برفقة الألم.. أعباء مالية تلاحق مرضى السرطان بعد زيادة البنزين 

تصميم باسم حنيجل

Written By أمنية حسن
2025-05-11 13:24:22

بعد إصابتها بسرطان الثدي، وجدت شيماء محمد، 40 عامًا، نفسها مضطرة للتوجه إلى معهد أورام أسوان، الجهة الوحيدة الحكومية في المحافظة التي تقدّم العلاج لمرضى السرطان. منذ أن بدأت رحلتها العلاجية قبل عامين، اعتادت أن تستقل الميكروباص مرتين ذهابًا وإيابًا من منطقة كيما غرب أسوان للوصول إلى مواعيد جلسات العلاج الكيماوي في المعهد بطريق كورنيش النيل.

ومع الوقت، لم تتوقف معاناة شيماء عند حدود المرض فحسب، بل ازدادت صعوبة حين أُدرجت ضمن نظام التأمين الصحي تحت تغطية الزوج. تروي شيماء: "لم يعد بالإمكان إنهاء الإجراءات مباشرة داخل المستشفى كما كان من قبل، بل أصبحت مضطرة للتنقل أولًا إلى منطقة التأمين الصحي بحي الصداقة لاستكمال الأوراق، ثم العودة إلى معهد الأورام".

مخالفة دستورية

وتتابع بمرارة: "هذا الترحال المتكرر لا يضاعف مشقة الرحلة بدنيًا فقط، بل يزيد كذلك من العبء المالي". لم تكن وقتها تعلم شيماء أن يوم 11 أبريل الماضي يحمل معاناة مضاعفة، بعدما أعلنت لجنة تسعير المنتجات البترولية عن زيادات جديدة في أسعار الوقود شملت البنزين بأنواعه والسولار.

أعقب ذلك ارتفاع تعريفة المواصلات الداخلية بنسب متفاوتة في أسوان، فأصبحت رحلة الوصول إلى معهد الأورام أكثر تكلفة، خاصة للمرضى القادمين من القرى والمراكز النائية، وأضاف عبئًا ماليًا جديدًا دفعهم إلى حلول غير آمنة مثل تقليص عدد الزيارات بسبب عدم قدرتهم على تحمّل نفقات التنقل، ما يهدد فرصهم في الحصول على العلاج المنتظم في غياب رقابة وزارة الصحة.

تقول شيماء إن تكلفة رحلتها العلاجية ارتفعت مؤخرًا، بينما كانت سابقًا تكتفي بركوب سيارتين ميكروباص ذهابًا وإيابًا مقابل 16 جنيهًا فقط مرتين في الشهر، ارتفعت إجمالي النفقات إلى نحو 29 جنيهًا.

يخالف ذلك المادة رقم 18 من الدستور المصري التي تنص على: "لكل مواطن الحق فى الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل".

وأنشئ مركز أورام أسوان عام 1998 على مساحة 3846 متر مربع. يستهدف تقديم الخدمة الطبية لمرضى أورام إقليم جنوب الصعيد لحوالي 2.5 مليون نسمة ويضم 58 سريرًا داخليًا، و6 أسرة رعاية مركزة، و23 كرسي علاج كيماوي، وغرفتي عمليات، إضافة إلى وحدات مناظير وأشعة تداخلية. ويشمل المركز خدمات تشخيصية، وجهاز إشعاعي قد 17 ألف جلسة للمرضى خلال العام الماضي.

دفعت معاناة شيماء وغيرها من مرضى السرطان، إلى ظهور مبادرات مجتمعية للحيلولة دون توقف المرضى عن تلقي العلاج نتيجة الضغوطات الاقتصادية. من بينهم شهيرة رضوان، إحدى المتطوعات التي تقدم خدمات لدعم المرضى في أسوان.

تقول لـ"عين الأسواني": "نعلم جيدًا أن أجرة المواصلات في ارتفاع متزايد، لذا نقدم دعمًا ماديًا مباشرًا للحالات الأكثر احتياجًا، سواء بتغطية تكاليف السفر والإقامة إذا احتاج المريض متابعة علاجه في القاهرة، أو بالمساهمة في إجراء فحوصات دقيقة مثل الأشعة والمسح الذري، التي قد تصل تكلفتها إلى 16 ألف جنيه".

يتلقى مرضى السرطان العلاج مجانًا في معهد الأورام على نفقة الدولة، وفق شيماء، إلا أن تأخر صرف قرارات العلاج في بعض الأحيان يضطرهم إلى شراء بعض الأدوية على نفقتهم الخاصة، مما يشكل عبئًا ماليًا ثقيلًا عليهم: "سعر علبة الدواء قد يصل إلى 2000 جنيه، وأحيانًا يتجاوز 16 ألف جنيه".

فجوة الإنفاق

خلال عام 2024، أصدرت وزارة الصحة والسكان نحو 3.9 مليون قرار للعلاج على نفقة الدولة، بتكلفة إجمالية تجاوزت 24.2 مليار جنيه، استفاد منها ما يقرب من 2.3 مليون مواطن، وتوزعت هذه القرارات على عدد من التخصصات الطبية المختلفة، كان من أبرزها علاج الأورام.

لكن بيانات الموازنة العامة تعكس واقعًا مغايرًا. رغم زيادة الإنفاق على الصحة في مشروع موازنة 2025/2026 من 200 إلى 246 مليار جنيه بنسبة 23%، إلا أن هذه الزيادة بالكاد تواكب معدل التضخم، مما يجعل أثرها الحقيقي محدودًا.، بحسب ورقة بحثية خرجت من المفكرة القانونية (منظمة غير ربحية للأبحاث).

وتصبح الصورة أكثر خطورة عند مقارنة الإنفاق الحكومي بالناتج المحلي الإجمالي، وهو المعيار الذي حدده الدستور المصري. بحسب مشروع الموازنة الجديدة، يُقدَّر الناتج المحلي الإجمالي بنحو 20.4 تريليون جنيه، إلا أن نسبة الإنفاق على الصحة تقف عند حدود 1.2% فقط. 

وهذه النسبة تخالف المادة رقم 18 من الدستور المصري التي تنص على: "تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 3% على الأقل 3% من الناتج المحلي الإجمالي للصحة".

ويؤكد الدكتور محمد حسن خليل، رئيس لجنة الحق في الصحة (غير حكومية) لـ"عين الأسواني"، أن الإنفاق على الرعاية الصحية بات يحتل المرتبة الثالثة في أولويات مصروفات الأسرة المصرية، وهو ما يعتبره وضعًا غير مقبول.

رحلة الألم

لذا لا يشعر مرضى الأورام بتحسن ملموس في مستوى الخدمات الصحية، بل تظل معاناتهم اليومية قائمة بين مشقة العلاج وتكاليف المواصلات المتزايدة.

من بينهم، فاطمة أحمد، إحدى مريضات سرطان الثدي التي تتلقى العلاج في معهد أورام أسوان على نفقة الدولة منذ عام ونصف. تصف رحلتها اليومية للعلاج بالمرهقة للغاية: "أعيش في مدينة أسوان، الأمر يتطلب استقلال سيارة أجرة بـ10 جنيهات للوصول إلى المعهد".

ولا تستطيع فاطمة الاستغناء عن العلاج الذي تتلقاه في معهد أورام أسوان، بسبب ارتفاع تكلفة العلاج في الخارج، تقول: "كما أن بعض الفحوصات الضرورية، مثل المسح الذري، غير متوفرة داخل أسوان".

في العام 2024، احتل قطاع الصحة في المرتبة الثانية من حيث تضخم القطاعات في مصر، بنسبة 31.3%، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

يدفع هذا الأمر فاطمة وغيرها للسفر إلى معاهد أخرى في القاهرة أو الأقصر لإجراء فحوصات طبية بمبالغ أقل، ولكنه يضيف أعباء جديدة تتمثل في تكاليف السفر والإقامة، التي يصعب تحملها بالنسبة للكثيرين.

ويؤكد الدكتور محمد خليل، أن التأمين الصحي من المفترض أن يغطي تكاليف الانتقالات، إلا أن هذه الآلية لا تُطبق فعليًا في مصر، ما يزيد من معاناة المرضى، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة.

تقليص الأولويات

ويكشف الدكتور عبدالله صابر، وكيل كلية الخدمة الاجتماعية بجامعة أسوان، جانب آخر للأزمة، وهو أن الأمراض المزمنة مثل السرطان تُلقي بعبء ثقيل ليس فقط على المريض، بل على الأسرة بأكملها: "في ظل ارتفاع الأسعار وتكاليف العلاج، تبذل الأسر جهدًا كبيرًا لتوفير الرعاية الصحية؛ مما يترتب عليه تقليص بعض الأولويات الأخرى مثل تحسين مستوى التعليم أو السفر".

يتسق ذلك مع تقرير صدر عن البنك الدولي في العام 2023 كشف عن أن الإنفاق الشخصي يُمثل نحو 62% من إجمالي الإنفاق على الصحة، مما يعكس بشكل واضح مدى التأثير الكبير الذي يتحمله الأفراد والأسر في توفير العلاج.

ويضيف لـ"عين الأسواني": "الحرمان سواء كان ماديًا أو نفسيًا، يؤدي إلى ضغوط اجتماعية واضحة، تؤثر على التفاعل داخل الأسرة، وقد تمتد لتؤثر على العلاقات الاجتماعية خارجها أيضًا، لأن محاولة الأسرة تخفيف المعاناة عن المريض بتوفير احتياجاته تخلق حالة من التوتر والضغط النفسي الكبير داخل البيت".

يتضح هذا الأثر على أسماء يوسف، مريضة سرطان الثدي، وتتلقى العلاج في مستشفى بهية بالقاهرة. قررت عقب غلاء البنزين الاعتماد على وسائل سفر غير مريحة ولكنها أقل في التكلفة، ما جعل رحلتها العلاجية أكثر صعوبة.

أسماء ليست موظفة، وبالتالي ليست مشمولة بأي نظام تأمين صحي، كان من المفترض أن تتلقى 28 جلسة إشعاع لكنها قلصتها إلى 16 فقط بعد تكثيف العلاج بسبب بعدها عن القاهرة وصعوبة وارتفاع تكاليف التنقل المتكرر.

كشفت وزارة الصحة والسكان في يناير 2024 أن عدد المنتفعين بخدمات التأمين الصحي في مصر بلغ نحو 70 مليون مواطن، مقابل سداد الاشتراكات السنوية المقررة.

ويشير الدكتور خليل، رئيس لجنة الحق في الصحة، إلى أن المرضى غير الخاضعين للتأمين الصحي لا يجدون بديلًا سوى العلاج على نفقة الدولة، الذي يقتصر على تغطية نفقات العلاج دون أن يشمل مصاريف الانتقال، كما أن الحصول على قرار علاج يتطلب موافقات مسبقة لكل إجراء وفحص، ما يزيد من تعقيد الإجراءات.

ويؤكد أن تدهور الأوضاع الاقتصادية دفع العديد من المرضى إلى تقليص جرعات الأدوية أو التخلي عنها كليًا، وأصبحوا يسألون عن أسعار الأدوية قبل شرائها، ما يعكس حجم الأزمة التي يواجهونها. 

زيادة معدلات السرطان

بينما أسماء تقول: "أخضع حاليًا للعلاج الهرموني وأحتاج إلى متابعة كل 3 أشهر، وتستمر رحلة المتابعة لمدة تتراوح بين 5 إلى 7 سنوات، رغم أن العلاج في المستشفى مجانًا، فإن تكلفة السفر في كل رحلة تُقدر بحوالي 2500 جنيه وتزداد إذا احتاجت البقاء في فندق".

في ظل هذه التحديات، تتوقع الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية في تقرير لها صدر فبراير 2024، زيادة معدلات الإصابة بالسرطان بنسبة 142٪ في البلدان ذات المستوى المنخفض من التنمية، مقارنة بزيادة قدرها 99٪ في البلدان ذات المستوى المتوسط من التنمية خلال عام 2050.

وتأتي مصر ضمن هذه الفئة، حيث تحتل المرتبة رقم 83 من بين 167 دولة في مؤشر التنمية المنخفض، وفقًا لبيانات مركز حلول التنمية المستدامة التابع للأمم المتحدة في أكتوبر 2024، بينما يُشخص قرابة 170 ألف مصابًا بالسرطان سنويًا في مصر.

حاولنا التواصل مع الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، عبر الهاتف وتطبيق "واتساب"، لمعرفة خطة الوزارة تجاه معاناة مرضى الأورام من ارتفاع تكاليف التنقل بعد زيادة أسعار البنزين، إلا أننا لم نتلقَ أي رد حتى لحظة نشر التقرير.

تتشارك شيماء وفاطمة وأسماء معاناة يومية في مواجهة مرض السرطان، حيث تصطدم آمالهم في رحلة علاج آمنة بالواقع الاقتصادي الصعب، وتتقاطع مع أرقام مقلقة تكشف عن فجوة كبيرة بين الواقع والاحتياجات الفعلية.

 

معهد الأورام