كرة القدم النسائية في أسوان.. خارج خريطة المنافسة

Photographer: أمنية حسن - الكرة النسائية في أسوان

Written By أمنية حسن
2025-05-25 14:11:21

في أحد شوارع أسوان الهادئة، كانت ضحكات الفتيات تتعالى مع صوت ارتطام الكرة بالجدران، بينهن فتاة تلمع بتميزها؛ تركل الكرة بقوة وثقة لا تشبه عمرها، تتقدم بسرعة، تراوغ بذكاء، وتحرز الأهداف كما لو أنها وُلدت لهذا الملعب غير الرسمي. 

كانت حسناء محمد، في عمر 13 عامًا، لا تترك مباراة في الشارع إلا وتضع بصمتها فيها، تفوز وتفرح، وتُشعل كرة القدم الشعبية بحماسها، بينما ينظر إليها المارة بدهشة وإعجاب، متوقعين لها مستقبل باهر في تلك الرياضة.

وفي هذا السن الصغير التحقت حسناء بأكاديمية متخصصة في تعليم كرة القدم، وبدأت رحلتها الرياضية برفقة مجموعة من صديقاتها، حيث واظبن على ممارسة اللعبة لمدة خمس سنوات، دون المشاركة في أي بطولة رسمية، إلى أن جاء عام 2015، والذي شكّل نقطة تحول مهمة، بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم فتح باب تسجيل الأندية الراغبة في الانضمام إلى الدوري الممتاز للكرة النسائية.

تراجع الكرة النسائية

رغم نجاح الفريق في تحقيق عدة بطولات على مدار مشاركاته، إلا أن كل مرحلة كانت تصطدم بعقبات جديدة تقف حائلًا أمام استمرارية وتقدم فرق كرة القدم النسائية في محافظات الجنوب.

هذا الغياب يكشف عن واقع مؤلم تعيشه الكرة النسائية في جنوب مصر، واقع تتمنى حسناء التي كانت تلعب في نادي الهلال سابقًا أن يتغير يومًا ما، حتى تتمكن من العودة إلى الملاعب وتحقيق حلم البطولات من جديد.

يدلل على ذلك إعلان الاتحاد المصري لكرة القدم في موسم 2024/2025، قائمة الفرق المشاركة في النسخة الجديدة من بطولة دوري السيدات، التي انطلقت في أكتوبر الماضي، بمشاركة 19 فريقًا، لكن من دون أي تمثيل لأندية محافظات الوجه القبلي، وهو مؤشر يعكس استمرار التهميش لهذه المنطقة في ساحة الكرة النسائية.

ولم يتوقف الأمر عند دوري السيدات فقط، بل امتد إلى أندية القسم الثاني، حيث شهد موسم 2024/2025 مشاركة 15 فريقًا أيضًا دون تمثيل من الوجه القبلي. يأتي هذا بعد قرار الاتحاد المصري لكرة القدم في يوليو 2023، والذي نص على تطبيق نظام دوري المحترفين لمجموعة واحدة، يُعرف بدوري القسم الثاني "أ"، اعتبارًا من موسم 2023/2024، وهو القرار الذي زاد من صعوبة مشاركة الفرق من المحافظات البعيدة عن العاصمة، بسبب التكاليف التشغيلية وغياب الدعم المؤسسي.

وأول أمس، تُوج فريق سيدات النادي الأهلي ببطولة كأس مصر لكرة القدم النسائية التي غابت عنها فرق أسوان أيضًا، عقب فوزه على نظيره وادي دجلة بهدف مقابل لاشيء، في المباراة النهائية التي أقيمت على استاد الترسانة.

تنص المادة 84 من الدستور المصري على أن: "ممارسة الرياضة حق للجميع، وعلى مؤسسات الدولة والمجتمع اكتشاف الموهوبين رياضيًا ورعايتهم، واتخاذ ما يلزم من تدابير لتشجيع ممارسة الرياضة، وينظم القانون شئون الرياضة والهيئات الرياضية الأهلية وفقًا للمعايير الدولية، وكيفية الفصل فى المنازعات الرياضية".

بداية فريق حسناء 

لكن حسناء وغيرها في أسوان لا يحصلن على هذا الحق، رغم ما أظهرته من مهارات وأداء مميز داخل الملاعب المختلفة وفي سن صغير، يصطدم حلمها دومًا بعائق رئيسي، وهو عدم انتساب الفريق إلى نادٍ رسمي، وهو أحد الشروط الأساسية التي فرضها الاتحاد للمشاركة. 

وعلى إثر ذلك، انطلقت رحلة بحث شاقة خاضها الفريق إلى جانب مدربهم في محافظة أسوان، سعيًا للانضمام إلى نادٍ يمكنهم اللعب باسمه ضمن منافسات الدوري.

رحلة البحث لم تكن سهلة، إذ قوبل الفريق بالرفض من عدة أندية بسبب ضعف الموارد المالية، وعدم قدرتها على دعم فريق كرة قدم نسائي، ومع ذلك، لم يفقدوا الأمل، واستمروا في محاولاتهم حتى نجحوا في الحصول على فرصة من نادي الهلال بأسوان، الذي وافق على ضم الفريق تحت مظلته، ليبدأوا مشوارهم الرسمي في ساحة الكرة النسائية.

وفي موسم 2015، شارك نادي الهلال في الدوري الممتاز إلى جانب نادي غرب أسوان، ليُسجَّلا بذلك كأول ناديين من أسوان يخوضان منافسات الدوري الممتاز المصري للسيدات، في خطوة تاريخية شكّلت بداية جديدة لكرة القدم النسائية في صعيد مصر.

رغم البداية الواعدة والمشاركة المباشرة لحسناء في الدوري الممتاز للكرة النسائية على مدار أربعة مواسم متتالية، إلا أن الحلم لم يكتمل، إذ توقفت مشاركة أندية أسوان في البطولات الرسمية بعد عام 2019. 

وتستعيد حسناء هذه المرحلة بكثير من الأسى، مؤكدة أن الوضع لم يتغير كثيرًا حتى بعد مرور عدة سنوات: "كنا نبحث فقط عن نادٍ يوافق على أن نلعب باسمه في الدوري، دون أن نحمّله أي أعباء مادية، لم نطلب دعماً أو تجهيزات، فقط اسم النادي لنُكمل الحلم".

وتضيف حسناء أن المشاركة الأولى للفريق باسم نادي الهلال بأسوان، كانت قائمة بالكامل على الجهود الذاتية للفتيات والمدرب، حيث تكفّلن بجميع المصاريف، من الانتقالات إلى الملابس والمستلزمات الرياضية. ورغم أن النادي وفّر ملعبًا، إلا أنه كان ملعبًا خماسيًا لا يصلح لتدريبات فريق كامل.

تقول: "كان الفريق بالكاد يحصل على ساعة واحدة فقط للتدريب يوميًا، بعد انتهاء تدريبات فريق الذكور، وهو وقت غير كافٍ لصقل المهارات أو الإعداد البدني اللازم للمباريات".

أزمة فريق الشاذلي

لم تكن حسناء وحدها في مواجهة التحديات التي تعيق تطور كرة القدم النسائية في أسوان، كذلك التجربة التي خاضها المدرب هيثم الشاذلي، مدرب كرة قدم نسائية، تؤكد أن المشكلة ليست فردية، بل هي أزمة ممنهجة تعيشها فرق الجنوب كجزء من أزمة الكرة النسائية في مصر.

وفق استبيان الاتحاد الدولي لكرة القدم لعام 2023، لدى الاتحاد المصري لكرة القدم 400 لاعبة، الرقم الذي يمثل 0.022% من جملة عدد اللاعبات المسجلات في الاتحاد الأفريقي لكرة القدم بنحو مليون و752 ألف لاعبة.

يروي الشاذلي، الذي تنقّل بين عدة فرق نسائية بأسوان، من غرب أسوان إلى دابود ثم وادي النيل، كلها كانت محاولات للحفاظ على استمرارية هذه الفرق إلا إنها باءت بالفشل، والسبب كما يراه بسيط لكنه قاتل: "الدعم غير كافٍ، أو يكاد يكون منعدمًا".

ويضيف أن التجربة كانت شبيهة بما روته حسناء، من تحمّل الفريق وحده أعباء المشاركة من تدريبات وانتقالات وإقامة، وبينما كانت حسناء وفريقها يجدون بالكاد ملعبًا خماسيًا وساعة تدريب، عاش الشاذلي مشهدًا مشابهًا، دون راتب له كمدرب أو للاعبات، مما جعله يعتمد على الجهود التطوعية والإيمان بالفكرة فقط، وهو ما لم يكن كافيًا مع مرور الوقت.

تتشابك تفاصيل القصتين عند اللحظة التي أصبح فيها الاستمرار مستحيلًا، إذ قرر فريق الشاذلي، بعد انسحاب نادي غرب أسوان، الانتقال إلى نادي الشبان المسلمين بدابود، لكن قلة الإمكانيات المالية قضت على الحلم في مهده، خصوصًا مع كونهم جزءًا من مجموعة الصعيد.

يقول الشاذلي: "خضنا مباريات الذهاب والعودة مع فرق من محافظات مثل المنيا وأسيوط، ما ضاعف الأعباء المالية، وبدلاً من دعم إضافي، جاء قرار دمج مجموعة الصعيد مع الوجه البحري في دوري واحد، ليضع المسمار الأخير في نعش الفرق الجنوبية".

يرى الشاذلي أنه إذا استمر هذا التجاهل للكرة النسائية في الصعيد، فإن أي محاولة للعودة ستكون مجرد قفزة في الفراغ، محكومة بالفشل مسبقًا، خاصة في ظل تفاوت الدعم بين فرق الوجه البحري والصعيد، حيث تحصل الأولى على موارد وفرص لا تتوافر للأخيرة.

يدلل الشاذلي على حديثه، بقرار اتحاد الكرة في أكتوبر 2022 بتقليل فرق دوري الدرجة الثانية إلى 18 فريقًا في مجموعة واحدة بدلاً من 48 فريقًا موزعين على 3 مجموعات، بدءًا من موسم 2023/2024، لأن ذلك يصعب على الفرق ذات الإمكانيات المحدودة المنافسة والاستمرار.

نجاحات كرة القدم النسائية

رغم التحديات، تُعد تجربة حسناء وفريقها في كرة القدم النسائية مثالًا جيدًا على الإصرار. ففي أول موسم لهم مع نادي الهلال، نجح الفريق في تحقيق المركز الأول بمجموعة الصعيد، لكن المشاركة توقفت بعدها بسبب عدم قدرة النادي على تغطية تكاليف السفر وخوض المباريات خارج نطاق الوجه القبلي.

انتقل الفريق بنفس تشكيله إلى أندية مثل وادي النيل موسم 2016، ثم الشبان المسلمين بدابود حتى 2017، وفي 2018 حققوا المركز الثاني في مجموعة الصعيد، لكنهم انسحبوا بسبب نقص التمويل، ومنذ ذلك الحين تراجع نشاط كرة القدم النسائية في أندية الوجه القبلي.

ورغم الجهود المبذولة، لا تزال أندية محافظات الصعيد تواجه تحديات مضاعفة. منذ موسم 2021/2022، لم يتمكن أي نادٍ من الوجه القبلي من التأهل للدوري الممتاز للسيدات، الذي يضم عادةً بين 14 و16 فريقًا، وكانت آخر مشاركة لفريق من أسوان عبر نادي وادي النيل في موسم 2019/2020، بينما كان آخر تمثيل للصعيد عامة في موسم 2020/2021 من خلال نادي مركز شباب برجاية بالمنيا، والذي يشارك حاليًا وحيدًا في دوري القسم الثالث للسيدات ضمن مجموعة تضم 20 ناديًا.

ورغم قرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) في عام 2022، الذي ألزم أندية الرجال بتكوين فريق نسائي للمشاركة في البطولات الإفريقية، في إطار سعيه لتوسيع قاعدة كرة القدم النسائية، فإن فرص أندية أسوان الرجالية في التأهل لتلك البطولات تظل محدودة، ما يُشكل عائقًا أمام تنفيذ هذا التوجه على أرض الواقع.

البحث عن الحلم

إزاء إلغاء مشاركة أندية أسوان في الدوري، اضطرت أميرة سعيد، إحدى لاعبات كرة القدم النسائية في أسوان، إلى مغادرة مدينتها لمواصلة حلمها في كرة القدم. كانت بداية رحلتها مع نادي غرب أسوان عام 2015، ثم انتقلت إلى نادي وادي النيل، آخر من مثّل أسوان في الدوري الممتاز، قبل انسحابه بسبب ضعف الدعم المالي.

قبِلت أميرة عرضًا للعب موسمًا في مركز شباب الوايلي، ثم انتقلت إلى نادي الإعلاميين، وهي الآن ضمن صفوف نادي "رع" بالدرجة الثانية في الجيزة.

تحكي أميرة عن بدايتها في شوارع أسوان مع شقيقتها، وولعها بكرة القدم الذي بدأ من نادي المدينة: "لاحظ المدرب حماسي أثناء التدريبات، ودعاني للانضمام إلى الفريق، وكانت بداية مشواري الحقيقي مع كرة القدم، ورغم ضعف الإمكانيات، حظي فريقنا بدعم كبير من كابتن الفريق نجيب مكين، الذي وفّر لنا مستلزمات المشاركة في الدوري، من زيّ رياضي، وبدلات سفر، وتكاليف الإقامة".

ولم يكن هناك دعم رسمي من اتحاد الكرة، واضطرت أندية أسوان للانسحاب تباعًا، ما أجبرها على البحث عن أندية خارج المحافظة، هناك، لاحظت الفارق الكبير في التنظيم والإمكانات، مقارنة بتجربتها في أسوان، حيث كانت تتدرب مرة أسبوعيًا، وسط مناخ محبط بحسب وصفها، دفع كثيرات للتوقف مبكرًا رغم امتلاكهن موهبة كبيرة.

تؤمن أميرة أن المناخ الداعم والفرص المتوفرة في أندية الوجه البحري، هي ما تحتاجه اللاعبات في أسوان للاستمرار وتحقيق طموحاتهن.

بينما حسناء، رغم ما مرّت به من إحباطات، تواصل مشوارها الرياضي حاليًا مع نادي الهلال لكرة القدم النسائية، وفي المقابل، يُدرب الكابتن شاذلي نحو 30 فتاة في نادي التحرير بأسوان ضمن مشروع "ألف بنت ألف حلم"، الذي أطلقته وزارة الشباب والرياضة.

ورغم الجهود الفردية والمبادرات المحدودة، يبقى مستقبل كرة القدم النسائية في أسوان مرهونًا بدعم مؤسسي حقيقي، يوفر للفتيات بيئة آمنة واحترافية للنمو والتطور، ويمنحهن فرصة عادلة للمنافسة وتحقيق الحلم.

Photographer: أمنية حسن - فرق كرة القدم النسائية بأسوان