدة من العطارة ستكون بسعر أعلى، ومن الضروري وقتها رفع السعر على المستهلك، موضحًا أن الزيادة التي سُجلت حتى الآن لديه اقتصرت على المقرمشات، بنسبة 10% لكل كيلوجرام، لاسيما أن محمود من أصحاب النقل الصغير.

تأثر سلاسل الإمداد

وهنا يوضح المنوفي أن الفترة المقبلة تحمّل عبئًا أكبر على أصحاب النقل الصغير، مقارنةً بالشركات الكبرى، التي تستطيع امتصاص جزء من زيادة تكلفة النقل عبر توزيعها على حجم شحنات أكبر، ما يقلل من تأثيرها نسبيًا.

من بينهم كامل العيسوي، تاجر أجهزة كهربائية من محافظة المنيا، ويعتمد على النقل الصغير، يؤكد أن أسعار الأجهزة الكهربائية شهدت زيادات فعلية تراوحت بين 8% و10% عقب قرار رفع أسعار البنزين، موضحًا أنه يشتري بضاعته من أسواق الجملة في القاهرة، حيث أُبلغ من قبل التجار هناك بالتسعيرة الجديدة، ما اضطره إلى تعديل الأسعار في متجره لتتناسب مع التكلفة الجديدة.

يقول: "ليس أمام تجار النقل سوى رفع الأسعار على المستهلكين لتعويض الفارق الذي أحدثه تحريك الوقود في مصر، سواء للتجار من المنيا إلى القاهرة أو العكس".

تبلغ المسافة بين المحافظتين أكثر من 260 كيلو متر، بينما يعتمد قطاع النقل البري في مصر بشكل كبير على السولار الذي ارتفع سعر اللتر منه إلى 15.5 جنيه، ما يجعله من أول وأكثر القطاعات تأثرًا بأي تحريك في أسعار الوقود.

يتسق هذا الارتفاع مع ما بيان شعبة النقل الدولي واللوجيستيات بالغرفة التجارية، التي أكدت أن أسعار نقل البضائع ارتفعت بنسبة 8% نتيجة مباشرة لزيادة أسعار المحروقات. 

جانب آخر للأزمة يوضح المنوفي، وهو عدم وجود جهة مسؤولة عن تنظيم تسعيرة النقل البري في مصر بسبب طبيعة السوق الحر، حيث يتم تحديد تكلفة النقل بناءً على الاتفاق بين صاحب البضاعة والناقل، مما يجعل من الصعب فرض تسعيرة موحدة.

ويرى أن الزيادة الأخيرة في تكاليف الوقود قد تدفع بعض التجار والمصنّعين إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة، مشددًا على ضرورة الحد من هذه الآثار من خلال تنسيق الجهود بين الجهات المعنية وتحسين إدارة سلاسل الإمداد.

حلول غير آمنة

نتيجة غياب تلك الجهود، لجأ التجار إلى حيل غير عادلة تؤثر على السائقين، يحكي علاء صافي، سائق شاحنة نقل ثقيل من محافظة المنيا، أن ارتفاع أسعار الوقود مؤخرًا دفع بعض التجار إلى مطالبة السائقين بتحميل الشاحنات بأقصى طاقتها الاستيعابية لتقليل عدد الرحلات وتخفيض التكلفة.

لذا يضطر علاء إلى ملء سيارته بأكثر من طاقتها حتى لا يتحمل التجار زيادة تكلفة الشحن: "أنا شايل الهم كل مشوار، لأن العربية بتكون محملة فوق طاقتها، ومعرضة إنها تتقلب أو يحصل لها عطل في الطريق، بس التاجر مش راضي يزود الأجرة".

يلقي عبدالسلام مختار، أمين صندوق النقل البري، أيضًا باللوم على التجار: "الزيادة في تكلفة النقل، رغم كونها حقيقية، لا ينبغي أن تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار داخل الأسواق، إذ أن الشاحنة غالبًا ما تنقل حمولة تصل إلى 25 طنًا، وعند توزيع تكلفة الزيادة على إجمالي الحمولة، لا تتجاوز الزيادة قرشين فقط لكل كليو جرام، ومع ذلك، بعض التجار يستغلون هذه الزيادة الطفيفة لتبرير رفع الأسعار بما يتراوح بين جنيه و2 جنيه للكيلو، وهو ما لا يتناسب مع الزيادة الفعلية في التكلفة".

ويوضح أن نولون النقل (أجر النقل) ارتفع بحوالي 20 جنيهًا فقط لكل طن، فبدلًا من 300 جنيه أصبح التاجر يدفع 320 جنيهًا، وهي زيادة يمكن استيعابها دون تحميل المستهلك أعباء مبالغ فيها: "لكن سيكون هناك تأثير على أسعار المنتجات التي تُنقل إلى المحافظات".

يتسق ذلك مع تأكيد الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، بأن الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود سيكون لها تأثير واسع على الاقتصاد المصري، متوقعًا أن تسهم بشكل مباشر في ارتفاع معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة، حيث تمثل الطاقة عنصرًا أساسيًا في تشغيل المصانع ومحركات الإنتاج.

ويوضح لـ"المنياوية" أن درجة التأثر تختلف باختلاف طبيعة كل قطاع؛ بينما تعاني القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل نقل البضائع من أعباء أكبر، فإن قطاعات أخرى قد تشهد تأثيرًا أقل نسبيًا، مشيرًا إلى أن نقل الأيدي العاملة يمثل عاملًا إضافيًا في الضغط على السوق، إلى جانب نقل البضائع، مما يعمّق من تأثير ارتفاع أسعار الوقود على الدورة الاقتصادية بأكملها.

حجم شاحنات النقل في مصر

تستحوذ شاحنات النقل على الحصة الأكبر من إجمالي المركبات البرية المُخصصة لنقل البضائع، وفق نشرة حصر المركبات في مصر العام 2023، حيث بلغ عددها نحو مليون و260 ألف شاحنة، ما يمثل نحو 92.8% من إجمالي عربات النقل الثقيل في البلاد.

في المقابل، بلغ عدد المقطورات حوالي 100 ألف مركبة مرخصة، لتشكل نسبة 7.2% فقط من إجمالي هذا القطاع، وتعكس هذه الأرقام الاعتماد الواسع على الشاحنات الفردية في منظومة النقل البري، مقارنة بالمقطورات التي تُستخدم لنقل كميات أكبر، لكنها أقل انتشارًا.

لذا يشدد الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة النقل والطرق، على أن منظومة نقل البضائع في مصر تعتمد بشكل شبه كامل على النقل البري، الذي يستحوذ على نحو 99.4% من إجمالي عمليات نقل السلع، مقارنةً بالنقل البحري والسكك الحديدية، مما يجعل هذا القطاع الأكثر عرضة لتأثيرات تقلبات أسعار الوقود.

ويضيف: "الزيادة الأخيرة في أسعار البنزين والسولار انعكست بوضوح على أسعار نولون النقل البري، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع أسعار السلع في الأسواق، نظرًا لارتباط تكلفة النقل بسلاسل الإمداد والتوزيع في مختلف القطاعات التجارية والزراعية".

واستحوذ الوجه البحري على المرتبة الأولى في عدد مركبات النقل الثقيل في مصر خلال عام 2021، حيث بلغ عدد الشاحنات 629.1 ألف مركبة، ما يعادل 46.5% من إجمالي الشاحنات المرخصة على مستوى الجمهورية.

وجاءت محافظات الصعيد في المرتبة الثانية، بإجمالي 385.8 ألف شاحنة ومقطورة، بنسبة 28.5% من إجمالي المركبات الثقيلة في مصر، بينما سجلت محافظة المنيا وجود 56 ألف مركبة نقل ثقيل مرخصة، لتحتل المرتبة العاشرة بين أكبر عشر محافظات من حيث عدد مركبات النقل والمقطورات.

يعكس ذلك دور المنيا الكبير كمركز لوجيستي وزراعي يعتمد بشكل مكثف على النقل البري، بحسب الدكتور حسن مهدي، الذي يقترح تطوير وسائل النقل البديلة مثل النقل البحري والسكك الحديدية، بهدف تخفيف الضغط عن النقل البري الذي يتحمل العبء الأكبر حاليًا: "رحلة قطار واحدة تعادل ما يقارب 60 رحلة بشاحنة نقل".

في محاولة للوقوف على جهود وزارة النقل لتخفيف تداعيات زيادة أسعار البنزين على قطاع نقل البضائع، تواصل معد التقرير مع المتحدث الرسمي باسم الوزارة، محمد عز، عبر الهاتف والرسائل النصية على تطبيق واتساب، إلا أنه امتنع عن الإدلاء بأي تصريح.

يعكس واقع منتصر وعلاء وغيرهم من السائقين والتجار إن تكلفة النقل أصبحت عبئًا يصعب تحمّله دون تمريره على المستهلك، نتيجة معركة غير مرئية حتى الآن تظهر آثارها قريبًا بين رفع أسعار الوقود وسلع المصريين بالأسواق.

Photographer: عبدالرحمن خليفة - عربات النقل البري في المنيا