كانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً، في الخارج كان المطر يقرع الزجاج كأنّ الليل يحاول الدخول، والريح تمرّ على الشرفة فتُحدث صفيرًا خفيفًا يختلط بأنين النافذة القديمة، رائحة القهوة الباردة تمتزج برائحة النعناع والماء الدافئ، وصوت المطر فوق السطح أشبه بحديث بعيد لا يُفهم.
داخل البيت، كان الضوء الأبيض من المصابيح يملأ المكان بلون باهت، لا دفء فيه ولا برودة، كأنه ضوء بلا قلب، في الصالة جلس الأب على الكرسي الهزاز بجوار النافذة، يضع نظارته على طرف أنفه، ويقلب أوراقًا من عمله لم يُكملها بعد، أمامه فنجان قهوة نسيه حتى صار باردًا، وبجواره مذياع صغير مفتوح على موجة الأخبار، وفي الخلفية، كان التلفاز يعمل بصوت خافت على نشرة لا يُنصَت إليها، كل دقيقة يرفع رأسه لينظر إلى الهاتف المحمول، ثم يعود إلى الورق بنفس التعب.
في المطبخ، كانت الأم ترتب الأطباق بعناية مبالغ فيها، تغسل طبقًا بعد طبق، رغم أن الحوض خالٍ تقريبًا، كانت تفعل ذلك هربًا من الصمت، تفتح صنبور الماء لتغطي صوت الوحدة، وتُغلقه لتسمع نفسها تتنفس، ثم تفتحه من جديد، على الطاولة الصغيرة في الركن كوب شاي بالنعناع، ما زال بخاره يتصاعد رغم مرور الوقت، فقد صنعته لنفسها وقالت "بعد دقيقة سأجلس"، لكنها لم تفعل.
في الغرفة المجاورة، الابن ممدد على الأريكة بحجرة المعيشة، يشاهد مقاطع فيديو على هاتفه بلا اهتمام، عيناه نصف مغمضتين، وأصابعه تتحرك آليًّا فوق الشاشة، بجواره كتاب مفتوح على صفحةٍ لم يقرأها أبدًا، وأوراق المذاكرة مرميّة تحت قدميه، كان في عالم منفصل، لا صوت فيه إلا نغمة إشعارات هاتفه.
أما الصغيرة، فكانت في غرفتها أمام المرآة، تجلس على الكرسي الخشبي الصغير، تسرّح شعرها ببطء، وتبتسم لوجهها في الزجاج، تقول لنفسها بصوت خافت كأنها تحكي لأحد لا يُرى: "لو كنتُ كبيرة، كنتُ سأخرج الآن وأمشي تحت المطر… لكن أمي تقول إن البرد يأكل الصغار.
ثم تميل برأسها وتسأل انعكاسها هل تعرفين ما معنى أن يكون البيت مضاءً… والقلوب مُطفأة؟
المرآة، طبعًا لم تُجبها، لكنها بَدَت كأنها تفكر معها
كان البيت مضاءً، لكنه غارق في عزلةٍ خفية، كل شيء في مكانه، وكل شخص في رُكنه، ولا أحد يشعر بوجود الآخر، في لحظةٍ عابرة، دوّى صوت كوب سقط في المطبخ وتحطّم، خرج الابن متضجّرًا من غرفته، وقال بحدةٍ مكتومة ألا ترتاحين قليلًا يا أمي؟ صوت الماء لا يتوقف منذ ساعة !
نظرت إليه الأم باستغرابٍ وتعب، ثم قالت بصوتٍ مبحوح "على الأقل، الماء لا يخذلني كما يفعل الناس."
سكت الاثنان.
الأب رفع رأسه من أوراقه، لكن لم يقل شيئًا، وبينما كان التوتر يُثقل الجو كالبخار فوق الغلاية، فجأة... انطفأ الضوء، "الكهرباء انقطعت".
صمت تام. المذياع صمتَ، الهاتف الأسود انطفأ، الغسالة توقفت في منتصف دورتها، وحتى المطر بدا كأنه حبس أنفاسه، في الظلام، تحسّست الأم الحائط وهي تهمس يا الله... أين الشمعة؟
من غرفة الابن جاء صوت متكاسل: "سأحضرها"
وصوت الصغيرة من بعيد: لا تخافوا، عندي كشاف لعبتي!
ضوء الكشاف كان ضعيفًا، لكنه أضاء الوجوه بما يكفي ليجعلها قريبة من بعضها للمرة الأولى منذ شهور، اجتمعوا حول مائدة السفرة، والظلال تلعب على الحائط خلفهم، كان النور الخافت يجعلهم يبدون كأنهم خرجوا من حلمٍ قديم.
قال الابن وهو يضحك بخفة لم يعرفها من قبل: "تصدقون أنني لا أذكر آخر مرة جلسنا هكذا؟"
ردّت الأم وهي تفتح دُرجًا تبحث عن ولاعة لأننا لم نعد نفرغ من العمل ولا من الهواتف ولا المسلسلات!
ضحك الأب وهو يضع الورق جانبًا، وقال "ربما الكهرباء تنقطع لتذكّرنا بأنفسنا".
أشعلوا الشمعة، وبدأت الأم تحكي عن أول شتاء بعد زواجهم، حين كانت الكهرباء تنقطع يوميًا، وكانوا يُدفئون البيت بالضحك وحكايات الماضي.
الولد أزاح كرسيه قليلًا، وجلس أقرب إلى والده، والصغيرة وضعت رأسها على ذراع أمها، تحدثوا عن أشياءٍ صغيرة: رائحة المطر القديمة، أول فستان اشترته الأم، وذلك المقهى تحت منزلهم الذي أغلق منذ سنوات، لم يكن الكلام مهمًّا بقدر الصمت الذي بينهم، صمت دافئ يشبه العناق.
ثم فجأة، عاد الضوء، سطع فجأة، قويًّا قاسيًا، كأنه أطفأ الدفء لا أشعله، توقفوا عن الكلام، نظر كل منهم إلى الآخر، ثم إلى الشمعة الصغيرة التي ذابت حتى النهاية.
مد الأب يده إلى مفتاح الكهرباء، وأطفأ الأنوار ببطء، وقال بصوت مائل للابتسامة:
"دعونا نُكمل الحكاية على ضوء الشموع... الكهرباء حين تعود، تأخذنا من بعض"
وظلوا على ضوء الشموع، يتحدثون حتى ذاب آخر خيط من الشمع… لكن شيئًا فيهم، هذه المرة، لم ينطفئ.