مرضى بلا بديل وصيادلة يواجهون مصيرًا مجهولًا.. ما فعله قانون الإيجار القديم

Photographer: فاطمة محمد - صيدلية بأسوان

Written By فاطمة محمد
2025-11-04 12:06:31

"أنا أستأجر هذا المكان منذ ثلاثين عامًا، وأدفع إيجارًا شهريًا لا يتعدى 100 جنيه، لكن إن ارتفع الإيجار سأضطر إلى إغلاق الصيدلية، ولن أستطيع فتح صيدلية جديدة بمفردي"، تلّخص الدكتورة ابتسام محمود، 60 عامًا، صاحبة صيدلية في السوق السياحي بمدينة أسوان، حال آلاف الصيادلة الذين يواجهون خطر الإغلاق بسبب قانون الإيجار القديم.

تضيف: "بالتأكيد بدأ المالك يتحدث عن رفع الإيجار بعد التعديلات التي حدثت على قانون الإيجار القديم، وكل الصيدليات هنا تعمل بهذا النظام، ولا نعرف مصير المرضى حال إغلاق الصيدليات دون وجود بديل".

قانون جديد.. ومصير غامض للصيدليات

بعد تعديل قانون الإيجار القديم في أغسطس الماضي، وجد صيادلة في أسوان أنفسهم بين خيارين صعبين، إغلاق صيدلياتهم التي خدموا بها المرضى لعقود، أو الدخول في أعباء مالية جديدة مع الملاك، دون توضيح وزارة الصحة مصير الصيدليات المؤجرة، وينعكس ذلك في الوقت نفسه على المرضى الذين يخشون فقدان مصدر دوائهم القريب.

قانون الإيجار القديم الصيادلة

تنص المادة 18 من الدستور المصري على أن: "لكل مواطن الحق في التمتع بالصحة والحصول على رعاية صحية متكاملة تراعي معايير الجودة".

لكن قانون الإيجار القديم ينهي في تعديلاته الأخير العلاقة الإيجارية للوحدات غير السكنية بعد خمس سنوات، مع مضاعفة القيمة الإيجارية وفرض زيادة سنوية بنسبة 15%، دون استثناء للصيدليات، لذا تقدمت النقابة العامة للصيادلة وعدد من النقابات الفرعية بمذكرة رسمية إلى البرلمان ورئاسة الجمهورية، أكدت فيها رفضها لإنهاء العلاقة الإيجارية للصيدليات بشكل كامل، محذّرة من أن القرار يهدد استقرار المنظومة الدوائية.

كما شددت النقابة على خصوصية نشاط الصيدليات المقيد بقانون مزاولة المهنة رقم 127 لسنة 1955، مشيرة إلى أن إخلاء أي صيدلية يعادل إلغاء ترخيصها تمامًا، وهو ما سيؤثر سلبًا على توافر الدواء، خاصة في المناطق الريفية والقرى النائية. 

تؤكد الدكتورة ابتسام أن غلق أي صيدلية سيؤثر على السكان: "أقرب صيدلية تبعد نحو 200 متر، ما يعني أن الأهالي سيضطرون إلى السير مسافات، وفي الحالات الطارئة قد لا يتمكنون من الوصول في الوقت المناسب، سأنتظر فترة السماح المحددة بخمس سنوات، ثم سأغلق الصيدلية في حال الطرد أو رفع الإيجار".

- يقع السوق السياحي في مركز أسوان الذي يضم 73387 نسمة حتى 1 يناير العام 2023.

كلمات الدكتورة ابتسام تجد صدى واضحًا بين سكان السوق السياحي، تقول أم ياسر حسن، أربعينية: "وجود الصيدلية تحت بيوتنا كان وما زال طوق نجاة لنا، في أي حالة طارئة أو وعكة مفاجئة نهرع إليها فورًا، لو أُغلقت سنُجبر على السير لمسافة طويلة".

- يبلغ عدد الصيادلة العاملين في مصر نحو 213 ألف صيدلي، بموجب صيدلي لكل 438 مواطنًا، في حين يصل المعدل العالمي إلى صيدلي لكل 1100 إلى 1600 مواطن.

قانون الإيجار القديم الصيادلة

- وهناك قرابة 80 ألف صيدلية مرخصة بموجب صيدلية لكل 1261 مواطنًا، في حين يتراوح المعدل العالمي بين صيدلية لكل 3500 إلى 5000 فرد، إذ أن مصر لديها تضخم في أعداد الصيادلة والصيدليات.

قانون الإيجار القديم الصيادلة

قلق الأهالي من غلق الصيدليات

نفس المخاوف تتكرر في منطقة الأحمدية بالسيل، حيث يقول الدكتور محمد صلاح، 40 عامًا، صاحب صيدلية تقع ضمن منظومة الإيجار القديم: "الصيدلية مفتوحة منذ ما قبل التسعينات، وهي بعيدة عن الشوارع الحيوية، والإيراد ضعيف، لذلك لا أستطيع تحمّل أي زيادة كبيرة في الإيجار".

يضيف: "لم أتفق بعد مع المالك، لكن إن ارتفعت القيمة عن 500 جنيه هنتقل إلى شارع رئيسي، حتى لو كان الإيجار أعلى، ربما يعوض الدخل، لكن لا أعرف ما سيفعله الناس هنا، كثيرًا ما يأتيني من يحتاج إلى علاج عاجل كحقن الأنسولين أو خافض للحرارة، وأقرب صيدلية تبعد نحو 200 متر، وهذا يضع المرضى في مأزق حقيقي".

- لا يوجد رقم رسمي دقيق حول أعداد الصيدليات الخاضعة لنظام الإيجار القديم؛ ففي حين أعلنت نقابة الصيادلة في مايو الماضي أن عددها يقدر بنحو 10 آلاف صيدلية، تشير نقابة الأطباء إلى أن العدد قد يصل إلى 40 ألف صيدلية.

قانون الإيجار القديم الصيادلة

يؤكد حديثه محمود عبد العظيم، أحد سكان المنطقة، 30 عامًا، والمرضى المتعاملين مع تلك الصيدلية: "والدي مريض بالسكر ويحتاج إلى حقن الأنسولين بانتظام، ووجود الصيدلية بجوارنا يطمئننا لأننا نستطيع الحصول على العلاج في أي وقت، لو أُغلقت، سنعاني كثيرًا، والمسافة لأقرب صيدلية بعيدة، والوقت بالنسبة لمريض مثل والدي مسألة حياة أو مضاعفات خطيرة".

جولة ميدانية تكشف تفاوت الأوضاع

وخلال جولة ميدانية لرصد أوضاع الصيدليات الخاضعة لقانون الإيجار القديم في عدد من مناطق أسوان، تبيّن أن خريطة التوزيع تختلف من شارع إلى آخر. 

في شارع السوق السياحي، وجدنا صيدليتان تعملان بنظام الإيجار القديم من أصل إحدى عشرة صيدلية، وفي شارع السماد، تبيّن وجود ثلاث صيدليات من أصل عشر تخضع للنظام نفسه.

أما في منطقة السيل الريفي، لم نجد سوى صيدلية واحدة تعمل بالإيجار القديم من أصل ستة، وفي منطقة الأحمدية بالسيل، وجدنا صيدليتان من أصل ثلاث ما زالتا تعملان وفق هذا النظام.

قانون الإيجار القديم الصيادلة

وتعكس هذه الأرقام تفاوتًا واضحًا في انتشار الصيدليات المؤجرة بين المناطق، ما يشير إلى أن تأثير التعديلات الجديدة على القانون لن يكون متساويًا، لكنه يهدد في جميع الحالات بتقليص عدد الصيدليات.

هذا القلق يتقاطع مع رؤية الدكتور أحمد أبو طالب، عضو نقابة الصيادلة والخبير الدوائي، الذي يوضح أن الأزمة لا تزال قائمة رغم التحركات النقابية: "طالبنا باستثناء المنشآت الخدمية مثل الصيدليات والعيادات من قانون الإيجار القديم، فهي مؤسسات صحية لا تُعامل كمحال تجارية، لكن القانون صدر بالفعل وأصبح نافذًا، نحن الآن أمام معادلة صعبة بين حماية حقوق الملاك وضمان استمرار الخدمة الطبية".

يتفق معه المحامي أحمد مقدم، المتخصص في القضايا المدنية والعسكرية والأحوال الشخصية، أن قانون الإيجار القديم وضع الصيدليات المؤجرة في موقف بالغ الحساسية، إذ يتقاطع فيه الحق القانوني للمالك مع الحق الدستوري للمواطن في الحصول على خدمة صحية. 

ويشير لـ"عين الأسواني" إلى أن الحل الأمثل يبدأ من صيغة تراضٍ عادل بين المالك والمستأجر، خصوصًا في الحالات التي استُغلت فيها العين المؤجرة لعقود طويلة، على أن يكون الصيدلي هو المستأجر الأصلي وليس من الباطن.

تؤكد ورقة بحثية للدكتور عماد الدين عبد الرحمن، باحث في جامعة هامبرج الألمانية، بعنوان "إصلاحات قانون الإيجار القديم في مصر"، على موقع SSRN المتخصص في بحوث العلوم الاجتماعية، أن أي إصلاح شامل لقوانين الإيجار يجب ألا يقتصر على معالجة الخلل الاقتصادي فحسب، بل ينبغي أن يُرفق بآليات حماية اجتماعية واضحة تراعي طبيعة الأنشطة المتضررة، وعلى رأسها القطاعات الحيوية مثل الصيدليات والمنشآت الخدمية، لضمان استمرار الخدمات العامة للمواطنين دون انقطاع أو تدهور في جودتها.

نقابة الصيادلة: طالبنا باستثناء المنشآت الخدمية

لا يختلف المشهد كثيرًا في شارع 8 بمنطقة السيل الريفي، حيث تعبر الدكتور سماح فايق، 60 عامًا، التي تؤجر صيدلية هناك عن مخاوفها: "منذ ثلاثة عقود وأنا هنا، أداوي أهل الحي وأعرف وجوههم، أستطيع تحمل زيادة في الإيجار حتى الضعف، لكن أكثر من ذلك مستحيل، أسعار الأدوية تتغير كل يوم، بينما هامش الربح ثابت، والنتيجة أن الصيدلية بالكاد تغطي تكاليفها".

لا تستطيع فاطمة حسن، 30 عامًا، التي تقطن في ذات الشارع، السير مسافات طويلة للوصول إلى أقرب صيدلية أخرى: "وجودها بجوارنا أمان، خصوصًا للأطفال الذين يمرضون فجأة، كثيرًا ما احتجنا دواءً في منتصف الليل، فكانت المنقذ الأقرب، لو أغلقت الدكتورة سماح صيدليتها، لن نجد بديلًا قريبًا، وسندفع الثمن نحن قبل غيرنا".

يؤكد المحامي أحمد المقدم، أن المناطق الشعبية والريفية تعتمد على الصيدليات القريبة كمصدر أساسي للحصول على الدواء، لذا على المجالس النيابية النظر في الملف بما يضمن حلولًا قانونية تراعي الطبيعة الخدمية للصيدليات وتفصلها عن الأنشطة التجارية التقليدية. 

يقترح: "تقديم إعفاءات خاصة للأملاك التي تضم صيدليات وتخصيص وحدات تجارية بحق الانتفاع، وتوفير قروض ميسرة من البنك المركزي للصيادلة".

أما الدكتور أبو طالب يقول: "ننصح الصيادلة باستغلال فترة الخمس سنوات للبحث عن أماكن بديلة قريبة قبل انتهاء المهلة، النقابة لم تتوقف عن متابعة الملف، وقدمت التماسًا مشتركًا مع نقابة الأطباء في الجمعية العمومية الأخيرة لإعادة النظر في بعض البنود، لكن حتى الآن لا جديد في الأفق".

حاولنا التواصل مع أحمد سالم، المستشار الإعلامي لهيئة الدواء المصرية، هاتفيًا وعبر تطبيق "واتساب"، لمعرفة موقف الهيئة من أزمة الصيدليات الخاضعة لقانون الإيجار القديم، إلا أننا لم نتلقَّ ردًا حتى لحظة نشر التقرير.

بين جدران تلك الصيدليات القديمة التي خدمت سكان أسوان لعقود، يتقاطع قلق المرضى مع مخاوف الصيادلة، تقول الدكتورة سماح فايق بأسى: "قضيت عمري هنا أداوي الناس، لا أملك مكانًا بديلًا، وفي المقابل، تختصر فاطمة حسن مخاوف الأهالي: "إغلاق الصيدلية يعني أننا سنفقد حقنا في العلاج".